رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.. "قل هو الله أحد*الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد" .
فبلاد الحرمين الشريفين جزيرة العرب، حصن التوحيد ومهبط الوحي والقرآن المجيد ومثوى سيد الأنبياء والمرسلين -صلى الله عليه وسلم- قيض لها الله من عباده الموحدين من رجال القبائل من أحزنهم ما آلت إليه جزيرتهم من التشرذم والتفرق، وما دخل على عقيدة التوحيد من الضلالات والبدع، بعد صفاء السريرة ونقاء العقيدة على يد نبي الأمة وصحابته الكرام -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- فهبت أسود الجزيرة من آل سعود هبة الغيورين على دينهم وأرضهم، جامعين حولهم الغيورين من أمثالهم من أهل الدين والخير والصلاح من أهلها فكان لهم ما أرادوا بفضل الله -عز وجل-، وتلاحمت قوة السياسة والعزم مع قوة الدين واليقين فكان التحالف بين الأمير محمد بن سعود آل مقرن والشيخ محمد بن عبدالوهاب والتعاهد على حمل الدعوة على عاتقهما والدفاع عنها والدعوة للدين الصحيح الذي جاء به نبي هذه الأمة محمد بن عبدالله -عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام من المهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم وأرضاهم- ومحاربة ما علق بهذه الدعوة من البدع والضلالات في جميع أرجاء جزيرة العرب.
لقد كان هذا التحالف فاتحة خير على جزيرة العرب كلها وأهلها قاطبة بمشورة السيدة الفاضلة زوجة الأمير محمد بن سعود حين وفد الشيخ محمد بن عبدالوهاب على الدرعية فقالت قولتها السديدة: (هذا الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة، فاغتنم ماخصك الله به) وكذلك هن نساء العرب والمسلمين ذوات رأي سديد وعقل رشيد، فقبل قولها وتعاون مع الشيخ وأخبره أنه يمنعه مما يمنع منه نساءه وأولاده، واستقبله بغاية الإكرام والتبجيل بقوله: (أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة) وهكذا حال الرجال الأقوياء أهل الصلاح والخلق القويم يناصرون من يشابههم لنصرة الدين، فرد عليه الشيخ بقوله: (أنا أبشرك بالعزة والتمكين، وهذه كلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد وأول مادعا إليه الرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجداً وأقطارها أطبق عليها الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعضا، فأرجو أن تكون ممن يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك) وهكذا كانت كلمة صدق، صدقا الله فيها فصدقهما، وقيض الله لجزيرة العرب هؤلاء الرجال الأفذاد الذين خلصوا الجزيرة ودين الإسلام من البدع والضلالات والشركيات ودعوا للرجوع إلى أصول الدين، وكان الاهتمام الأكبر بأخلاق المسلمين وتصحيح عقيدتهم وتنقيتها من الشوائب التي علقت بها، وشرعوا في تقويتها وترسيخها حتى سادت الدعوة جزيرة العرب، وقلت المشاكل في مجتمعها، فانعدمت السرقات وحروب الاعتداءات والثارات وشرب الخمور، وساد الأمن والأمان، فأصبحت الطرق أكثر أمنا وأمانا بعد أن كانت مصدر المتاعب للناس في حركتهم وطريقهم للحج، فأمن الناس على أنفسهم وأحوالهم وأعراضهم من قطاع الطرق ونهب القوافل خصوصا قوافل الحجيج .
وقد مكن الله -عز وجل- لهذه الأسرة الكريمة منذ آبائها الأولين حين رفعوا راية التوحيد في الآفاق وحتى مؤسس المملكة العربية السعودية في العصر الحديث الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود -عليه رحمة الله تعالى- الذي وحد البلاد كلها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها بما آتاه الله من الملك والقدرة والعزم والحكمة وفصل الخطاب، فسقاها أبناؤه مع القرآن الكريم وسنة النبي الكريم ومعرفة تاريخ أمتهم العظيم التي سادت الدنيا بعظمتها وستعود إليه ما دامت تلتزم بوصية نبيها الكريم "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي" وهذا ما قامت عليه بلاد الحرمين الشريفين. فكان قادتها بعد والدهم وحتى الآن بحق رجالا حملوا أمانة الحكم والدعوة بكل جد وعزم وصدق وعمل، فكانت المملكة العربية السعودية التي نص النظام السياسي للحكم في المادة الأولى منه على: أن المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة، دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم – ولغتها هي اللغة العربية وعاصمتها مدينة الرياض. ونصت المادة الثانية على أن (عيدا الدولة هما عيد الفطر والأضحى وتقويمها هو التقويم الهجري). أما المادة الثالثة فنصت على أن: (يكون علم الدولة كما يلي: لونه أخضر، وعرضه يساوي ثلثي طوله تتوسطه كلمة – لا إله إلا الله محمد رسول الله – تحتها سيف مسلول ولا ينكس العلم أبدا).
