رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الطائرة وفي هذا الأسبوع كان بجواري الإعلامي الأستاذ: جمال خاشقجي، وكان من جملة الحديث معه منطق عدد من الإعلاميين عن الأحداث في غزة، وفي ثنايا الحديث مدَّ يده على إحدى الصحف العربية الدولية مشيراً إلى خمس مقالات فيها كلها تُحمِّل حماس ما جرى في القطاع، ثم عقَّب ساخطاً: هذه المقالات السخيفة التي لا تعتمد على أي منطق أو تحليل.
أقول: إن العجيب في الأمر أن هذه الكتابات هي التي تُغذِّي – وللأسف - فكر الكثير من قيادات الحكومات العربية - إلا ما رحم ربك!
أي إن منطق المقاومة عند الكثير من الحكام العرب خاطئ، لأنه باختصار يتمثل في مفاهيم ثلاثة تهمهم: (الإسلام السياسي) أو باختصار: الوجود الإخواني - الممثل في (حماس)، المحرِّك للربيع العربي وتداعياته. ثم (السَّلام) أو باختصار: الحرص كل الحرص على تهدئة المنطقة، والنزوع للدَّعة، وعدم استفزاز القوة الصهيونية، وما يجري معها تحت الطاولة من تحالفات. وثالثاً: (أمريكا) وأوامرها وشروطها، وتهديداتها وتخويفاتها من أحداث هنا وهناك في الوطن العربي سواء ما كان منها في سوريا، أو العراق، أو ليبيا، وسواها من المناطق الساخنة التي ترعب بتداعياتها وآثارها الجميع.
وسأجيب عن منطق هذا التفكير بنقطتين اثنتين، بيد أنني أحب أن أذكر هذه المجموعة التي تدعي الثقافة، ومن يتقبل أو يتشرب فكرها من بعض الحكام ومن ينوب عنهم، أن الحديث عن المقاومة هنا هو أمام اليهود المغتصبين، والصهاينة المحتلين.
فلا الحديث عن تنظيمات عربية، ولا أحزاب سياسية، إنما عن فصيل يهودي منحرف خالص، وقاتل بكل عتاده، ومناور بكل تكتيكاته عبر التاريخ الحديث في كل الوطن العربي، الذي تثبت الصور والأفلام كل ما حصل، لو كانوا يعقلون.
وأعود الآن للإجابة عن منطق التهاويل التي يطرحها هؤلاء الكُتَّاب والحكام في شأن المقاومة ضد الصهاينة المحتلين من ناحيتين: (تاريخية نفسية) و(ميدانية واقعية).
أما من الناحية التاريخية النفسية فإنه منذ نزول القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والحديث فيه عن اليهود بأن لهم طبيعة واحدة، وجبلَّة متكررة لا تتغير، ولا تختلف فيهم جيل عن جيل، فهم في كل عصر ومصر أصحاب سوء وانحراف سلوك، والتواء موقف، ونقض عهود ومواثيق.
فقد توجه القرآن الكريم إليهم يذكرهم بنعم الله تعالى عليهم ليطالبهم بالوفاء بعهد الله وميثاقه في إيمانهم بخاتم الرسل: "يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ" [البقرة: ٤٠].
وسجل عليهم القرآن الكريم أنهم قتلوا عدداً من الأنبياء، ومن الدعاة الصالحين. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [آل عمران: ٢١].
كما وصفهم الله تعالى في القرآن بشدة الحرص على الحياة، والبقاء فيها، بأي حياة مهما كانت، فقال تعالى: "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" [البقرة: ٩٦]. بل ونعتهم القرآن بالجبن المتأصل في نفوسهم، فقال سبحانه: "لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ " [الحشر: ١٤].
وسجل عليهم القرآن الكريم استهتارهم بدينهم، مما حملهم على تبديل كتاب ربهم وتحريفه، ابتغاء منافع الدنيا وأموالها، فقال تعالى: "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" [البقرة: ٧٩].
بل وسجل عليهم القرآن الكريم الوقاحة والسفاهة والبذاءة، بما لم يسبقهم إليه أحد، ولن يلحقهم فيه أحد، حتى لقد بلغوا في ذلك أن وصفوا ربهم الذي خلقهم بالبخل - قاتلهم الله- "وَقَالَتِ الْيَهُوْدُ يَدُ اللهِ مَغْلُوْلَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيْهِمْ وَلُعِنُوْا بِمَا قَالُوْا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوْطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيْدَنَّ كَثِيْرًا مِّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوْا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِيْنَ" [المائدة: ٦٤].
