رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
روحانية الميدان تجلت في الإيثار و"الأنا" أطفأت ضوء القمر
الأحداث في مصر تتلاحق، وغالبا ما تخرج عن النص، واللاعبون على المسرح يتزايد انشغالهم يوما بعد يوم بقضايا متعددة تتوحد أحيانا وغالبا ما تختلف، عاشت مصر الغناء الأوبرالي العظيم الذي امتد منذ وقفة الشباب الصامتة في كل ربوع مصر لخالد سعيد سواء دعاء بالرحمة أو طلبا للثأر، في مشهد هو أقرب إلى البروفة الجنرال للخروج العظيم الذي بدأ في الخامس والعشرين من يناير.
تصاعد الخروج العظيم للشعب حتى تحقق عزل الرئيس السابق، وما زال يأتي في صورة زخات بشرية لتصحيح مسار أو للضغط لتحقيق هدف.
ولغياب الثورة عن السلطة، وغياب الرؤية عن الثورة، والتشتت في الخطط الزمنية المطروحة واختلاط الأولويات، اعتقد كل لاعب أن ما يشغل باله من قضايا وعناوين هو الأولى بالرعاية من غيره، كفرقة موسيقية على مسرح الأوبرا، لا أحد يعلم إن كان أعضاؤها من العازفين أو عابري السبيل الذين ساقتهم أقدامهم إلى المسرح وليست قدراتهم، كل منهم يخرج أصواتا، والمايسترو غائب، لم يخوضوا معا بروفة قبل الحفل الكبير، فصار الحفل بروفة لمعزوفة مجهولة المصدر والهدف والمحتوى، وصارت الحياة هي بروفة حياة، والثورة بروفة ثورة.
وكما تصور البعض في إعقاب انتحار الشاب التونسي محمد بوعزيزي، أن الانتحار كان زناد تفجير الثورة التونسية، وتوالت مشاهد الانتحار في الجزائر ومصر، أخطأ البعض الآخر بالاعتقاد أن مجرد الاحتشاد بلا مضمون وتحت أي عنوان هو دلالة إرادة، ويمكنها أن تساوي ثورة شعب.
تتوالى المشاهد في مصر، حصار للإعلام، واغتيال معنوي للقضاة أصحاب الرأي، ولعبة السلم والثعبان في أمر التحقيقات فيما يسمى بالكسب غير المشروع، ثم حلقات حوار مجهولة الأعضاء ويلف غاياتها ضباب كثيف يحول بينها وبين المجتمع، حتى أن دعوة للشباب للاجتماع والمجلس العسكري، الدعوة إلى شباب الثورة، بلا تعريف واضح لمعنى شباب الثورة، وكأن الثورة بلا أب، وأن الشعب خارج الاعتبار.
ضجيج وصخب وصراخ وأمن مفقود.
قضية القضايا في مصر الآن هي الأمن المفقود وليس الدور التائه الباحث عن فارسه، وليس الوعي العائد مغتربا بين أهل الوطن الذين في أشد الحاجة إليه، وليست أيضاً الاعتقاد السائد أن مجرد نطق الكلمة يعادل التجربة، ولا هي ذلك النمو السرطاني لتجمعات تحمل من الثورة والشباب والالتئام مجرد الاسم.
الجميع يرصد نمو الجريمة، وتكاد نسبة عالية منها تقع تحت توصيف الجريمة المنظمة، ويكشف تنوعها حجم العقل المخطط لها، وانتشارها بأنواع من الأسلحة يتجاوز أي تصور عن توافرها وبهذه الكميات، ليست أسلحة بيضاء يمكن تصنيعها ولكنها أسلحة نارية متنوعة تتجاوز حتى بنادق الكلاشينكوف.
وصدر تصريح عن وزير العدل في وزارة تسيير الأعمال أن عدد البلطجية في مصر يصل إلى نصف مليون بلطجي، وأن تكلفة الفرد منهم خمسة آلاف جنيه لليوم الواحد، أي أنهم قادرون على رصدهم عددا، ويعلمون تكلفتهم قطعيا.
وترصد المعلومات أن الأمن بدأ في إعادة الاتصال بالبعض من البلطجية، ربما هؤلاء من كانوا بعيدا عن متناول الأمن في أعقاب خلل إعادة ترتيب البيت الداخلي للأمن، والغريب أن إعادة الاتصال بهم ليست بهدف عزلهم عن المجتمع، ولكن الهدف ما زال مجهولا، والبلطجية من هذا النوع كانوا يبحثون عن مصادر للرزق، والآن توقفوا عن البحث مما يؤكد أنهم استعاضوا عن العمل بأشياء أخرى كمصدر للرزق.