فببركة شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله لم ينكس علمها أبدا، وببركته أصبحت المملكة العربية السعودية تاجا على رؤوس الأوطان، وبفضل الله -تعالى- عليها وحكمة وحنكة قادتها وجهود المخلصين من أبنائها أصبحت في مصاف الدول المتقدمة التي يحسب لها ألف حساب عند التعامل معها على المستوى الإقليمي والعربي والإسلامي والعالمي. ولاعجب فهي قلب الأمتين وصمام أمان العالمين وسيدة العالم بلا منازع .
إن المملكة العربية السعودية مصدر عز وافتخار للمسلمين جميعا باعتمادها الشريعة الإسلامية دستورا لها في حكمها، إنها الدولة الوحيدة في العالم التي بقيت محتفظة باعتماد التاريخ الهجري في مجريات أمورها، إنها تحظى بمكانة عالية بين دول العالم قاطبة، نظرا لموقعها الاستراتيجي ومكانتها التاريخية والدينية والحضارية فهي تضم على أرضها الحرمين الشريفين (المكي والمدني) قبلة ومهوى فؤاد المسلمين من كافة بقاع الأرض وتحظى بعلاقات ودية طيبة مع كافة الدول عربيا وعالميا. وهي صمام الأمان للعالم، فبإشارة منها بدعوتها للجهاد سوف تهب الأقطار الإسلامية برمتها معها فهناك أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين ينتظرون منها هذه الإشارة فقط لتلبية "حي على الجهاد"، وحينها سوف يعلم العالم الصليبي الحاقد ومن سانده أي منقلب ينقلبون .
إن مداد القلم لا يكفي لتسجيل مآثر المملكة العربية السعودية الكثيرة ومواقفها الكبيرة والعديدة والعظيمة في العالم أجمع، ولكننا سنقف عند الأمر باهتمامها الكبير والعظيم بالحرمين الشريفين وضيوف الرحمن على مدى الأعوام والسنوات العديدة والتوسعات العديدة وتسخير كافة الموارد البشرية والاقتصادية والصحية والسياسية والخيرية للوافدين على أراضيها من ضيوف الرحمن، وخاصة عند التوسعة الكبيرة للمسجد الحرام في مكة في المنطقة الشمالية للحرم، والتوسعة في المسجد النبوي من الجهة الشرقية، حيث يعد مشروع التوسعة في عهد الملك عبدالله -عليه رحمة الله- درة الأعمال الجليلة التي اضطلع بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمة الله عليه- في خدمة الإسلام والمسلمين وحظي بعنايته ورعايته وإشرافه الشخصي امتنانا لله -عز وجل- الذي شرف هذه الدولة بحمل أمانتها منذ مؤسسها ومن جاء بعده من أبنائه البررة الذين ساروا على النهج الذي رسمه والدهم، نهج المحافظة على عزة الإسلام وتطبيق مبادئه وشريعته وخدمة الحرمين الشريفين دون كلل أو ملل، وسخرت كافة الإمكانيات التي حباها الله -تعالى- لخدمة حجاج بيت الله الحرام وعماره والزائرين كافة فنعموا بفضل من الله بالأمن والأمان لم يمسسهم سوء، لم ينعموا به في أي عهد من العهود السابقة لقيام المملكة العربية السعودية .
