رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في 19-06-2011 صرح السيد عبد الرحمن شلقم مندوب نظام القذافي في الأمم المتحدة المنشق، أن العاصمة الإيطالية روما ستشهد انعقاد مؤتمر حوار وطني ليبي، في الخامس والعشرين والسادس والعشرين والسابع والعشرين من الشهر نفسه (يونيو). على أن يُشارك فيه شرائح المجتمع الليبي من مثقفين وكتاب ونقابيين ورجال أعمال ونساء. ومن جميع أنحاء ليبيا. وقد جاء تصريح شلقم متناغما مع إعلان وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني عن استضافة روما "اجتماعا موسعا" يضم جميع زعماء القبائل وممثلي المجتمع المدني في ليبيا. وكان عنوان المؤتمر: وضع أسس ليبيا المستقبل بعد سقوط معمر القذافي... ولكن ما إن تحسس منظمو المؤتمر بوادر رفض واستنكار لانعقاده من قبل قوى وطنية بارزة، تنظيمات وشخصيات، في داخل ليبيا وخارجها، حتى أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيطالية عن تأجيل انعقاد المؤتمر إلى موعد لاحق لم يتحدد.
جاءت دواعي الرفض والاستنكار للمؤتمر لأن مكانه في روما وليس بنغازي المحرَّرة ولأنه ممول من شركات نفط إيطالية ولأن القائمين على تنظيمه وتسييره من رموز نظام القذافي (حتى وإن انشقوا عنه بعد ثورة 17 فبراير).. ثم والأسوأ لأن أجندته مشبوهة من حيث الزجّ بالعامل القبلي الاجتماعي لرسم مستقبل ليبيا السياسي في قفز واضح على ثوابت ثورة 17 فبراير التي أبدعها شبيبة ليبيا بأرواحهم ودمائهم في الوقت الذي كان فيه شيوخ وأعيان القبائل، حتى قبل يومين من اندلاع الثورة، يتوافدون على خيمة الطاغية يقدمون له البيعة نفاقا وتذللاً. شباب ثورة 17 فبراير لم يستأذنوا آباءهم ولم يرجعوا إلى شيوخ قبائلهم قبل أن يقوموا بثورتهم.
وأستدرك هنا أني كنت قبل الإعلان عن مؤتمر روما قد دعوتُ في برنامج "في السياسة"، الذي كنتُ أعده وأشارك فيه كمحلل سياسي في قناة "ليبيا الأحرار"، إلى ضرورة انعقاد مؤتمر وطني جامع يضم ممثلين عن القوى الوطنية في الخارج (المعارضة سابقاً) وممثلين عن القوى الوطنية في الداخل (ممثلو شباب ثورة 17 فبراير والفاعلون السياسيون والمجتمعيون والمثقفون...) لأجل الخروج بمثياق وطني جامع على رؤية سواء لمستقبل ليبيا بلا القذافي ولا بقايا نظامه. وعملياً طرحت الفكرة على السيد محمود شمام من حيث كونه أحد رموز المعارضة الليبية في الخارج من جهة وكونه عضوا فاعلاً في المجلس الوطني الانتقالي من جهة أخرى. اقترحت عليه إمكانية انعقاد المؤتمر في الدوحة برعاية قطر تكريما لها شعبا أو قيادة. لكنه اقترح أن يكون المؤتمر في بنغازي وألا يكون للمجلس الوطني الانتقالي أي علاقة به واقترح أيضاً أن يقام على هامش أيام انعقاد المؤتمر مهرجان فني مفتوح، متعهداً بنقل كل من يريد أن يذهب إلى بنغازي من خلال الدوحة... اتصلت برموز بارزة في المعارضة الليبية في الخارج. بعضهم كان موجودا في قطر وغيرهم موجودون في مهاجر أوروبا وأمريكا. بعضهم رحب بالفكرة وكثيرهم تقاعس عن المشاركة في التحضير العملي لها. فأقلعت عن الفكرة... بعدها بأسابيع طالعنا خبر التحضير لانعقاد مؤتمر حوار ليبي في روما. ثم نُشرت قائمة بالمدعويين لحضور المؤتمر المزمع. معظم الأسماء المنشورة لم يؤخذ رأيه في الحضور من عدمه. وكان واضحا من أسماء قائمة المدعوين المقترحين أنها تجمع بين الشبرق العقيم والبطوم المثمر. أي تخلط أسماء معارضين وطنيين جذريين بقوا في منافيهم عبر العقود متمسكين بأن لا مستقبل لليبيا إلا بعد الخلاص من القذافي ونظامه، مع أسماء منشقين انتهازيين وإليهم محسوبين على المعارضة الليبية في الخارج من الذين صالحوا النظام وانخرطوا في مشروع توريث سيف الإسلام الذي طوبوه "ملاك" ليبيا الغد.
والحال أنه بعد إعلان منظمي مؤتمر روما عن تأجيله تلافيا للهجمات الانتقادية التي نشبت في وجههم، ما لبثوا أن عادوا إلى الإعلان عن انعقاده في موعد جديد حُدد في 25 و26 و27 من شهر يوليو الجاري. وقد تلقيت دعوة لحضور المؤتمر بتوقيع السيد عبد الرحمن شلقم عن طريق الإيميل يوم 2 يوليو الحالي. ولم أرد على الدعوة فموقفي الرفضي واضح لمثل هكذا مؤتمرات. بعدها بثلاثة أيام تلقيت إيميلا تحت عنوان "عاجل" جاء نصه:" تقــــرر تأجيــــــل ملتقــــى الحـــــوار الليبــــــي".... ماذا حصل..؟! حصل ما هو متوقع لمؤتمر مشبوه كهذا محكوم عليه بالفشل لأن لا علاقة له من قريب أو بعيد بما يفعله شبيبة ليبيا على الأرض، المندفعين بسيرة الشهداء من أجدابيا في التحامها بمصراتة للالتحام بالزاوية وقد وصل إليها أسود جبل نفوسة مرفقين بذئاب الزنتان في الوقت الذي يفتح فيه ثوار طرابلس الأبواب من الداخل.. مؤتمر كهذا مجرد مناورة منشقين وإصلاحي سيف سابقا في محاولة بائسة لاندساس في قيادة مستقبل لييا... ومع ذلك وجب أخذ الحيطة والحذر.
farag-asha@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4488
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4221
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2442
| 07 مايو 2026