ووصفوه سبحانه بالفقر - تعالى الله عما يقولون-" لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ" [آل عمران: ١٨١].
ومن أخطر وأسوأ أفعالهم عداوتهم المستمرة أبد الدهر للمسلمين. قال تعالى: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" [البقرة: ١٢٠]. وقال سبحانه: " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ" [المائدة: ٥٩].
إن عناية القرآن الكريم الشديدة بالكشف عن طبيعة اليهود وأعمالهم المستمرة، كان بهدف وضع المسلمين على المحجة البيضاء، كي لا يخدعوا بمعسول كلامهم، ويغريهم بنو يهود بالوعود والمواثيق الآيلة إلى النكث والنقض.
وفي أهم تطبيق عملي في السيرة مع خير البرية صلى الله عليه وسلم، نجدهم في المدينة قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحدثوا فيها حدثاً، ولا يُؤْوا مُحدِثاً، وأن يسالمهم ويسالموه، ولكن يهود ما لبثت أن أدركتها طبيعتها، وغلبت عليها جبلتها، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة.
أما بنو قينقاع فقد شرقوا بنصر المسلمين في بدر، وغلى الحقد في قلوبهم على الإسلام، واستغلوا مشهد امرأة مسلمة تشتري من صائغ في سوق بني قينقاع، فاجتمع عليها نفر من اليهود وأرادوها أن تكشف وجهها فأبت، ثم عمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فعدت يهود على المسلم فقتلوه، فكان أن حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع ليالي حتى نزلوا على حكمه، وذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة، ثم أُجْلوا عن المدينة.
وأما بنو النضير، فلم يثبتوا على عهد رسول الله ونكثوا الميثاق، ولم يصبروا على مكرهم بالإسلام، ولما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منهم أن يشتركوا في دفع دية اثنين من المشركين، أمَّنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلهم أحد المسلمين وهو لا يعلم بالأمان، وذلك بعد غزوة بدر بستة أشهر، قالت بنو النضير: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، ثم تآمروا على قتله، بطرح الرحا على رأسه من فوق السطح. فجاءه الخبر من السماء، فنهض مسرعاً، ثم أمرهم بمغادرة المدينة فرفضوا، فحاصرهم حتى خضعوا، وأجلاهم عن المدينة.
وأما بنو قريظة، فلم يجدوا فرصة للغدر ونقض الميثاق إلا بادروا إليها، ولـمَّـا تحزبت الأحزاب حول المدينة المنورة، انضموا إليهم، ناقضين العهد مع الرسول، وبعد أن ردَّ الله كيد الذين كفروا، حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقتل رجالهم، وسبى نساءهم. وكان هذا في السنة الخامسة للهجرة.
وفي السنة السابعة، وبعد صلح الحديبية، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبقى من اليهود في بلاد العرب، فغزا خيبر حتى فتح حصونها، واستسلم له بعضها الآخر. وغزا وادي القِرى فاستسلم له من كان فيها من يهود.
وقد منَّ رسول الله على يهود خيبر، وأبقاهم يزرعونها على أن يكون لهم نصف ثمرها. ولكن أدركتهم جبلتهم الخسيسة في نكث المواثيق، فلما جاءهم عبدالله بن عمر رسولاً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ ليقاسمهم ثمار خيبر، حاولوا قتله، وألقوه من فوق أحد البيوت، فخُلعت يده، فأجلاهم عمر بن الخطاب عن بلاد العرب.
وهكذا عرف التاريخ غدرهم ونقضهم للعهود، وصدق الله تعالى إذ قال فيهم: "أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" [البقرة: ١٠٠].
فهل بعد هذه النصوص والحقائق يغيب وعي بعض من انتسبوا للإسلام، وحكموا ديار المسلمين، ويظنون في اليهود مجرد ظن حرصهم على المنافع والمصالح؟!
وهلاَّ على هدي السيرة اقتفوا في تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود بعد فضح دسائسهم ومكرهم؟!