لقد بادرت قيادتها بالإنفاق بسخاء والاهتمام بعمارته والوافدين إليه من كل حدب وصوب فاق كل تصور ووصف ابتغاء رضوان الله -عزوجل- وطمعا في مثوبته سبحانه متمثلين قول الله: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)، واقتداء بسنة السلف الصالح في الاهتمام بعمارة الحرمين الشريفين الذي بدأ في عصر الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم- حتى عهد الملك عبدالعزيز وأبنائه من بعده -غفر الله لهم وطيب ثراهم- ووفق العاهل الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز – خادم الحرمين الشريفين – رجل المرحلة الحاسمة من تاريخ هذه الأمة العظيمة، الذي حمل الراية من بعدهم نحو الخير في حزم الأمر والعزم على العزة والنصر، وما ذلك على الله بعزيز، خاصة بعد أن كشفت الأمم الضالة عن أنيابها، وأبدت سوء نياتها نحو العرب والمسلمين، وسقطت ورقة التوت التي كانت تستر شيئا من عوراتها، وقلبت ظهر المجن على من ادعت أنهم حلفاؤها، وسنت ألسنتها للنيل من مكانة المملكة، وكيل الاتهامات لها، ولا شك أنهم يقصدون العرب كافة والمسلمين قاطبة، فقد قالوها صراحة : "إنها حرب صليبية"، وصدق كبيرهم الذي شن الحروب علينا، وقتل الحرث والنسل، وقتل العباد ودمر البلاد، وعاث في الأرض ظلما وعدوانا، وصدق الله العزيز العليم في وصفهم: "كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون*اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون*لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون" الآيات 8-10التوبة، وكان موقف الملك سلمان بن عبدالعزيز -رعاه الله وحفظه- ونوابه بحزم وقوة ضد هذا الصلف العدواني معتمدين على الله عز وجل متمثلين قوله سبحانه "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل(173)، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176)" آل عمران، وكان رد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير على الاتهامات في اللقاء الصحفي بمثابة الصفعة لهم حين فند الاتهامات الموجهة للملكة العربية السعودية بأنها لا تستند إلى دليل بقوله: (نحن نحترم قانونكم وعليكم احترام قوانيننا، وأنتم تنتقدوننا لأننا لا نقوم بدور قيادي وأن الغرب لا يمكن أن يكون شرطي الخليج، ولا يمكن أن يحميه الغرب، وغيرها من الاتهامات في الإعلام البريطاني، حددوا موقفكم بالضبط، تريدوننا أن نتولى القيادة أو أن ندعم فقط، وإذا دعمنا من سيتولى القيادة)، ولكن هيهات هيهات، فقد بدأ عهد الحزم والعزم مع معطيات قضايا الأمة المصيرية، وإن غدا لناظره قريب، وقد كشف الله -سبحانه- لنا نياتهم فقال فيهم "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى* ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير" (120) البقرة، ولا يكتفون بذلك بل ينتقدون المملكة العربية السعودية في لقاءاتهم ومنتدياتهم العالمية للتقليل من شأنها حسدا وحقدا، سبحان الله "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" الآية (54) النساء .
وعندما يأتي أحد الحاقدين والمتشدقين فينتقد المملكة العربية السعودية وينفث بذور الفتنة بينها وبين جيرانها ويقلل من مكانتها العالمية وسط دول العالم أجمع. فإنما يلعب بنار الفتنة التي سوف تحرقه قبل غيره، وقد فعل خيرا وزير الخارجية القطري د. خالد بن محمد العطية، حين لقنهم درسا وألقمهم حجرا في معنى الأخوة بين دول الخليج وشقيقتهم الكبرى المملكة العربية السعودية، وأوضح أن العالم أجمع بحاجة إليها برده الحازم الجازم، حين قال ( أنا لا أوافق تماما، فالمملكة العربية السعودية دعامة العالم الإسلامي وتتمتع بقوة أخلاقية داخل مجلس التعاون الخليجي مع شقيقاتها، والمملكة العربية السعودية ترعى الحرمين الشريفين، ولولا الخطاب المعتدل الذي يصدر عن السعودية اليوم، فهناك مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، علينا أن نثني على السعودية في مسألة إبقاء القطار على مساره الصحيح فيما يتعلق بالحفاظ على الاعتدال في الإسلام، مهما سمعنا هنا وهناك عن مشاعر مضادة، إذا أردتم أن تروا الأمور بوضوح حاولوا أن تنظروا إليها عن كثب، وأن تروا المنافع التي تنتج عن رعاية هذين الحرمين لكل المسلمين في العالم والحفاظ على الاعتدال .
هناك مسلمون في إندونيسيا مرورا بأوروبا وصولا إلى المغرب، إن السعودية تلعب دورا كبيرا جدا في استمرار هذا الاعتدال) انتهى. نعم لقد انتهى عهد الحلم وبدأ عهد الحزم والعزم .
إننا شعوب الخليج والجزيرة العربية رجالا ونساء شيبانا وشبانا كبارا وصغارا ندين لربنا بشهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عليها نحيا وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء الله، و نحب سلاطيننا وملوكنا وأمراءنا وشيوخنا، فهم منا ونحن منهم، وهم كالشامة البيضاء بين زعماء وقادة العالم أجمع، وهم تيجان على رؤوس الآخرين، ولهم منا الولاء والطاعة والنصرة ما داموا سائرين على منهج الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وتطبيق شريعته، ولن نرضى بغيرهم بديلا. وفقهم الله وسدد خطاهم إلى ما يحبه من رفعة الإسلام وعزة العرب والمسلمين ونصر من الله وفتح قريب "قل يأيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبد*ولا أنا عابد ما عبدتم*ولا أنتم عابدون ما أعبد*لكم دينكم ولي دين" وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4512
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4044
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2043
| 05 مايو 2026