رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر نظرية المؤامرة فكرة مستحكمة استولت على العقل العربي منذ الاستقلال وحتى الآن، وهي أيضا هروب من نقد الذات ومراجعة الأخطاء والسلبيات التي وقعت فيها النخب السياسية العربية في صراعها مع أعدائها، والصراعات الداخلية فيما بينهم، وأصبحت ـ فكرة المؤامرة ـ همّهم الذي لا فكاك منها أو القفز على معضلتها [في عقولنا] باعتبار أن المؤامرة على العرب إستراتيجية غربية ثابتة ونزعة عدوانية مستحكمة، دون أن تكون هذه الفكرة صحيحة ومنطقية.
والواقع أن بعض الكتاب نقدوا نظرية التآمر وآثارها السلبية على تفكيرنا، لكن لم تقبل مثل هذه الرؤية الناقدة منهم، لأن النخب السياسية لا تريد أن تعترف بالأخطاء، وتبقيها على عاتق المؤامرة الخارجية، وذلك أن الواقع العربي وإشكالاته منذ بداية هذا القرن وحتى الآن قد واجه معضلات عديدة وتحديات كبيرة، بعضها من صنعنا ـ إن لم يكن جلها ـ وبعضها الآخر كان من الآخر المختلف معنا، لكن لأسباب نحن أسهمنا في وجودها نتيجة لخلل في التفكير، وكذلك لغياب النقد الذاتي والحوار الموضوعي والنظرة المنهجية السليمة للأمور الظرفية والعادية باستخدام أفضل الخطوات للتعامل مع ما يواجهنا من ظروف ومتغيرات من خلال التفكير الموضوعي لحل هذه القضايا والمشكلات.
والغريب أننا مع كل كارثة تصيبنا لا نقوم بعدها بالتقييم المنطقي لأسبابها وظروف حصولها بالنقد والتحليل والكشف الواعي للحقائق الغائبة والبارزة في وقوع هذه الكارثة وبدلاً من ذلك نلجأ إلى الهروب من الواقع الذي أسهمنا في وجوده (الأمثلة كثيرة في هذا المضمار)، وكما يقول المثل، نقفز إلى الجدار القصير السهل والتفسير المعتاد والمواجهة السهلة والمريحة (نظرية المؤامرة) ـ ولا شيء غير المؤامرة ـ وهذا في الواقع هروب من نقد الذات ومواجهة الحقائق بكشف الأخطاء ومسبباتها، والتي هي نتيجة منطقية لأسباب كامنة وبارزة في ذاتنا بغض النظر عن استغلال الأعداء والشامتين والمغرضين (والمتآمرين أيضاً)، لكن الواقع الذي يجب أن نواجهه أن معطيات ومسببات جوهرية كانت من صنعنا.. أما ما ترتبت عليه وعنه من مضاعفات ومستجدات وتطورات وتدخلات بريئة أو خبيثة فلها تفسير آخر وتقييم له مقاييسه ومعاييره، ويخضع للنقد الذي يؤسس على منطق عادل بعيداً عن الأطياف الخادعة والقراءات الانفعالية.. فالبعض يتحدث عن مؤامرات تحاك ضدنا في وقت وحين، وحتى الآن تتردد الأقوال عن هذه الفرضية التي لا تبارح ساحة أمتنا غير بقية أمم الخليقة، فحرب 48 مؤامرة... وحرب 76 مؤامرة.. وحرب 56 مؤامرة.. وحرب الخليج مؤامرة... واتفاق أوسلو مؤامرة... وغيرها وغيرها.. والأخطر أننا نسكت عن التفسير الموضوعي الذي كان من المفترض أن نسلكه ونتغافل عن أمور كثيرة وظروف كان لها الدور الأساسي في وقوع المحظور الذي نسميه (مؤامرة)، ونحن في هذه المناقشة لقضية "المؤامرة" أود أن أسأل سؤالاً عابرا.. هل كان من الممكن تجنب كارثة 48 المشؤومة؟ وكذلك كارثة حرب الخليج الأولى والثانية وغيرها من النكبات (أقصد المؤامرة)، نعم كان من الممكن أن نتجنب هذه الأخطاء الجسيمة، فلولا الحماس العاطفي الذي حرك مشاعر احتلال فلسطيني لكان من الممكن أن نتحوط لما أعده عدونا الذي كان قد أكمل استعداده وعدته لفرض واقعه ظلماً وعدواناً.
وكان من حقنا الدفاع عن حقوقنا المشروعة، وهذا منطق سليم.. لكن هل نحن مستعدون وقتئذ لهذه المهمة المقدسة؟ هل كل أمتنا في ذلك الوقت تملك قرارها السليم والصائب، عدةً وعتاداً، لدحر الغاصب ومناصريه؟ لا.. لم نكن نملك المقومات والاستعداد والعدة والتخطيط لاستعادة حقنا ولا الظروف أيضاً مواتية لذلك، لأسباب كثيرة ليس الآن مجال سردها، والشواهد والمبررات واضحة.. وكان من الممكن أيضاً ألا تقوم هذه الحرب، لكننا نحن اندفعنا بعاطفة والعاطفة وحدها لا تستطيع أن تجابه عدواً خبيثاً كاليهود.
