رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المقايضة أو المبادلة هي النشاط الأقدم والأعم، وقد عرفها الإنسان من قدم الزمان، وإن كان الكثير من الأفكار قد قدمت من قبل الكثير من العلماء والفلاسفة، وأخذت حيزا كبيرا في الفضاء الإنساني، واستقطبت الإنسانية حول مفهوم أو فكرة، ودافع عنها مجموعة من الأفراد والدول وقامت عليها الثورات، وكتبت عنها الكتب، وأقيمت لها الأحزاب، ولكن عند النظر لذلك ورؤية أن تلك الأفكار هي جزء من منظومة، هي في الأساس تقوم على التبادل، وقد قامت الحضارات على التبادل، من تجارة الحرير إلى تجارة البهارات، وربطه بين الأمم القديمة والحضارات العريقة، فلننظر إلى التبادل كأساس اقتصادي، ومفهوم عام يشمل التبادل السلعي، وتبادل العمل من جانب والمعاش من جانب آخر، وهذا ما سمي بالرأسمالية، ولكن هناك تبادلات أخرى منها تبادل الأمن من جانب الدولة والطاعة من جانب المواطن، والتبادل العاطفي من جانبين وهو الزواج، ولذلك فإن نظاما اقتصاديا يعتمد المبادلة كأساس له قد يكون أشمل وأعم ويغطي مساحة أكبر من النشاط الاجتماعي، ويعطي تفسيرا أعم عن المجتمعات الإنسانية وطبيعتها الاقتصادية، وإذا قبلنا المبادلة أو المقايضة فإنها قد تكون أقدر على منحنا قدرة على تفسير، السلوكيات الإنسانية بشكل أكثر منطقا وبنظرة أعمق، حتى الأعمال الإنسانية يمكن فهمها في حال استخدمت المبادلة أو المقايضة، والمقايضة هي المبادلة مضاف إليها بعض التفاوض، ولذلك فإن الأعمال الخيرية هي من أجل صرف الجهد وكسب الأجر، قد نرقى في حالات روحانية، لرضاء الله من غير طلب الأجر بل إن العمل خالص لله، وهذه حالة روحانية، قد يكون التبادل هنا حالة السلام، أما الواقع الإنساني اليوم، فإنه من الطبيعي أن نرى أن النشاط التبادلي، هو أساس لمعرفة اقتصادية أعم وأشمل، قادرة على رسم وسبر أغوار النفس الإنسانية، وتبعات العمل الإنساني في شكله الاقتصادي، فالتجارة العالمية هي وجه آخر للتبادل السلعي، وهذا التبادل السلعي مهم لأنه ينشئ اقتصادا عالميا يقوم على الميزة التنافسية لكل بلد، ولذلك يكون توزيع العمل حسب قدرة وإمكانية كل دولة، وتتخصص كل دولة فيما تجيد، فدولة تصدر الطاقة ودولة تصدر الغذاء ودولة تصدر الساعات، وهكذا كل دولة تقدم للإنسانية أفضل ما تملك، وهذا ممكن بسبب التبادل، وقدرة الإنسان على مقايضة عمله من أجل المال، فإنه يمكن الحصول على الأفضل اقتصاديا، وكما كان الناس في الماضي البعيد يتبادلون، السلع مقابل السلع، أي القمح مقابل الرز والماشية مقابل الحبوب، وبعدها ابتدع الإنسان مقياس المال كوحدة متعارف عليها يتم التبادل من خلالها، فإن التبادل لا يقف عند التبادل السلعي بل يجتاره إلى التبادل المجتمعي فالزوج يقوم بالحماية وتوفير المأكل والملبس، والزوجة تحفظ البيت وتقوم على صيانته وتوفير الحنان للأطفال والمحافظة على المنزل، وهكذا فإننا نرى أن التبادل كأساس لتفسير النشاطات الإنسانية، أقدر من اعتماد نوع من التبادل مثل التبادل السلعي كأنه الأساس الوحيد لأوجه النشاط الإنساني، وهو الرأسمالية والتي لا تستطيع تفسير، النشاط السياسي ولكن المبادلة قادرة على تفسير تلك العلاقة بين الدولة والمواطن، ألا وهي المبادلة بين الدولة في شكل أمن وأمان وحماية، وتوفير العمل ودولة الرفاه الاجتماعي، وعلى المواطن القيام بواجبات المواطنة وهي الانصياع للقانون وعدم الانخراط في نشاطات