رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يشهد مؤتمر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ذلك الاهتمام الذي يليق بمنظمة حقوقية في حجم الرابطة ومكاسبها ونضالاتها، خلال ما يسميه التونسيون بـ "سنوات الجمر"، زمن حكم بن علي، حيث كانت هذه المنظمة -على قلة مناضليها الفاعلين- الصوت المرتفع إزاء آلة القمع النظامية، وأدواتها المناهضة للحريات بكافة أشكالها، ولكنّها -وهذا الأهم- الحاضنة لعذابات النخب والمناضلين السياسيين بمختلف أطيافهم السياسية والفكرية والإيديولوجية..
وبقطع النظر عن القيادة الجديدة التي أفرزها المؤتمر السابع للرابطة، الذي التأم نهاية الأسبوع المنقضي، فإن مخرجات المؤتمر، لم تكن في الحجم الذي توقعه المراقبون، بل الرابطيون أنفسهم.. فقد كانت النتائج التنظيمية وما تعلق بتوجهات المنظمة في المستقبل، دون المستوى المأمول..
ولدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في الهزيع الأخير من القرن المنقضي، عندما بدأ نظام بورقيبة يتراجع، وترتفع الأصوات من داخله منادية بالإصلاح السياسي، وبالتعددية السياسية، كجزء من الشروط الأساسية للحفاظ على الدولة التونسية المعاصرة، وعلى استقرار الحكم.. وكان من بين مؤسسي الرابطة، عدد من الرجال الذين خرجوا عن جلباب الحكم، وقدّوا لأنفسهم مسارا جديدا، عنوانه الأبرز، دمقرطة الحياة السياسية، و"لبرلة" (من الليبرالية) الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وترسيخ الحريات.. وجاء تأسيس الرابطة في نهاية سبعينيات القرن الماضي، كأولى مهمات خلخلة البنى السياسية والفكرية والهيكلية لنظام الحكم.. وارتبط ظهور الرابطة، بالشرخ الذي حصل صلب الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي الدستوري)، وخروج مجموعة "الديمقراطيين" التي نذرت مواقعها وتاريخها لصالح التأسيس لمعطيات سياسية جديدة في البلاد.. ورغم رفض بورقيبة وحزبه لذلك، إلا أن هذه المجموعة نجحت في كسر جدار الخوف الذي هيمن على الدولة والمجتمع طيلة ثلاثة عقود ونيّف من تاريخ استقلال الدولة الوطنية..
شكلت الرابطة منذ تلك الفترة، القلعة التي استعصت على بورقيبة، وأربكت حكم بن علي لاحقا، وكانت الشوكة الدائمة في حلقه، فلم يغصّ نظامه مطلقا، إلا بالرابطة ومواقفها ونضالاتها، وبخاصة شبكة علاقاتها الدولية، التي كانت الحصن الواقي لمسار المنظمة واستمرارها..
لا شكّ أن الرابطة لم تكن موفقة دائما في قراراتها ومواقفها وتوجهاتها، ومن هنا لحظات الضعف التي انتابتها، لكنّها عرفت لحظات قوة شهد بها الخاص والعام، في الداخل والخارج، إلى الحدّ الذي جعل تاريخ تونس المعاصر مرتبطا بتاريخ هذه المنظمة، وظلت نضالاتها، علامة فارقة في الذاكرة التونسية، يذكرها النظام، فيلعنها في السرّ، ويشيد بمناقبها في العلن، وتتذكرها الحركة الديمقراطية والحقوقية في تونس والعالم العربي، فلا تملك إلا أن تحيي هذا الهيكل رغم كل الاختلافات والتباينات التي يمكن أن تسجّل معها أو ضدّها، ويكفي القول في هذا السياق، أن الرابطة، كانت أول منظمة حقوقية تنشأ في العالم العربي وفي القارة الإفريقية، بما جعلها أيقونة بين الحركة الحقوقية العربية والإفريقية..
لكنّ الرابطة التي تستعدّ للاحتفال بمرور أربعين عاما على تأسيسها، تبدو اليوم، بعد ثورة يناير 2011، وكأنها منظمة تبحث عن نفسها، وسط مناخ جديد من الحريات، وسياقات جديدة من الحياة الديمقراطية، كان الرابطيون يتمنونها، فإذا هم يرونها رأي العين في واقع تونس اليوم، مما جعل الرابطة قليلة الحضور في الحراك الحقوقي والمنظماتي، رغم مشاركتها الفعالة في الرباعي الذي قاد الحوار الوطني..
تبدو الرابطة اليوم، بحاجة إلى تصورات عن دورها "الجديد"، وتحالفاتها، وطبيعة علاقتها بنظام الحكم، والطيف السياسي في البلاد، بعيدا عن أي توظيف، سواء اتخذ رداء سياسيا أو إيديولوجيا أو حزبيا، وأخذًا في الاعتبار، التحولات التي تشهدها الحركة الحقوقية العالمية، في فكرها وهيكلتها وبعدها المستقبلي..
ستظل الرابطة على هامش المشهد التونسي اليوم، إذا لم تجب على إشكاليات أساسية أبرزها: مسافتها مع الحكم ومع الأحزاب، خصوصا اليسارية منها، ورؤيتها لأحزاب اليمين، وبخاصة الأحزاب التي توصف بـ"الإسلامية"، وموقفها من النظام القديم الذي قامت ضدّه ثورة، وهو يعود اليوم للمشهد بذات الشخوص والفعاليات، وربما بعض الممارسات اللاحقوقية التي واجهتها الرابطة منذ أربعين عاما، وهي تكتفي اليوم بالتعبير عن موقفها منها، ببيانات لا تسمن ولا تغني من جوع..
المهمة ليست هيّنة، بل هي صعبة ومعقّدة، لكنها ليست مستحيلة على الرابطة التي تملك جميع مقومات النهوض الجديد، إذا ما حافظت على استقلاليتها، وابتعدت عن التجاذبات السياسية والحزبية، ووضعت نفسها في مقام "الراعي" للحريات والحقوق، وكانت إحدى الدوافع الرئيسة في الثورة التشريعية والقانونية التي تحرص النخب على تأخيرها، ومن مسؤوليات الرابطة أن تكون المحرّك الأساسي لها..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3750
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
822
| 30 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
777
| 27 أبريل 2026