رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا هو عنوان الدراسة التي كتبها الدكتور رفيق حبيب نائب رئيس حزب الحرية والعدالة حول الصراع القائم بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة القضاء، والتي تتناول محطات هذا الصراع والأسباب التي تدفع القضاة المعينين من النظام السابق إلى الصدام مع النظام الجديد المنتخب.
ويعرض بعضا من صور هذا الصدام، بدءا من أزمة حل مجلس الشعب واللجنة التأسيسية الأولى لوضع الدستور ومحاولات إلغاء نتيجة الانتخابات الرئاسية، وصولا إلى محاولة حل مجلس الشورى ورفض كل خطوة لإجراء انتخابات مجلس النواب الجديد. وكل ذلك من خلال أحكام قضائية تخالف القانون والدستور.
وكانت أزمة قانون انتخابات مجلس النواب إحدى صور هذا الصدام، حيث ظهرت محاولات المحكمة الدستورية العليا للتغول على السلطة التشريعية من خلال التفسير الخاطئ للدستور من أجل محاولة إنتاج مواد دستورية غير موجودة في الدستور الجديد. حيث يشير إلى أنه عندما عرض القانون على المحكمة الدستورية، أصدرت حكمها بعدم دستورية بعض مواده، وكان لافتا للنظر، أن المحكمة تعسفت في فهم الدستور، بصورة تخالف ما هو مسجل في مضابط الجمعية التأسيسية في عدة أمور. ولم تكتف المحكمة الدستورية بهذا، بل وضعت في حيثيات الحكم، عدة ملاحظات تفضيلية، ليس لها علاقة بدستورية المواد، أي أنها أبدت رأيا تشريعيا، وفضلت تعديل بعض المواد، رغم أنها دستورية.
وأصبح من الواضح، رغبة المحكمة الدستورية في توسيع دورها، لتكون شريكة في التشريع، وأيضا ليصبح لها دور في تفسير الدستور، بصورة تغير معناه عن المعنى الذي قصده المشرع الدستوري. وكان هدف المحكمة من ذلك هو خلق دور لها في إعادة إنتاج الدستور، بما يتفق مع ما تعبر عنه من توجه سياسي. وبهذا تكون بصدد توسيع دورها، لتصبح مشرعا دستوريا، وليس مراقبا لدستورية القوانين.
ويلاحظ أيضا، أن المحكمة الدستورية لم تحدد مقصدها في المواد غير الدستورية بشكل واضح، ولم تعلن تقرير مفوضي المحكمة، مما يعني أنها أرادت ترك المشرع القانوني، يحاول تخمين ما قصدته المحكمة، وهو ما يفتح الباب لإعادة الجدل القانوني حول قانون مجلس النواب في أي مرحلة، وهو ما حدث بالفعل.
ورغم هذا التمدد السياسي، المرفوض ديمقراطيا وقانونيا وقضائيا، إلا أن مجلس الشورى عدل القانون حسب رأي المحكمة الدستورية، ولم يدخل أي طرف في مواجهة مع موقف المحكمة، التي تجاوزت دورها عمليا. ومعنى هذا، أن الطرف الآخر، وهو حزب الحرية والعدالة، لا يريد فعليا الدخول في أي مواجهة، ويراهن على إمكانية التكيف مع ما يحدث، حتى يتم تصحيح الأوضاع تدريجيا.
وعندما أصدر الرئيس قانون مجلس النواب، كانت كل المؤسسات القضائية من خلال قياداتها، ترى أن إصدار القانون سليم وصحيح. مما يعني، أن الرئيس لم يصدر القانون، إلا عندما تأكد أن كل المؤسسات القضائية بما فيها المحكمة الدستورية ترى أن هذا الإجراء سليم. وهذه الاستشارات الودية، والتي لا تلزم أي جهة قضائية، مثلت وسيلة مباشرة من الرئيس، لتحقيق المصالحة بين السلطة القضائية والسلطة المنتخبة، وهو ما يتوافق مع موقف حزب الحرية والعدالة أيضا.
لكن رغم ذلك قام القضاء الإداري بوقف إجراء الانتخابات معتبرا أن القانون غير دستوري وقام بإحالته للمحكمة الدستوري، ليشارك هو الآخر في انتزاع صلاحيات له تخالف الدستور، الذي أوكل عملية تفسير الدستور للمحكمة الدستورية، كما نص على أن الرقابة على قوانين الانتخابات هي رقابة سابقة وليست لاحقة.
ورغم أن الرئيس ومجلس الشورى "المنتخب" قبلا بتلك الأحكام الجائرة على الدستور، إلا أن القضاء "المعين" لم يقف عند هذا الحد بل واصل هجومه ضدهما، من خلال محاولة إصدار أحكام بحل مجلس الشورى وإلغاء نتيجة الانتخابات الرئاسية رغم التحصين الدستوري لها.
لذا كان لابد "للمنتخب" من أن يتخذ خطوات للرد على هذه التطورات في المواجهة، رغم محاولاته السابقة بإرسال عدة رسائل "للمعين" – من خلال قبول أحكامه - للتأكيد على أنه لا مجال للصراع بين السلطات. فتم التقدم بمقترحات لتعديل قانون السلطة القضائية لإصلاح فساده وإعادته إلى دائرة سلطة الدولة المصرية مرة أخرى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3750
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
822
| 30 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
777
| 27 أبريل 2026