رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دخلت التكنولوجيا الحديثة وملحقاتها بقوة وبسرعة في كثير من مجالات الحياة. وأصبح العالم كما قيل — قبل سنة — مختزلاً في شاشة تبلغ 14 بوصة، وتطورت اليوم في شاشات اجهزة الهواتف النقالة والألواح الرقمية بشاشات لا تتعدى البوصتين. كما ان دخول الإنترنت وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة في حياتنا العملية اليومية، جعلنا نعتمد عليها بشكل أساسي في انجاز الكثير من الامور، التي لو انقطعت لأحسسنا أن الحياة توقفت معها. ففي الولايات المتحدة مثلاً تستطيع ان تطلب اي نوع من الخدمات بدون ان تقوم عن كرسيك. بل وصل الامر الى إجرء اطباء عمليات جراحية دقيقة والمريض يبعد عنهم آلاف الكيلومترات.
في عالمنا السريع والمتطور استطاعت بعض الوزارات والمؤسسات القطرية اللحاق بالجديد في عالم الحوسبة والاتصالات وتطويعها لتكون في خدمة الوطن والمواطن، وذلك بتقديم العديد من الخدمات عن طريق الانترنت وتكنولوجيا الهاتف النقال. في حين تخلف البعض الآخر عن الاستفادة منها بشكل صحيح.. إما جهلاً بإمكانياتها او عجزاً من الجهاز البشري عن التعامل معها.
من الوزارات القليلة التي استطاعت أن تطور خدماتها للجمهور بشكل جيد وتطوع التكنولوجيا لخدمة الوطن والمواطن، وزارة الداخلية التي ما فتئت تقدم الخدمة تلو الاخرى عن طريق الإنترنت والهاتف النقال، كما انشأت العديد من المنافذ الخدمية واختصرت مدد الإنجاز، وقضت على الروتين الذي كان سائدا في الماضي. وباتت حاجتك للذهاب للوزارة في أضيق نطاق ممكن.
وعلى النقيض من ذلك تقبع وزارة الأعمال والتجارة — في نظري — في آخر الركب بالنسبة للاستفادة من التكنولوجيا في إنجاز اعمال المواطنين.. فزيارة واحدة لمبنى الوزارة ورؤيتك للازدحام الحاصل، وضياع الناس بين الموظفين، ونوعية الخدمات المقدمة والاوراق المطلوبة؛ تجعلك ترثي لحال من سيدخل الوزارة لإنجاز معاملاته.
إدارة التسجيل والتراخيص التجارية بالوزارة تختص بإنشاء السجلات التجارية، وهو المكان الوحيد الموجود فى قطر — فرع الوزارة في السد يختص بإجراء التعديلات على السجل وإصدار المستخرجات التجارية فقط — ولايوجد اى فروع اخرى تؤدي ذات الخدمة، مما يجعله مكتظا على آخره بالمراجعين.
يقول احد المراجعين إنه جاء لتأسيس شركة مقاولات جديدة فاستغرق منه الرجوع إلى السجل 6 مرات مختلفة، لأن الموظف يرجعه مرة تلو الاخرى لأن أوراقه ناقصة او هناك إمضاءات غير موجودة. وعندما يطلب المراجع من الموظف ان يفهمه ويشرح له ماهي الاجراءات والاوراق المطلوبة، يرفض ان يعطيه المعلومة كاملة او يحيله ببساطة الى موظف آخر.
اما ادارة التراخيص التجارية بالسد بلازا وهي تختص بإجراء التعديلات على السجل وإصدار المستخرجات التجارية، فلم تسلم هي الأخرى من الشكاوى والازدحامات وتأخر انجاز المعاملات، بسبب قلة الموظفين مقارنة بعدد المقاعد واجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم. كما ان الوزارة تعتمد نظام إنجاز المعاملات بالارقام الممنوحة للمراجعين. وكثيراً ما ينتهي تقديم الارقام بين الساعة الثامنة والعاشرة صباحا، او يتم الاكتفاء بعدد معين من الارقام قد يصل الى 50 رقما فقط.. والطامة أن يأتي دورك لتتفاجأ بأنه لا يوجد نماذج للأوراق الرسمية المطلوب تعبئتها، مما يحتم عليك الانتظار لحين وصول النماذج من مقر الوزارة الرئيسي أو الرجوع في يوم آخر للحصول على رقم لإنجاز المطلوب.
