رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نواصل في الحلقة الثانية من حديثنا عن السلطان العادل المنسي أورنكزيب، وكيف تغلّب على إخوانه واتجاههم الإلحادي، التلفيقي بين الأديان...
تغلُّبه على إخوانه بعد تنازل والده:
عام 1657 مرض شاه جهان والد أورنكزيب مرض الموت. عُرف شاه جهان في التاريخ ببنائه تاج محل الذي بناه على قبر زوجته المحبوبة له، وشارك في بنائه 21 ألف شخص، واستمرت عملية البناء لـ 12 سنة. كان هذا البناء الأسطوري تعبيراً من الملك شاه جهان عن وفائه لزوجته التي أحبها كثيراً، ويُعدّ تاج محل اليوم من عجائب الدنيا السبع. ومع اشتداد مرضه تنازل شاه جهان عن المُلك، ليجلس في القلعة التي كان يسكن فيها نجله الأكبر (دارا شكوه). أخفى الأخير مرض والده عن أشقائه، ومن بينهم أورنكزيب الذي كان مشغولاً بقمع تمردات البراهتا، وهم أتباع ديانة هندية خاصة، إضافة إلى انشغاله في قمع تمرد للشيعة في حيدر آباد الدكن. وفي هذه الأثناء ظل (شكوه) يواصل تزوير خطابات باسم والده، ويرسلها لأشقائه ولعماله في السلطنة، من أجل تسيير المملكة بما يتوافق مع طموحاته ونيته بالاستحواذ على الحكم.
كان شكوه يمثل التيار الإلحادي المعادي للاتجاه الإسلامي، الذي كان من أبرز رموزه أورنكزيب بالتنسيق مع حركة التجديد الإسلامي التي كان قد بدأها العلامة الشيخ أحمد السرهندي، مجدد الألف الثانية كما يطلق عليه مسلمو الهند، وتصاعد وتعزز نفوذ هذه الحركة لاحقاً، مما شكل تعاوناً بينهما دعماً لكليهما في وجه التيارات الإلحادية المدعومة من (شكوه)، ووالده المريض شاه جهان. لم تقتصر مشاركة الأب لـ شكوه دعماً معنوياً ورمزياً، وتسليماً للحكم فحسب، وإنما بدأ من خلال نفوذه على عماله بالدخول في تفاصيل التآمر على أورنكزيب، ووصل الأمر إلى توزيع سلاح سري على الخدم والعمال في قصر أورنكزيب للقضاء عليه والتخلص منه لصالح شكوه. لقد كان يرى في أورنكزيب مشروعاً مضاداً له ولوالده أكبر. كان أورنكزيب بدهائه وحكمته مطلعاً، ويتابع سراً كل ما يقوم به أخوه ووالده، ولكن لم يأت له على ذكر، حتى أمسك بكل الخيوط وكتب رسالة تفصيلية له بكل احترام وتقدير، يشرح له تآمره عليه، ولكن ظل مع هذا حتى آخر لحظة من حياة والده رفيقاً وعطوفاً ورحيماً به، مع حزم وكفاءة شهدت له.
يقول المؤرخ المغولي محمد كاظم في كتابه عالم كير نامة عن الأمير شكوه: "ورسخ في قلبه الإلحاد والنظريات الإباحية التي كان يسميها تصوفاً، وولع بعادات الهنادكة، فكان على خطى جده أكبر". ولم تقتصر جهود شكوه على الجوانب العملية بحكم إمارته في ترسيخ دين أكبر، وإنما عززها بقدرته الفكرية حين ألف عدداً من الكتب ليدافع فيها عن مشروعه الإلحادي ودين جده أكبر.
مع اجتماع السيف والقلم الإلحادي، كان على الطرف الآخر ممثلاً بالحركة الإحيائية التجديدية والأمير أورنكزيب أن يعزز صفوفه، وهو ما حصل، فقد دعم العالم المجاهد محمد السعيد نجل أحمد السرهندي الإمبراطور المغولي أورنكزيب في معاركه كلها ضد أشقائه وأبيه، موفّراً له بذلك حاضنة مجتمعية وسط مسلمي الهند، وحشد له العلماء خلفه في جميع معاركه التي خاضها ضد أشقائه الآخرين بقيادة شكوه. بينما كان الأب المريض حتى وهو على فراش الموت يواصل تآمره لصالح شكوه، ضد أورنكزيب.
كان الاتجاهان، الإلحادي، والإسلامي التجديدي، يستعدان للمعركة الكبرى، وكان رمز الإلحاد كما ذكرنا الأمير شكوه وإخوانه، بينما يقود معسكر التجديد الإسلامي الأمير أورنكزيب ومن خلفه العلماء والحاضنة التي بدأت تتعاظم تأييداً ودعماً له، فكانت المعركة الفاصلة التي حددت معالم الهند، ومعالم الإمبراطورية المغولية عام 1069، وسبق المعركة انشقاق 15 ألف مقاتل سيخي بقيادة جاسوانت سنغ، عن جيش أورنكزيب، والتحقوا بجيش شكوه، وعلى الرغم من حزن أورنكزيب على هذا الانشقاق، لكن طمأنه قادته وعلماؤه أن ذلك خير من أن يظلوا بالجيش ويقاتلونه من الداخل. وحُسمت المعركة لصالح أورنكزيب، وكأداء لشكره الله على هذا الانتصار فقد تعهد بحفظ القرآن الكريم فكان له ذلك خلال عامين فقط.
