رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ وعينا على الحياة السياسية والفكرية والدينية في سوريا، ونحن نتابع الشخصية الأهم التي هزّت منابر الشام، وهزّت معها ضمائر السوريين، ثم ضمائر الأمة العربية والإسلامية توقاً للإسلام، وتوقاً معه للحرية والعدالة والمساواة، إنها شخصية الأستاذ عصام العطار، الذي ظل أميناً على الوديعة التي استودعه إياها الدكتور الراحل والشيخ الحمصي الفاضل مصطفى السباعي رحمه الله كمؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، ولا زلنا نستذكر مواقفه السياسية الواضحة الكاشفة التي لا تقبل التلوّن ولا التضليل، إنها مسافة النأي عن الاستبداد وأهله، حتى ولو كان أداة لوصوله إلى السلطة، وإلى حكم حاضرة بني أمية...
التقيت الأستاذ الكبير عصام العطار غير مرة في ألمانيا، وحين سألته في مقابلة شهيرة على شاشة قناة الجزيرة، والتي كانت المقابلة الأولى منذ اختفائه عن المقابلات في عام 1981، والتي ظهر فيها عام 2009 تقريباً، عمّا تردد عن رفضه للتعاون مع انقلابيين في مطلع الستينيات، ودعمهم سياسياً ومجتمعياً ضد البعثيين. أجاب دون تردد: لن أقبل الوصول إلى السلطة من خلال البنادق، وإنما نريدها من خلال الحرية وصناديق الاقتراع الحر الحقيقي، لكن قواعد اللعبة في سوريا كانت قد حُسمت مبكراً وهي قواعد الانقلابات العسكرية، فقضت بحرمان الأستاذ من دخول سوريا بعد أن كان يقوم بأداء فريضة الحج، حين كان يهمّ بدخول الأراضي السورية من لبنان، وظل العطار بعيداً عنها منذ عام 1964 حتى توفاه الله في ألمانيا أخيراً.
خلال زيارتي إليها عام 2009، مكثت في آخن بألمانيا ثلاثة أيام للقاء أبي أيمن رحمه الله، تلك المدينة التي استقبلته على مدى ذلك التاريخ المرير من الهجرة، فتنقل خلالها بين عواصم أوروبية، ولكن ظل يقضي معظم حياته في آخن، حتى توفاه الله، ففي اليوم الأول الذي دعانا فيه على الغداء جلست معه إحدى عشرة ساعة متواصلة من الساعة الثالثة ظهراً حتى الثانية فجراً، وفي اليوم التالي كرر نفس الأمر دعوتنا على الغداء، وجلسة امتدت لنفس الفترة إحدى عشرة ساعة، أما في اليوم الثالث فقد جلسنا فيها لتسع ساعات، تخللها غداء ومقابلة تلفزيونية بثت على قناة الجزيرة، وعلمت لاحقاً أن شوارع دمشق غدت مهجورة ساعة بث اللقاء، لأن الكل كان يودّ أن ينصت للقائد الأشهر في الستينيات وما بعدها.
كان الأستاذ عصام العطار يحدثنا خلال جلساته عن كل شيء، من الفكر الإسلامي، إلى التاريخ الإسلامي، مروراً بالواقع العربي والإسلامي المرير والنهوض به، ولا تزال نبرات صوته ترنّ في أذني حين كان يضغط على الحروف والكلمات، وكأنه يخال نفسه خطيباً في مسجد الجامعة بدمشق والذي كان يصل من خلاله صوته إلى كل أرجاء سوريا، حيث يتدفق السوريون يوم الجمعة حتى من خارج دمشق للاستماع إلى خطبه المعروفة والمشهورة، والآسرة للقلوب.
حدثني الأستاذ عصام في تلك الجلسات الطويلة عن ظروف الهجرة الصعبة التي قاسوها خلال تلك السنوات، إلى أن سنّ النظام السوري بزعامة حافظ الأسد يومها سنّة الاغتيالات في الخارج ضد معارضيه، فكان أن أرسل عصابات موته إلى آخن، ليقتحموا دار عصام العطار وهو غائب عنها، فلم يجدوه في الدار، حيث كان هدفهم للاغتيال، فاستهدفوا زوجته، وقتلوها في عام 1981، أسوة بمجازرهم يومها في تدمر ومن قبلها حلب وجسر الشغور، ثم من بعدها مجزرة حماة، وسلسلة مجازر تلد مجازر حتى يومنا هذا. ارتبط الأستاذ عصام العطار بالأخت الفاضلة بنان الطنطاوي، وحين رزقني الله تعالى البنت الأولى أسميتها بنان تيمناً ببنان الطنطاوي رحمها الله، التي كنا نتابع ما تكتبه من كتب ومن مقالات في جريدة الرائد التي كان يصدرها الأستاذ عصام رحمه الله.