احد المراجعين كان يجلس وقد بدت على وجهه علامات الضيق والغضب، فسألناه عن السبب، فقال انه حضر إلى مبنى البلدية لتجديد الرخصة منذ الساعة السادسة والنصف حتى يحصل على رقم، وبالفعل حصل على الرقم 32، إلا ان نماذج الأوراق نفدت من المكان والآن الساعة العاشرة والنصف وهو مازال منتظرا. كما عبر عن استيائه من التطويل في إنهاء المعاملة، حيث حضر أكثر من مرة لإنهاء المعاملة الواحدة.
كما يشكو هو والمراجعين من ارتفاع رسوم الخدمات التي تقدمها الوزارة ممثلة بإدارة السجل التجاري، ويتساءل: لماذا تتقاضى الوزارة رسوما مرتفعة، دون أن يحصل المراجع على خدمة جيدة أو سريعة؟ ويضيف انه يعمل في تجارة الاثاث وان متطلبات ذكر الانشطة تجبي فيها الوزارة رسوما عالية على كل صنف، فهو قد دفع 1000 ريال لنشاط تجارة الأثاث المنزلي، وسيدفع 1000 ريال اخرى ليضيف كلمة الاثاث المكتبي و1000 ريال ثالثه للأثاث المدرسي و1000 ريال اخرى للأثاث الفندقي.. الخ.
الرسوم المطلوب دفعها من المواطنين والمقيمين من قبل الوزارة والغرامات المبالغ فيها، قضية اخرى يتطلب ان يُنظر لها.. فهناك تفنن بين وزارات الدولة بشكل عام في فرض الرسوم على كل صغيرة وكبيرة للخدمات المختلفة. وكأنهم في تنافس فيمن يجبي للحكومة اكبر قدر ممكن من الريالات من جيوب المواطنين.
مشكلة اخرى لن تجدها الا في وزارة الاعمال والتجارة، وهي اختيار المسميات التجارية. فأنت اذا اردت ان تسجل مؤسستك التجارية عليك ان تحضر معك 20 الى 30 اسما، وستكون محظوظاً اذا حاز اسم منها القبول، والا كان مصيرك العوده مرة تلو الاخرى لحين الحصول على الاسم المناسب. مع ان حل هذه المعضلة هو تجهيز كمبيوتر لإدخال المراجعين الأسماء واختيار الاسم المطلوب للمؤسسة. ولكن الوزارة رأت ان تقدم هذه الخدمة مقابل 1000 ريال كما يشير اليه الموقع الالكتروني للوزارة.
واسعار الخدمات المقدمة من الوزارة فيها تفاوت غريب، فتغيير عنوان الشركة الكترونياً سيكلفك 500 ريال، في حين ان طلب تحديد جلسة لسماع اقوال في نزاع بشأن علامة تجارية سيكلفك 25 ريالا حسب ما هو مذكور في موقع الوزارة!!
والشكوى العامه من المراجعين في الوزارة، ان الموظفين لايعطونهم المعلومات كاملة ويرفضون مساعدتهم لأتفه الاسباب، مثل نقص كلمة او ان المعاملة تحتوى على كلمة معينة مختلفة فى المسمى، حيث يجب ان يكون الكلام الموجود حرفيا. يقول احد المراجعين إنه حضر الى السجل لإضافة انشطة جديدة على الترخيص، وعندما سأل الموظف ما هي الصيغة المطلوبة قال اضف ما تريده انت، وعندما قام بإضافة اسم النشاط اعترض على الكلمة حيث انه مرتبط بمسميات بعينها. باختصار وبالعامية.. "الموظفين نفوسهم في خشومهم".
