رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في معرض دفاعهم عن الدعوة التي وجهها الرئيس الفلسطيني – محمود عباس – للعرب ليزوروا القدس والتي رفضها العلماء، أفتى مجموعة من علماء السلطة في رام الله على رأسهم وزير أوقافها – محمود الهباش – بوجوب هذه الزيارات واعتبارها " فريضة شرعية وضرورة سياسية " وشنوا في سياق ذلك حملة على رئيس " الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين " العلامة الدكتور القرضاوي والعلماء الذين رفضوا هذه الدعوة وحذروا من التعاطي معها..
الوزير الهباش والذين ناصروه ساقوا لفتواهم ثلاثة استدلالات ؛ الأول: أنه لا حرج من استصدار تأشيرات الزيارة من سفارات العدو في البلاد التي له فيها سفارات قياسا على دخول النبي صلى الله عليه وسلم في " جوار " المطعم بن عدي – الكافر - عندما أراد دخول مكة بعد عودته من الطائف، وقالوا: إن نظام " الجوار " إذ ذاك كان بمثابة التأشيرات هذه الأيام، وعليه فلا بأس أن يأتي الناس إلى فلسطين المحتلة بتأشيرات (إسرائيلية)، الاستدلال الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في السنة السابعة للهجرة من أجل العمرة والطواف بالبيت فيما كانت مكة تحت حكم الكافرين.. قالوا: وهل القدس تحت الاحتلال إلا كمكة تحت حكم قريش؟ الاستدلال الثالث: الحديث الوارد في فضل فلسطين والمسجد الأقصى عن ميمونة بنت سعد – رضي الله عنها - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: "هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْمَنْشَرِ، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلاةٍ "، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْتِيَهُ فَلْيُهْدِ إِلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى إِلَيْهِ زَيْتًا كَانَ كَمَنْ قَدْ أَتَاه. ".. الهباش قال: "وهذا الأمر النبوي كان حال حكم الرومان لفلسطين وللقدس وهو يشبه حالها اليوم تحت حكم اليهود ".. وأقول:
أولا: لا بد من تقرير حقيقتين تكشفان عن دوافع الفتوى قبل أن أعيد توجيه ما استدل به ؛ الحقيقة الأولى: أن وزير السلطة هذا سبق أن أطلق ذات الفتوى تأييدا لفتوى وزير أوقاف النظام المصري الساقط – محمود الزقزوق - التي دعا فيها علماء الأمة الإسلامية للقيام بزيارة القدس وساق نفس الحجج، لكن تلك الفتوى طارت أدراج الرياح وماتت في مهدها لأنها صدرت عن وزير في نظام مفضوح بعمالته للعدو، ولأن العدو أبدى يومها استعداده لمنح التأشيرات فظهر كداعم للفكرة.. الحقيقة الثانية: أن شخصية هذا الوزير - الهباش – هي شخصية إشكالية انفعالية توتيرية وله سلوك متواصل في ذلك، فهو خطيب الجمعة الرسمي في مسجد التشريفات برام الله ولا تكاد تخلو خطبة من خطبه أمام الرئيس من التحريض على الدماء وتجريح المقاومة والقدح فيها.. حتى إنه أفتى ذات مرة بقتل كل من يخرج على ولاية السيد عباس لأنه – في نظره – إمام الفلسطينيين، ثم راح يطبق فتواه على حماس وأنصارها تحديدا فيما فهم استباحة لدماء مئات الآلاف من الناس.. والمبرر مجرد أنهم يختلفون سياسيا مع عباس!! فالوزير الهباش – إذن - في هذه المرة عما قبلها إنما يفتي لا كعالم دين وإن تقنص لها بعض الشبهات.. وإنما كسياسي إشكالي تابع لمنظومة فكرية وسياسية إشكالية أيضا..