كان الأستاذ عصام العطار يشير إليّ بيده لكل زاوية نال القتلة من بنان، حيث هنا الدم سال، وهنا كانت الجثة، وهنا وهنا، كما كان يتحدث، وهو كسيف حزين كئيب، يتفطر قلبه حزناً، وعيناه تسيح دموعاً على رفيقة الدرب التي أحبها حباً جماً فرفض أن يتزوج بعدها، وربما قصة زواجهما وحياتهما درس ونموذج حقيقي للزواج الرائع بين الزوج وزوجه، وحين أكّد لي ما كنا قد سمعنا عن عفوه عن قتلة زوجته، بعد أن قبض عليهم الأمن الألماني، حزنت جداً، فهذا الوقت وقت الانتقام من القتلة المجرمين الذين لا يعرفون العفو، ولا تعرف قلوبهم الرحمة، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب، وهو ما تأكد في سلسلة اغتيالات بثها نظام الأسد من ألمانيا، إلى اغتيال مؤسس حزب البعث صلاح الدين البيطار في فرنسا، وهو الذي كتب مقاله الأشهر عذراً شعب سوريا العظيم، ويعتذر فيه عن دوره في تأسيس البعث وتمكن الطائفيين من خلاله من السلطة في سوريا، ثم امتدّ إلى اغتيال الأستاذ نزار أحمد الصباغ في نفس العام بغرناطة في اسبانيا.
لم يبخل الأستاذ عصام العطار على قضايا العالم العربي والإسلامي بالدعم والتعريف والمساندة والتأييد، فقد وهب حياته لإحياء العمل الإسلامي، فكانت علاقاته متينة وقوية ووطيدة مع كل حركة إسلامية، وحتى مع كل حركة وطنية تهدف إلى إعادة الحرية والديمقراطية للشعوب لتحكم نفسها بنفسها، ولا أدلّ على ذلك من حجم التضامن الكبير الذي حظي به بعد رحيله، فقد عزّاه الجميع. لقد أصلح العطار ما أفسده نظام الأسد في سوريا وخارجها، حين انتقم الشعب السوري والأمة العربية والإسلامية بتضامنها وتعاطفها مع رحيل الأستاذ الكبير عصام العطار، فإن رحل الأستاذ العطار جسداً، فقد بقي عطره يفوح، ويتضوّع ليس في الشام وحدها، وإنما على مستوى العالم العربي والإسلامي، سيظل السوريون يستذكرون العطار والسباعي، والألباني، ويستذكرون معهم عبد الفتاح أبي غدة وعدنان سعد الدين وحسن هويدي وسعيد حوى، ومحمد ديب الجاجي الذين قضوا بعيداً عن وطن البعث وآل الأسد، وسيظل أبناؤهم وأحفادهم ومحبوهم أمناء على الإرث الذي خلفوه بالثبات على المبادئ والأفكار حتى يرون سوريا كما تمناها وأرادها ذلك الجيل العملاق.
تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي
أتفهم حالات التشكيك بأي انتصار للأمة المستضعفة، فقد عاشت الأمة منذ وقت طويل حياة الانكسارات والهزائم والخيبات، حتى... اقرأ المزيد
1083
| 01 يوليو 2025
تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء
التفجير الإرهابي الإجرامي الذي استهدف يوم «الأحد الأسود» كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بالعاصمة دمشق، والذي راح... اقرأ المزيد
918
| 24 يونيو 2025
سوريا.. الجمهورية الثانية
في الثامن من ديسمبر/ كانون أول من العام الماضي، كانت سوريا والعالم العربي والإنساني على موعد جديد في... اقرأ المزيد
1590
| 17 يونيو 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8724
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2829
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2532
| 30 أكتوبر 2026