تعارض الدولة، بل إن الدولة اليوم والمجتمع يطلب جهد الأفراد من أجل تحقيق التنمية، وهكذا يمكن تفسير ما لا يمكن تفسيره تحت المسميات الأخرى، من الاشتراكية إلى الرأسمالية، بل المجتمعات الإنسانية دخلت مبادلة أعلى، وهي المبادلة المعرفية، وهنا نرى أن المجتمعات الإنسانية أصبحت تؤمن بالحرفية والمهنية، فأصحاب رأس المال تنازلوا عن إدارة أموالهم، للمحترفين في إدارة رأس المال، من مديري المحافظ وإلى مديري الشركات، وأصحاب النفوذ تخلوا عن نفوذهم للمهنيين من الأفراد القادرين على إدارة الشأن العام من أصحاب المعرفة والخبرة، هكذا نرى أن المبادلة والتبادل كأساس، لتحليل السلوكيات الإنسانية أعم من النظريات السابقة حقيقة أن الحاجة لتقديم دراسات وتساعدنا على شحذ أدوات تلك الفكرة ضرورة ملحة في عصر يصعب معه قبول النظريات الأيديولوجية السابقة، وقد تكون هناك مبادلة هي جزء من البنى المجتمعية، مثل العائلة والتبادل بين الزوج والزوجة وعلاقة الزوج والزوجة هي علاقة وهيكل اجتماعي مبنية في عقد الزواج، وهناك علاقات تبادلية هي جزء من هيكلة الدولة، وهي الأمن والأمان من جانب الدولة والطاعة من جانب المواطن، وهناك علاقات تبادلية هي مادية في الأساس وهي التبادل السلعي، وهنا هي علاقات قائمة على المصلحة الذاتية والمتحولة، حسب الأوضاع والظروف، وهي محكومة بالمصالح وتحكمها الظروف من الجغرافيا إلى الطبيعة، إلى اللغة والثقافة، ففي أوقات تتوسع فيها الأمم تنظر للخارج وفي أوقات تنكمش فيها الأمم فهي تنظر للداخل، فتتغير نظرة الناس للتبادل التجاري والسلعي، وأما تبادل العمل من أجل المال وهو ما قامت عليه النظريات الشيوعية والاشتراكية، فهي حاله استجرت بعض الشيء على الإنسانية، أما في الماضي فقد كان العمل من أجل الطعام أو السكن أو الأمن، هو السائد، وهو تبادل عمل من أجل إما سلعه ومال، وإن كان المال قد جعل من هذا التبادل أمرا ظاهرا، مما جعل من رفضه ونظيره أمرا قائما في بدايات القرن التاسع عشر، ولكن عندما ننظر للأمر من زاوية التبادل كأساس يتبين أن تبادل العمل من أجل المال هو مجرد ظاهرة واحدة من النشاط الإنساني، وليس هو الأساس الذي يحدد كيفية تكون المجتمعات كما ادعت الماركسية، إن المجتمعات الإنسانية بنيت على أساليب الإنتاج وأن من يملك أساليب الإنتاج يملك القدرة على التحكم في المجتمع وعلاقاته، ولكن المجتمعات بنيت من قديم الزمان على عامل الأمن أكثر من عامل الإنتاج، من قرأ التاريخ يعلم أن عامل الأمان كان هو الأهم في تكوين المجتمعات منذ بزوغ فجر التاريخ، حتى الدين فالإنسان يقبل على الطاعة لربه من أجل النجاة ومن أجل السلام ومن أجل الجنة والنجاة من النار، إذاً في حال اعتمدنا التبادل كأساس يمكن تفسير وجود الدولة والعائلة والعمل والزواج والدين وهي أمور لم تستطع النظريات السابقة الإحاطة بها، تظل المرحلة الأخيرة وهي التبادل على أساس المعرفة هي الأهم، وهي الأهم في قادم الأيام، لأن الاقتصاد يتحول إلى اقتصاد معرفة، ولذلك فإن المهنية والحرفية هما الأساس للتبادل في المستقبل وعلى أساسه يمكن أن نحصر بعض تحقيقاتنا في التبادل المعرفي الحرفي والمهني لأنه الأهم في الوقت الحاضر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2919
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2883
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1332
| 13 مايو 2026