وحرب 67 كان من الممكن أن نتجنب وقوعها لأسباب كثيرة ناقشها الباحثون في مراحل عدة، لكننا أيضاً وقعنا في نفس الفخ القديم.. العاطفة.. والحماس.. والاندفاع... وكان منطقياً أن ندرس نكبة 48 م جيدا، لكننا مع ذلك تجاوزنا كل المبررات المنطقية التي يجب أن تكون على رأس الأولويات في دراسة عدونا وقدراته، دراسة وافية.
وكان ممكناً أيضاً ألا تقام حرب يونيو ـ التي مرت عليها 48 عاما، لكن عدونا إلى هذه الكارثة جراً، بافتعال الأزمة على الجبهة الشمالية، حيث كنا في ذلك الوقت لا نملك القدرات الكافية، فجزء كبير من الجيوش العربية تنقصها الخبرات العلمية والمهارات المهنية.. فالشجاعة وحدها لا تكفي في هذا العصر والإيمان بالقضية العادلة يكون في الوجدانيات والضمائر، وليس في ساحات القتال التي تعج بأحدث الوسائل التقنية.
إذاً أين هي المؤامرة؟ وكيف جاءت؟ إن إلقاء التبعات على إخفاقاتنا على مؤامرات عدونا تحتاج إلى تقييم موضوعي ومبررات معقولة.
فالغرب الذي يحيك لنا المؤامرات ـ كما يقال دائماً ـ لا يستطيع أن يدفعنا إلى ساحات قتال وصراع لا نملك مقومات كافية للمواجهة.. فلماذا نندفع بعاطفة تنتهي بكارثة ثم نلقي بتبعات هذه الكارثة على المؤتمرات؟ ألم يكن منطقاً وعقلاً أن ندرس الكوارث والأزمات ونستفيد من التجارب السابقة؟.
فالقضية هي بأيدينا وليس بأيدي عدونا، ونحن نملك قرارنا، سواء كان صائباً أو خطأ، وهو المحك الحقيقي لتفسير كل أزمة أو كارثة.. وبدلاً من دراسة القصور ومسببات التقصير نلجأ دائماً إلى هذا التبرير المريح، ونغفل الجوانب السلبية التي أسهمت في هذا المأزق الذي نحن بصدده، فالغرب يهمه إخفاقنا وربما أسهم فيما وقعنا فيه من كوارث وأزمات.. وساند الخصم بالمال والعتاد، لكن إلقاء كل أزمة نسهم في وقوعها بالمؤامرة من الآخر (الغرب)، خلل في التفكير وقصور في التخطيط ومبررات سلبية تطيل المرض ولا تشفي المريض.
حتى في أفغانستان فإن الصراع الدامي على الحكم خلال السنوات الماضية بين قادة الجهاد الأفغاني برزت على الساحة حركة طالبان، فإن أول عبارة قالها قادة الجهاد: إن طالبان مؤامرة أمريكية!! وكان منطقياً ألا تظهر "طالبان" لولا اشتداد الصراع على المناصب بينهم، فالـ"طالبان" نتيجة منطقية لما أسهم فيه القادة الأفغان وليست مؤامرة خارجية، فصراعهم أوجد مصلحة في تغذية أحد عناصر الصراع، فلو أمعنا النظر لوجدنا خطأً كبيراً منا قبل تدخلات أعدائنا.
ثم إنه بظهور داعش، قال البعض إن داعش مؤامرة إيرانية، وبعضهم قال إنه مؤامرة أمريكية، ولم يدركوا أن داعش هي إفراز من إفرازات الإقصاء والقمع في العراق، ونتيجة من نتائج تسريح مئات الآلاف من الجيش العراقي الذين وجدوا أنفسهم في الشارع وربما لا يجدون قوت عيشهم بعد التسريح، فماذا سيحدث؟ طبعا سيتحالفون حتى مع الشيطان، وليس مع التطرف والتكفير، من أجل استرداد ما يعتبرونه ظلما وقع عليهم في وطنهم، وهذه هي المعاناة الكبيرة في العديد من عالمنا العربي للأسف.
نحن إذاً في حاجة إلى نقد الذات لا إلى جلدها أو تغييبها عن مواجهة الأخطاء والعيوب، وهذا لا يتأتى إلا بالمواجهة الصريحة وحرية النقد الذي يلامس واقعنا بعيداً عن (نظرية المؤامرة أو تضخيم الذات أو جلدها).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3681
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3123
| 30 أكتوبر 2026