تعدد الجرائم وتنوعها وحدتها وتكرارها في ذات المواقع تؤكد أنه لا رادع لها، وليس للمجرمين خشية من مواجهة أجهزة الأمن.
وانتقلت الجرائم من سرقة كابلات التليفونات، إلى الاختطاف لرجال وسيدات، وإن كانت جريمة اختطاف السيدات مبررة جنسيا، إلا أن اختطاف الرجال أمر لا تفسير له إلا الثأر، أو مجرد الترويع، فالإنسان من دون حماية له سلعة سهلة ورخيصة. ووصل الأمر إلى القرصنة على الطرق بين المدن، وبتكتيكات متنوعة وتنتهي إما باقتناص السيارات وما يمتلكه ركابها، أو يضاف إليها قتل الركاب أيضا.
وضاعف من أثر هذه الجرائم ومعدلات تكرارها، انعدام أي خطة أمنية محسوسة لمواجهتها، وعلى حد تعبير أحد الخبراء الأمنيين، "نحن يجب ألا ننتظر خروج البلطجية إلينا، بل المفروض أن مواقعهم ونوعياتهم مرصودة وهم معروفون على الأقل بنسبة %80، ويجب أن نذهب إليهم، إعمالا لقاعدة أن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع". وتتسرب أنباء عن تعليمات أمنية تطالب الضباط والقيادات المحلية بالهدوء والتروي والتزام الحذر. وبلغ الأمر داخل مؤسسة الشرطة بعدم إلزام رجالها بتنفيذ خطة الأمن أيا كان استغراقها للوقت، ولكن تم تحديد ساعات للعمل الوظيفي، وتحديد مقابل لساعات العمل الإضافية، في حال القبول بالعمل الإضافي، بمبالغ تبلغ 1.5 جنيه للساعة للرتب العظيمة، فما بالنا بالرتب الأقل، وكأن صانع القرار يقول لهم الزموا منازلكم بعد ساعات العمل الرسمية.
وانتقل مفهوم العمل الشرطي من كونه رسالة، إلى أنه وظيفة. ففقد الدافع الرئيسي في العقيدة والمنهج التي تحكم أداء عناصره.
ومن جانب آخر، يخرج وزير داخلية تسيير الأعمال بتصريحات لا تطفئ جذوة الغضب الشعبي من ممارسات الشرطة السابقة حتى يوم 28 يناير يوم مذبحة جمعة الغضب، تصريحات من نوع أن من قتلوا في المظاهرات والهجوم على مقار الشرطة ليسوا شهداء بل "بغاة"، وأن الشرطة كانت في حالة دفاع عن النفس، وبينما يعلم الجميع المسؤولون عن المواجهات الدامية، يتم نقلهم إلى وظائف أكثر سخاء ماليا، وكأن الجهاز يكيد للشعب، وبدلا من إزاحة الفاسدين والمسؤولين عن الجرائم، والدفع بالعناصر غير المتهمة بكل هذا، يتم التحريض بوجوب اعتذار الشعب للشرطة. وتتباطأ عملية المحاكمات، بل وتطلب النيابة شهود رؤية قطعية لعمليات القتل من هذا الفرد الشرطي لذلك الشهيد.
ووصل الأمر بعلامات الاستفهام إلى حد القول إنها خطة منهجية لإثارة الفوضى والغياب عن أداء الدور الأمني، لشغل المجتمع والمواطنين عن قضايا الحياة وإعادة البناء.
وتتصاعد ردود الفعل الشعبية العفوية على أداء بعض رجال الشرطة إلى حد حرق قسم الأزبكية بوسط العاصمة لاعتقاد تسرب إلى الأهالي أن الشرطة قتلت سائق سيارة ميكروباص.
وتنتقل اللائمة إلى كيف نعيد تأهيل الشعب للتعامل مع الشرطة بديلا عن تأهيل أفراد الشرطة لأداء دورهم، وقبل ذلك تأهيل البيئة التي يعملون فيها بإجراءات توضح أن التطهير يتم بعزل كل الفاسدين والمتهمين لحين صدور الأحكام في أمرهم، وعند وضوح هذا الأمر أمام المواطنين، سيكون هناك بالقطع إمكانية لتصديق مقولة إن تغييرا تم في منهج الشرطة في التعامل، أما سياسة المكابرة التي تتبعها وزارة الداخلية صارت هي أداة الاستفزاز الرئيسية للمواطنين.