جهوده وإنجازاته في فترة حكمه:
استمرت فترة حكم أورنكزيب لـ 49 عاماً، أي ما يقارب النصف قرن، تمكن خلالها بمساعدة علماء عصره من الحركة التجديدية، من إحداث تغييرات بنيوية وجوهرية في الإمبراطورية المغولية، ولأول مرة بدأ يظهر اهتمام بالدعوة إلى الله، بعد أن كان الدين أقرب ما يكون إلى وسيلة وواسطة للحكم. فسارع أورنكزيب بعد تسلمه السلطة إلى استبدال التاريخ الشمسي الذي سنّه جده أكبر متأسياً بعبّاد الشمس، إلى التاريخ الهجري تأسياً بهجرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام. وأرفقها بسلسلة تغييرات، فكان منها إلغاء منصب ملك الشعراء، حيث كان الشعراء يحصلون على المبالغ الضخمة من الإمبراطورية مقابل قصائد مديح كاذبة وتزلف ونفاق للأمراء. وألغى معها عيد النوروز الخاص بالفرس، واكتفى بعيديّ المسلمين الفطر والأضحى. وكانت ثمة ما يسمى بعبادة (روشن) وهي تحديق الناس لساعات في وجه الملوك، فألغاها، وحظرها، أما على صعيد الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فقد أعفى الناس من الضرائب والمكوث المفروضة عليهم، والتي كبّلتهم ودمرت اقتصادهم. وخطا خطوة مميزة على صعيد أوقاف المسلمين، حين أنعشها، وأوقف العديد من الأراضي لمصالح المسلمين، وقام بتشكيل شرطة للحسبة، وأمّر عليها العلامة مير زاهد الهروي المعروف يومها وسط العلماء.
منذ توليه الإمبراطورية شنَّ حرباً على الموسيقى، نظراً لتفشيها بشكل مفرط خلال الفترة المغولية، وبعد توليه الإمبراطورية رأى حشداً يحملون جنازة وهم يبكون وينتحبون، فسأل عن صاحبها فقالوا له إنها آلات المعازف، فقال لهم: "أحسنوا دفنها وعزاءها". لكن يظل من الجهود الجبارة التي قام عليها في حياته تشكيله لجنة من العلماء، ومن بينهم الشيخ عبد الرحيم الدهلوي المؤرخ والصوفي المعروف، وهو والد العلامة شاه ولي الله الدهلوي صاحب كتاب (حجة الله البالغة)، حيث عكفت هذه اللجنة على تدوين (الفتاوى العالمكيرية) أو ما تسمى أحياناً بـ (الفتاوى الهندية)، لتكون بمثابة دستور عدلي للإمبراطورية على غرار المجلة العدلية العثمانية. وكان المشرف عليها العالم المعروف نظام الدين البرنهابوري، وتقع هذه الفتاوى في ستة مجلدات.
أما الشيخ عبد الرحيم الدهلوي فهو من الوجوه العلمية البارزة كما ذكرنا، وواصل جهده على أرض الواقع بجانب عمله في لجنة الفتاوى العالمكيرية، فأسس مدرسة دينية باسم (رحيمية) وسط نيودلهي، تسلمها ابنه شاه ولي الله الدهلوي بعد وفاته، وعمره يومها لا يتعدى 17 عاماً بعد أن كان قد حفظ القرآن الكريم وهو ابن 15 سنة.
استغل أورنكزيب في بداية سلطته شركة الهند الشرقية في قمع التمردات الداخلية، ولكن ما إن قويت شوكته حتى بدأ يحاربها، وُيضيّق عليها، وبرز ذلك في إغلاق مصانعها، وإلقاء كبار ضباطها في السجون، كما أجبرها على دفع تعويضات لمخالفات خطيرة وقعت فيها، ولاحق بعض ما أطلق عليهم قراصنة ومن بينهم رئيسها هنري أفري الذي وضع مكافأة لمن يأتي برأسه.
كان من الصروح التي خلّفها وراءه بناؤه لمسجد باد شاهي في وسط لاهور، الذي بناه بشكل فاخر على الطراز المغولي الفريد، وجلب له الحجارة الخاصة من الهند، ويتسع المسجد لمائة ألف مصلٍ، وقد زرته حيث يرقد في باحته قبر الشاعر الإسلامي المعروف محمد إقبال، والذي توفي بعده بقرنين تقريباً.
كان حريصاً رحمه الله على أكل الحلال، وعدم الاقتراب من خزانة الإمبراطورية، فلم يتقاضَ راتباً من خزانتها كما يقال، بل كان يصنع القلنسوات والطواقي ويبيعها، ليعيش منها، ومعها يكتب القرآن الكريم بخطه الجميل، ليقوم ببيعه، ويعيش عليه. فكانت حياته وعصره أعجوبة الأعاجيب، فبعد أن كان المألوف لدى الناس هو عيش الإمبراطور وأمرائه حياة البذخ واللهو، والشراب والنساء والحفلات، فوجئوا بشخصية مخالفة تماماً لما اعتادوا عليه وآباؤهم وأجدادهم.
رحل أورنكزيب (آسر العالم) عن هذه الدنيا الفانية يوم الجمعة لـ 22 خلت من ذي القعدة 1118 الموافق لـ 20 فبراير/شباط 1707، ودفن في بلدة جلال آباد جنوبي الهند، لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يصلي صلاة الفجر على سجادته، وكان قد أوصى قبل وفاته بألاّ يُبنى على قبره كعادة ملوك المغول، وشدد على ألاّ يوضع في تابوت، وأن تُتجنب كل أشكال البدع أثناء جنازته.
رحم الله سلطان العلماء العادلين، والخليفة الراشد السادس، فقد ترك ذكراً بين أهل الأرض.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8925
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4149
| 23 سبتمبر 2026