وأنطلق الآن للنقطة الثانية: (الميدانية الواقعية) والتي ما هي إلا وثيقة جديدة، كل ما فيها أنها معاصرة، وأدعى لحكاية ووعي الواقع القريب.
ففي (1967) زمن النكسة، اجتمع عدد من الدول العربية الأقوى بعتادها العسكري وتمويلها النفطي، ورغم كثرتها وعتادها خسرت، لأن مظلتها كانت المادية والقومية والهبَّة المضرية، من غير هدف واضح، ولا عقيدة راسخة، فخسرت الأمة العربية من جغرافيتها في خمسة أيام: سيناء في مصر، وهضبة الجولان في سوريا، ومزارع شبعا في لبنان، والضفة الغربية والغور في الأردن، وجزيرتي تيران وصنافير على مدخل خليج العقبة في السعودية، وأخطر من ذلك ضياع القدس!
ومن (67) إلى أكتوبر (73). عندما قام جيش واحد من كل تلك الجيوش العربية، فاختلف نداء حركته إلى (الله أكبر) عقيدة، ورسخ في ذهنه قيمة التحرر من اليهود، وشاركه الجيش السوري الموحَّد معه، فكانت الملحمة التاريخية المعاصرة، التي كُتبت فيها الكتب الخالدة، وغُنيت لأجلها الأغاني الوطنية التي صدح كبار المغنين بأدائها بافتخار، ومازالت تذاع إلى اليوم!
ثم حصل السلام بدل منطق الحق والقوة ببركة أمريكا وحلفائها، وخفوت صحوة الضمير وكبرياء الحق.
وبعد طول نكسة وغفلة ونومة، عادت حماس ومن بجوارها من الفصائل المباركة لتخوض حربا في رمضان كما حرب العاشر من رمضان (أكتوبر 73)، وتقتل (497) جنديا، و(113) ضابطا، وتجرح (879) جنديا، و(362) ضابطا - كما في صحيفة هارتس العبرية، وتكبد العدو الصهيوني الخسائر بالمليارات من الدولارات.
ولمن يريد أن يعرف أو لا يعرف أو أن يفهم أو لا يفهم، فإن حماس اليوم كسرت حاجز الخوف من الصهاينة، وباغتت العدو بالصواريخ التي هزَّت تل أبيب، ولم تصدها أي قبب رادعة.
حماس اليوم بنت أرضاً تحت الأرض للمقاومة، ووصلت لما بعد خط العدو، وتلاحمت في منطقة الصفر عشرات المرات، وقالت وفعلت.
حماس اليوم ومن معها بأيديهم وعقولهم واستثمار إمكاناتهم يتماسون من منطقة الصفر بكل قوة وفن عسكري، وقلب مزلزل، ويد مدمرة للمحتل وأعوانه.
وإذا كنا نحزن على حال من قتل من إخواننا وأهلنا الأبرياء في غزة، فإننا نتساءل: ألم يثبت أن مئات الشهداء هم من اللاجئين في مدارس الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، وأكثرهم أطفال ونساء وعجائز؟! فهل هذا القصف المتعمد لهذه الأماكن رصيد فخر، وسجل بطولة؟!
إن حماس وبقية الفصائل الشريفة بقيت محافظة على عقيدتها الإيمانية، وعقيدتها البطولية الميدانية.
فهي لله وللجهاد، ثم لفلسطين ضد اليهودي الغاصب.
فهل يا حكام العرب - ممن خذل منكم غزة - ومن تكلم باسمكم ولكم، تعيدون فهم الدرس من جديد؟
وإن لـم تفعلوا، فتذكروا أن لعنة التاريخ على الظالمين سنة فاعلة إلى يوم الدين.
واعقلوا أن صمتكم هو الفتنة بعينها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: "خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان فرسه، خلف أعداء الله يُخيفهم ويخيفونه". [رواه الحاكم].
إنه المنطق النبوي الأصيل في أن الرجل لا يهرب وقت الفتن، فاثبتوا أيها الحكام لتكونوا رجالاً.
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص... اقرأ المزيد
81
| 07 يونيو 2026
امتحانات الثانوية.. صناعة أجيال تبني الوطن
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف... اقرأ المزيد
90
| 07 يونيو 2026
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، بل تتحول إلى سؤال كبير يطرق ضمير الإنسانية: كيف... اقرأ المزيد
75
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3180
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2589
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2271
| 02 يونيو 2026