رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمر الاقتصاد القطري بظروف حسنة، على الرغم من الانخفاض الحاد في أسعار النفط نتيجة تبني خيارات اقتصادية حكيمة مثل استخدام متوسط سعر منخفض لبرميل النفط عند احتساب إيرادات الموازنة العامة.. مما لا شك فيه، يعد القطاع النفطي بما في ذلك النفط والغاز المصدر الرئيسي للإيرادات، والتي بدورها توفر التمويل اللازم للإنفاق الحكومي.
تم إعداد موازنة السنة المالية 2014/15 والتي سوف تنتهي بنهاية شهر مارس عبر استخدام متوسط سعر قدره 65 دولارا للبرميل.. صحيح، يعد هذا الرقم أقل من الأسعار السائدة في أسواق النفط الدولية هذه الأيام لكنه يبقى متميزا.. اللافت أنها المرة الثالثة على التوالي التي يتم فيها افتراض متوسط سعر 65 دولارا للبرميل ما يؤكد بأن تبني اعتماد خيارات محافظة سياسة اقتصادية قائمة.
وحسب تقارير معتمدة، النفط القطري كان يباع بمستوى أعلى من المتوسط المعتمد في الأشهر الأولى من السنة المالية والتي بدأت في أبريل عام 2014. وعلى هذا الأساس، ليس من المستبعد عدم حصول اختلافات جوهرية بين الأرقام المعتمدة والنهائية للسنة المالية الجارية.
المعروف بأن السلطات المسئولة أعدت موازنة 2014/15 بإيرادات ونفقات قدرها 62 مليار دولار و 60 مليار دولار على التوالي ما يعني افتراض وجود عجز دفتري قدره ملياري دولار. لكن في نهاية المطاف، تم تسجيل فائض بنحو 17 مليار دولار في موازنة 2013/14 مشكلا قرابة 9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي والذي قدر حينه بنحو 189 مليار دولار.
إضافة إلى ذلك، يوجد توقع بتحقيق الناتج المحلي الإجمالي القطري نموا فعليا بعد تعديل مؤشر التضخم في حدود 7 بالمائة خلال 2015، ما يعد لافتا للنظر لمستوى التحديات والتي تشمل هبوط أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. تقترب هذه النسبة من تلك المعتمدة من قبل الجهات الدولية ذات العلاقة مثل صندوق النقد الدولي.. وتعتبر نسبة النمو هذه الأفضل على نطاق مجلس التعاون الخليجي.
تعود قدرة الاقتصاد القطري على تحقيق أداء نوعي لأسباب تشمل شبه غياب معضلة التضخم.. وقد تعزز غياب العوامل التضخمية مع ظاهرة تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية.. ويعتقد بأن معدل التضخم في قطر في الوقت الحاضر يحوم حول 3 بالمائة وهي من النسب الطبيعية في العالم.
بالعودة للوراء، عانت قطر من معضلة تضخم من رقمين ما بين عامي 2007 و 2008 على خلفية ارتفاع أسعار النفط وصولا للرقم القياسي وقدره 135 دولارا للبرميل.. لغرض التعويض، شعرت الدول المصدرة المستوردة للنفط بوجود الحاجة لرفع أسعار منتجاتها الموجهة للتصدير أينما كان ممكنا.
كما هو الحال مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، تستورد قطر النسبة الأكبر من حاجياتها الغذائية من الخارج.. ومرد ذلك تمتع الاقتصاد القطري بميزة تنافسية في قطاعات معينة مثل الغاز والطيران ولكن ليس بالضرورة في مجال الغذاء.. لا شك، يقتضي الصواب التركيز على مواطن القوة، إذ ينطبق هذا المبدأ على الاقتصاديات والمؤسسات والأفراد.
من ناحية أخرى، تعود إمكانية تحقيق نمو نوعي في الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ إلى قوة الإنفاق الحكومي.. تبلغ القيمة النقدية للمشاريع الموجهة للإنجاز خلال فترة خمس سنوات نحو 182 مليار دولار وهو رقم يقترب من حجم الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وهي من الحالات النادرة على مستوى العالم.. ويمكن اعتبار هذا الرقم مبالغا فيه بالنظر لتخصيص 62 مليار دولار كنفقات للسنة المالية المستمرة حتى نهاية مارس.
من جملة الأمور، تشمل المشاريع التنموية تشييد شبكة مترو تضم عشرات المحطات فضلا عن بناء مجمعات سكنية وتجارية ورياضية، وذلك في إطار جهود إعداد البلاد لاستضافة كأس العالم 2022. طبعا، يضاف لذلك استثمارات القطاع الخاص على مشاريع متنوعة في قطاع الضيافة على سبيل المثال.
من جهة أخرى، وامتدادا لسياسة تعزيز الاستثمارات الدولية، استحوذت الخطوط الجوية القطرية قبل فترة قصيرة على نحو 10 بالمائة من أسهم شركة آي أي جي المالكة للخطوط الجوية البريطانية.. ومن شأن هذه الشراكة تعظيم مصالح الخطوط الجوية القطرية في بعض النقاط العالمية مثل الأمريكتين الشمالية والجنوبية.
المعروف، أن الخطوط الجوية البريطانية تسيّر رحلات إلى العديد من المدن الأمريكية مع تكرار الرحلات لوجهة نيويورك والتي تمتلك في مطار كنيدي مبنى خاصا.
ويمكن تفهم هذه الشراكة في إطار رغبة الخطوط الجوية القطرية بالاستفادة القصوى من مطار حمد الدولي والذي تم افتتاحه في عام 2014 وهو مقر للخطوط الجوية القطرية.
وفي نفس إطار مجال الطيران، استحوذت الخطوط الجوية القطرية على نسبة 20 بالمائة من مركز الخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن.. تتماشى هذه الخطوات مع انضمام قطر لتحالف وون وولد في عام 2013 وهو التحالف الذي يضم مجموعة من شركات الطيران بما في ذلك الخطوط الجوية البريطانية.
كما هو الحال مع الإمارات، لكن خلافا لبعض دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، لا يعاني الاقتصاد القطري من معضلة بطالة بين المواطنين، الأمر الذي يفسح المجال لتبني خيارات إستراتيجية. فحسب تقرير حول البطالة في الدول العربية ومصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، يبلغ معدل البطالة في أوساط العمالة المحلية أقل من 1 بالمائة أو تحديدا 0.6 بالمائة، لكن ترتفع هذه النسبة إلى 1.7 بالمائة بين الشباب، ما يؤكد بأن البطالة لا تمثل تهديدا.
في المحصلة، يعيش الاقتصاد القطري أوضاعا ليست صعبة قياسا ببعض الدول الأخرى في المنطقة وخصوصا تلك التي افترضت متوسط سعر مرتفعا للنفط عند إعداد الموازنة العامة. لكن يبقى التحدي قائما وربما تحدث مفاجآت غير متوقعة مثل ظاهرة هبوط أسعار النفط في فترة قياسية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3627
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3561
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1521
| 02 يوليو 2026