رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما الفرق بين اسمٍ مشهور مخلَّد في التاريخ، وبين آخر يُذكر فيستغرب الناس ذكره؛ لأنهم لا يعلمون إن كان مرَّ على هذا الكوكب أصلا؟
الفارق أن الأول أخفق ولم يستسلم، بل أصرَّ وكرر المحاولة حتى نجح، والآخر توقف في بداية الطريق أو وسطه.
النجاح الروحي الإيماني هو أهم نجاح متاح للإنسان، لأنه يصلك بمصدر الوجود والخلود والمجد والخير، يصلك بـ (الله) .
تأمّلت الصلاة فوجدتها محاولة تتكرر خمس مرات يوميًا، لتحقيق أهم هدفين:
١- تعزيز الصلة بـالله، وتحويل المعاني والقيم الروحية التي نؤمن بها نظريًا إلى حقائق ومعتقدات راسخة في النفس.
٢- وتعزيز الصلة بالناس، على أساس الرحمة والسلام والتعاون.
ولذا جاء في وصف الصلاة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ. وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ. وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) (رواه الترمذي)، وصححه بعضهم من كلام ابن مسعود.
التكبير محاولة استحضار معنى الألوهية سبع مرات في الركعة الواحدة.. ولو تخيَّلنا إنسانًا يحاول ألا ينسى، يحاول أن يتذكَّر معنى: الله أكبر، أو سمع الله لمن حمده.. في كل مرة يقولها كم سيكون عدد محاولاته خلال الصلاة الواحدة؟
وخلال اليوم؟
والأسبوع؟
والشهر؟
والسنة؟
وخلال حياته (لنفترض٤٠سنة) ؟!
رقم مهول!
هل يتصور أن يخرج من كل هذه المحاولات فاشلًا صفر اليدين؟ وهو يتشبث بالقضية الأكبر والأخطر في الوجود؟
لا تبحث بعد هذا عن السؤال المكرور:
كيف يمكن أن أخشع في صلاتي..؟
هكذا تبدأ الصلاة ليكون العابد متلبِّسًا بحالةٍ من الإقبال على خالقه يُمنع معها من مخاطبة غيره، ومن الالتفات إلى سواه.
ويخرج من هذه الحالة بالالتفات يمينًا وشمالًا، ليوزع دعوات الحب والسلام والتراحم والتسامح لمن عن يمينه، ومن عن شماله:
السلام عليكم ورحمة الله..
أليس هذا مقصودًا جوهريًا في الصلاة؟
أليس توظيفًا للسمو الروحي في ضبط الصلة بالناس؟
الركن الآخر، وهو قراءة الفاتحة، مناجاة مباشرة لرب العالمين، واهب الرحمات، ومالك يوم الدين، بضمير الخطاب {إِيَّاكَ} (5: الفاتحة) .
لينتقل الضمير بعد ذلك إلى جماعة البشر المتضامنين في طلب الوصول إلى الخير كله {اهدِنَا} (6: الفاتحة) .
وهي تربية على الالتفات للناس مع حفظ حق النفس.
السجود ذروة الاقتراب من الرب المعبود و«أقرب مَا يَكُونُ الْعبد مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (رواه مسلم) ، وفي التنزيل {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} (19: العلق) ، وأكثر حالات الصلاة دموعًا وخشوعًا ولهفةً هو السجود:
اتئد يا إمام لا ترفع الرأس... فما زلت خاشعًا في سجودي!
وهي تربية لا تتوقف على التجرُّد من حظوظ الذات ومن سطوة الـ (أنا)، وتعويد على خفض الجناح للعباد والتذلل لهم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (54: المائدة) .
وتذكير بالمساواة بين الناس أمام سلطان الله فلا كبير إلا الله، والعظيم والمحتقر من البشر سواسية مع الأشراف والعلية أمام الخالق:
نحنُ الذين إذا دُعوا لصلاتهم والحربُ تسقي الأرضَ جامًا أحمرا
جعلوا الوجوهَ إلى الحجازِ وكبَّروا في مسمع الرّوحِ الأمينِ فكبّرا
محمودُ مثلُ إياز قام كلاهما لك في الوجود مصلِّيًا مستغفرا
العبد والمولى على قدمِ التّقى سجدا لوجهكَ خاشعيْنِ على الثّرى
محمود بن سبكتكين الغزنوي؛ فاتح الهند والصين يقف للصلاة، إلى جوار خادمه إياز الجورجي؛ الذي تحول إلى قائد من أعظم قواده.
وبالمناسبة الذين يتهمون محمود بعلاقة سرية مع خادمه يحاولون تشويه صورة البطل الفاتح العظيم؛ الذي هدم الأصنام وهو يتلو سور القرآن العظيم..
الصلوات خمسٌ في العدد
وخمسون في الفضل والثواب
عبادة تصبح كالعادة، وعادة ترتقي للعبادة..
كفارة لذنوب الحياة، وكأن صاحبها يغتسل من درنه كل يومٍ خمس مرات، (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. مَا تَقُولُونَ؟ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. يَمْحُو الله بِهَا الْخَطَايَا) (رواه البخاري ومسلم عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله).
وتأهيل لإقامة الجسور مع الناس، وبناء العلاقة على أعظم أساس.
طمأنينةٌ تطارد أشباح الخوف والقلق والتوتر في القلوب، وراحةٌ بالاقتراب من علام الغيوب.