الأمن مسؤولية الجميع الجيش والشرطة والشعب، وبدون هذه المنظومة المتكاملة، فلن يتحقق أمن في بيئة ترفض سلوكيات سابقة ولم تتيقن من جدية التغيير في السلوك والهدف، بل وصل الأمر من تخوف أن عودة الشرطة تعني بدء حملة الانتقام من الشعب.
إن المقاومة الوطنية للمحتل الأجنبي تبني بيئة صديقة لها بين شعبها الذي تهدف إلى تحريره، فما بالنا بشرطة وطنية تواجه الجريمة ومدى حاجتها إلى بيئة صديقة وآمنة تتحرك خلالها، والأمر لا يكلف إلا الصدق وإجراءات طبيعية لمن هم تحت المحاكمة أو متهمون إلى أن تثبت براءتهم أو إدانتهم.
وتجاوز الأمر في العناد إلى مواجهة في دائرة القضاء، ويجري تقديم ثلاثة قضاة إلى التحقيق لظهورهم في أجهزة الإعلام وإعلان آراء لهم في شأن قضايا المجتمع الحالية.
ويبلغ الأمر أن تنعقد الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية يوم الثلاثاء 31 مايو، وتصدر قرار بحظر ظهور أعضاء المحكمة والمفوضين، في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وكذلك عدم المشاركة في أي ندوات أو مؤتمرات، أو الحديث فيما يتعلق بالشأن العام والأحداث الجارية. وكأن القرار يقول بمنع المستشارة تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية بالذات من دورها المجتمعي والبعيد عن الممارسة السياسية، وذلك بعد أن قادت حملة ضد تأجيل الدستور ضمن مجموعة من أساتذة القانون وفقهائه، وكانت هي وسط الكوكبة نجما بازغا طافت محافظات مصر وأجهزة الإعلام شارحة معنى الدستور ولماذا، ووجوب أن يسبق أي انتخابات، ووصل الوعي بالقضية إلى الشعب، وجاء قرار الجمعية العمومية متأخرا وبلا تأثير، بل اصطف العديد من أساتذة القانون للدفع بعدم دستورية هذا القرار لأنه يمنع مواطنا من حق إبداء الرأي الذي يكفله الدستور.
وانتقلنا من أن الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا هي الحامية للدستور إلى كونها معتدية عليه، ضربة أخرى إلى البيئة الآمنة، ومسار جديد تنتهجه مراكز القوى المضادة للثورة، وهو مسار الاغتيال المعنوي لعناصر الوعي والريادة داخل المجتمع.
وتتداعى أسئلة حول ما كان وما هو الممكن:
هل كان من الخطأ ترك ميدان التحرير؟ وهل يمكن تصحيح الخطأ؟
هل الانفلات الأمني دلالة عجز وقصور في الأداء أم أنه خطة منهجية لحصار الثورة؟
هل نلطم الخدود أم ننتقل إلى استكمال أداء كانت آخر مشاهده المضيئة جمعة الغضب الثانية؟
أليس بينهم عقل رشيد نستدعيه دون أن يمن علينا بفضل الانحياز للثورة الغائبة عن الواقع في اللحظة الراهنة، أو أن يتمترس خلف ادعاء القوة وامتلاك حق الإحالة للمحاكمات العسكرية؟
أعتقد نعم يمكن للشعب تحقيق أهدافه بالخروج الثالث، وتحمل مسؤولية الأمن مباشرة عبر اللجان الشعبية كما حققها يوم 27 مايو في جمعة الغضب الثانية، وها هي دعوة جديدة تنادي بالخروج يوم العاشر من يونيو في جمعة استعادت الأمن للمواطن، وهو ما يعني أن الغياب عن الميادين هو مقتل الثورة والاحتشاد فيها هو ضمانة استمرارها.
كتبت بائعة الذهب من أهل التحرير تصف الحال " تجلت روحانية الميدان في الإيثار.. فما إن تذكر كل منا تلك "الأنا" حتى انطفأ ضوء القمر.. فلم نعد نستبين الطريق".
أيها السادة نحن نحيا ثورة وليست بروفة ثورة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4893
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1479
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
990
| 06 أغسطس 2026