يقول احد رجال الاعمال ان شريكه — رجل اعمال سوداني — جاء في زيارة عمل الى الدوحة لمدة يومين لإنهاء معاملات إنشاء شركة معه لاستيراد لحوم من السودان، وإنه قام بملاحقة العديد من المتطلبات والمعاملات الحكومية والمالية المصرفية لغرض إنشاء الشركة واستخراج السجل التجاري، وقد استغرقه ذلك حوالي أسبوعين لإنجاز ما انجزه رجل الاعمال السوداني مع شريكه الإماراتي في دبي خلال يومين فقط!!.
واذا تتبعت الإجراءات المطلوبه لإنشاء الشركة حسب متطلبات الوزارة لرأيت أن الامر يتطلب التالي:
❶ يتقدم التاجر بالطلب الخاص بقيد الشركات مرفقاً بالمستندات الرسمية.
❷ يتم اختيار الاسم التجاري وأخذ الموافقة من قسم السجل التجاري والعلامات التجارية.
❸ يتم توثيق عقد التأسيس بوزارة العدل.
❹ يتم الاطلاع على النظام الأساسي وإقراره للشركة.
❺ يتم أخذ الموافقة على النشاط التجاري من الجهة المعنية إذا لزم الأمر.
❻ إرسال خطاب للبنك بإيداع رأس المال المحدد للشركة.
❼ يتم الاشتراك في الغرفة التجارية.
❽ يتم إصدار السجل التجاري.
❾ يتم إصدار الرخصة التجارية لمزاولة النشاط.
والمضحك ان الموقع الالكترونى للوزارة يحدد لك نوعية الخدمات والوقت اللازم لإجراء العملية والذي يتراوح حسبما هو مذكور بين 10 — 15 دقيقة، وهذا بعيد عن ارض الواقع، والاقرب ان تستبدل كلمة الدقيقة باليوم. كما ان اغلى الخدمات الالكترونية هي لتنزيل الاستمارات والفورمات المطلوبة.
لا ادري ما الذي يستطيع الآخرون إنجازه في يومين، ويتطلب منا أن نؤديه في اسبوعين.. ولكني اعرف أن الامر لا يتعلق بقلة الموارد ولا بقلة الموظفين، ولكنه يتعلق بإرادة التغيير وتحمل الأمانة والعمل الجاد لمعرفة المعوقات وحلها بأسرع وقت ممكن.. موقع الوزارة يذكر لك 20 حقاً من حقوقنا كمستهلكين وتجار، ونحن نطالب بحق اساسي واحد وهو تذليل وتسهيل الخدمات المقدمة لنا.
لا شك ان وزارة الأعمال والتجارة تعاني من ضعف كبير في أداء عملها المتمثل في تدني خدماتها للمجتمع وللدولة، وأبرز دليل عدم تجاوبها مع المشاكل المزمنة للمراجعين من رجال الاعمال والمواطنين، والتكدس اليومي امام كاونترات الوزارة.. إذ يرى عدد من رجال الأعمال والمستثمرين أن وزارة الأعمال والتجارة مطالبة بجهد اكبر في مجال تطوير بيئة الأعمال وتذليل العقبات، وتطوير الخدمات المقدمة، وتحسين فرص المنافسة لترتقي الى المستوى الذي يليق بهذه الوزارة الأساسية في تطوير اقتصاد الدولة.
◄ فاصلة أخيرة:
يقول أحد الإخوة: اذا رأيت المندوبين او المخلصين امام اي وزارة فاعرف انها وزارة لم تستطع ان تطور خدماتها لتمكين المواطنين من تخليص امورهم بطريقة حضارية.. واذا قننت خدماتها بصرف ارقام للخدمة لا تتعدى حدا معينا يومياً، فاعرف أنها وزارة فاشلة ليس لها القدرة على مواكبة متطلبات النهضة السريعة التي تشهدها الدولة في كافة المجالات وعلى مختلف الأصعدة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4083
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3903
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1278
| 05 مايو 2026