صلاة الجماعة تقوية لحبل الوصل، وتعويد على لقاء الناس، والاحتكاك الرشيد بهم، وتجاوز حالات التكاره والتباغض والاختلاف إلى السماحة واليسر والعفو (يَلْتَقِيَانِ. فَيُعْرِضُ هَذَا. وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)، (متفق عليه).
هل يمكن بعد هذا لمن عقل صلاته وتلقّن درسها واستلهم رسالتها أن يقدم وهو في طريقه إلى صلاته أو في انتظارها أو هو لتوِّه قد خرج منها..على أن يقترف أذى لأخيه أو يؤذيه بقول أو فعل؟
هل يمكن أن تبوء هذه المحاولات بالفشل في تهذيب شخصياتنا، وطرد أوضارنا، وتطهير سرائرنا ونوايانا؟
امض إلى صلاتك مدفوعًا بالحب والأمل والتطلُّع إلى مانح الحياة والروح، خائفًا على ذاتك من الجفاف والتيبُّس والضياع إن بقيت نائيًا عنه معرضًا عن ذكره..
أقبل على عبادتك إقبال من يتزوَّد منها بطاقة المصابرة على ضَعْف النفس وكثرة عثارها، وعلى بذل الخير للغير؛ التماسًا للفضل والجزاء من الرب الكريم.
واجعل من صلاتك في بيتك توطينًا للملائكة الكرام، وتدريبًا للنشء على الامتثال والقيام، وتجويدًا وتجديدًا لأواصر العلاقة الزوجية كلما اقتضى المقام، والسلام.
لغتنا الجميلة.. هوية ينبغي الحفاظ عليها
في رواية "رحلة إلى مركز الأرض" للروائي الفرنسي جول فيرن، وصل أبطالها إلى مركز الأرض، وتركوا أثرًا قبل... اقرأ المزيد
51
| 08 أغسطس 2026
دور تركيا في أمن الخليج
يمثل اتفاق الدفاع الذي وُقّع أمس في منطقة الخليج تطوراً مهماً بالنسبة إلى الدور الذي يمكن أن تضطلع... اقرأ المزيد
36
| 08 أغسطس 2026
هل ندرك الخطر؟
الخليج يعيش أصعب مراحله السياسية والاقتصادية نظراً للظروف التي فُرضت عليه من قِبَل أمريكا والكيان الصهيوني المحتل، هذا... اقرأ المزيد
33
| 08 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8352
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4791
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد خيارٍ استهلاكي شخصي، ليصبح لدى البعض رمزًا للمكانة والوجاهة الاجتماعية، وأحيانًا مفتاحًا طلسميًا للدخول إلى خفايا دهاليز صالونات النخبة ورجال الأعمال. حتى يُخيَّل للمرء أن بعض العلاقات والتفاهمات بين كبار القوم تبدأ بطقة الولاعة قبل تبادل بطاقات التعارف (Business Cards). إن التكلفة العالية لمحبي السيجار، واقترانه بأشهر العلامات الفاخرة، جعلته في نظر البعض مؤشرًا على الوجاهة الاجتماعية؛ إذ لم يعد اقتناؤه مجرد شغفٍ بالتدخين والكيف، بل أصبح لدى بعضهم وسيلةً لاستعراض المكانة الاجتماعية. فالسيجار في كوبا ابنُ بيئته وتراثها وثقافتها، يبدأ من سائق الأجرة الغلبان في شوارع هافانا إلى رئيس الجمهورية في قصره، أما في بعض مجتمعاتنا، فقد أصبح أحيانًا مهاجرًا بلا عنوان، يبحث عن هويةٍ اجتماعية أكثر مما يبحث عن مكانه الطبيعي. ولعل كثيرًا من المساكين من هواة الشروتة، والشيشة، والسجائر، والقدو، يتطلعون بحسرةٍ وشوق إلى خوض هذه التجربة المخملية، غير أن المثل الشعبي يصفع طموحهم مبكرًا: «العين بصيرة، واليد قصيرة». ومن عجائب جاذبية السيجار في تلك الصالونات (Cigar Lounge)، أن دخانه بات يمارس دورًا يكاد يشبه فعل السحرة مع قوم فرعون في جذب أنظار الراغبين في دخول ذلك العالم. فهو يمنح حامله مسحةً متكلفة من الهدوء، ويُظهره في حالةٍ من التفكير العميق والتركيز الحاد، حتى يُخيَّل للمشاهد أن هذا «السرحان الاستراتيجي» كفيلٌ بهندسة الاستثمارات العابرة للقارات وجلب الصفقات المليارية، بمجرد زفرةٍ واحدةٍ تنطلق في الهواء. وهنا يبرز تساؤلٌ يستحق التأمل: هل يمكن أن تتطور تكاليف اقتناء السيجار الفاخر لتتحول مستقبلًا إلى ظاهرةٍ اجتماعية ضاغطة، يرافقها عبءٌ مالي يشبه ما نشاهده من مظاهر الاستعراض والمبالغة في تكاليف الزواج وصالات الأفراح والعزاء؟ ختامًا، ليس المقصود نقد السيجار أو محبيه، أو عشاقه، أو هواة اقتنائه، فذلك شأنٌ شخصي محض. وإنما المقصود هو ألا تتحول هذه الظاهرة إلى سباقٍ اجتماعي يُرهق كاهل الفرد، ويجعل قيمته تُقاس بما يمسكه بين أصابعه، وبما يحمله بين يديه من عُدَّة وإكسسوارات السيجار الفاخرة.
978
| 02 أغسطس 2026