ثانيا: زيارة المسجد الأقصى تحت الاحتلال لا تعني نصرة المقدسيين والالتفاف على محاولات العدو لتهويدها فقط ؛ وإنما تعني مع ذلك التطبيع مع الكيان الصهيوني وتفكيك وتسليم آخر أسلحة الأمة وهو المقاطعة.. فالذهاب إلى السفارات لاستصدار تأشيرات وانتظار قبولها والوقوف في طوابير أمامها.. هذا الأمر في حد ذاته هو اعتراف بها واحترام لها.. والسؤال: إذا كان الأصل الذي لا خلاف عليه بالنسبة لهذه السفارات هو وجوب رفضها ومقاطعتها وقلعها فهل يجوز الوقوف في طوابير أمامها واحترامها؟ وهل المسألة عمياء إلى هذا الحد؟ وهل علينا أن ننتظر حتى نرى عشرات السفارات ومئات القنصليات الصهيونية تفتح في كل بلد وكل مدينة وكل قرية وكل شارع وحتى نستوعب ميزان الترجيح بين المصالح والمفاسد؟ وإذا حدث ذلك فهل يبقى أمام المتهافتين والخائنين الذين يريدون المشاركة في جلسات الكنيست ومؤتمرات الصهيونية ومحاضرات الجامعة العبرية وزيارة كازينوهات تل أبيب ونتانيا والتردد على مرابض المخابرات الصهيونية في القدس وإسدود وعسقلان.. هل يبقى أمامهم أكثر من أن يزعم أحدهم أنه يريد نصرة القدس وأنه يتقيد بفتوى الهباش لينال ما يريد ويضحك على ذقون الساذجين؟
ثالثا: وأما استدلاله بدخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي – الكافر – ودعوى أن ذلك يشبه استصدار التأشيرات من سفارات العدو ؛ فالرد عليه من وجوه ؛ 1- أن الجوار ليس كاستصدار التأشيرات في ضرره ومخاطره كما أوضحنا، 2- النبي صلى الله عليه وسلم إنما دخل في جوار المطعم بن عدي المعروف برجولته وكرمه وشرفه ونصرته للحق وقد سبق أن كان أحد الذين أعانوا على تمزيق صحيفة المقاطعة التي كتبتها قريش لحصار المسلمين.. دخل صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم ولم يدخل في جوار أبي جهل أو أبي لهب أو أمية بن خلف الفاسدين الطوية الشديدين الكراهية للإسلام.. فهل الاحتلال اليوم كالمطعم بن عدي أم كأبي جهل؟ 3- النبي صلى الله عليه وسلم كان في حكم المضطر يوم أراد دخول مكة وإنما أراد دخول بيته وسكنه والرجوع إلى قومه الذين لا ملجأ له سواهم بعد أن حظرت عليه الطائف وأوذي فيها.. فهل الزيارات التي يتحدث عنها علماء السلطة تقاس على هذه الزيارة أو تحمل نفس القيمة الاضطرارية؟ وعلى فرض أنها تحمل تلك القيمة وفرض أن العدو سيسمح بها في كل وقت ؛ فهل لا تسد الضرورة فيها إلا من خلال رعايا الدول العربية؟ أليس يمكن أن يقضي هذه الضرورة مسلمون وعرب من رعايا دول أجنبية غير عربية وغير إسلامية دون أن نخسر المقاطعة ومميزاتها؟ - وعلى فكرة – هذا ما أفتى به القرضاوي والشيخ رائد صلاح وتردد على ألسن علماء فلسطين وروابطهم وهيئاتهم ممن هم الأصدق حماسة لحماية الأقصى والأشد عزيمة على لجم العدو ومحاصرته.
رابعا: وأما استدلاله بدخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة للعمرة وهي تحت حكم الكافرين.. وأنه يقاس عليه دخول القدس تحت حكم الاحتلال.. فأقل ما يقال في ذلك: إنه كان دخول عنوة وقوة من غير تطبيع ولا خضوع.. فالمسلمون يومها حملوا السلاح في أغماده استعدادا للحرب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أكره قريش على القبول بذلك في صلح الحديبية قبل ذلك بسنة، ولنتذكر أن كفار مكة أخلوها له عندما دخلها هو والمسلمون ثلاثة أيام.. السؤال: هل الهباش ومن لف لفه من علماء السلطان على استعداد لأن يقودوا أو على الأقل لأن يشاركوا في دخول للقدس على هذا النسق وبهذه العنوة والسلاح ؛ أم هو يتصيد الشبهات ويلهث وراء الفتات ويلجأ للمماحكات؟
خامسا: وأما حديث ميمونة فالرد على الاستدلال به من وجوه: 1- الحديث ضعيف من حيث السند - وليس الموضع لتفصيل ذلك – فلا يستشهد به على قضية أصلية كبيرة تكاد تكون موضع إجماع بين علماء المسلمين عبر عشرات السنين وهذه موازنة معروفة حتى لطلاب السنة الأولى في كليات الشريعة، 2- وعلى فرض أن الحديث صحيح فإن المسلمين لم يكونوا في حالة مقاطعة لدولة الروم وإنما كانت رحلاتهم رائحة غادية منها وإليها (رحلة الشتاء والصيف)، 3- لم تكن تلك الزيارات المحثوث عليها في هذا الحديث تعني أكثر من اللفت إلى فضل المسجد الأقصى توجيه الأنظار لفتحه دون أن يعني ذلك القبول بحكم الرومان له، 4- كما قلنا في مسألة دخول مكة للطواف نقول هنا إن سلوكه صلى الله عليه وسلم مع الرومان الذين يحكمون فلسطين كان الاستعلاء عليهم من خلال رسائل الدعوة والتهديد والندية ومن خلال الغزو والقتال (مؤتة وتبوك وجيش أسامة) وليس من خلال التلطي تحت نوافذهم واستجداء بطاقات الـ" في آي بي " منهم.. فأي قياس بين هذا وذاك؟
آخر القول: إن صحت النيات وكان المقصود نصرة القدس فالطريق إلى ذلك أوضح من أن نختلف عليه.. وأرجو ألا تكون إثارة الخلاف حول تحريم زيارة القدس وهي تحت الاحتلال بهدف تعريض هذه القضية الثوابتية للهز والأخذ والرد، ولا لفتح باب التطبيع، ولا للتستر وراءها لمداراة الضعف والعجز والتقصير في نصر القدس، ولا لإسقاط قيمة علماء الأمة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8931
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4155
| 23 سبتمبر 2026