رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
احتفل حزب المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه ومازال يتزعمه الرئيس السابق علي عبدالله صالح يوم الإثنين الماضي بالذكرى الثلاثين لتأسيسه بعد مرور عشرة أيام على الذكرى التي تصادف يوم 24 أغسطس 1982م، وبالتأكيد لم يكن في الاحتفال أي شيء مميز أو لافت للنظر بما في ذلك الآلاف من أعضاء الحزب الذين ملأوا القاعة الرياضية الكبرى وهو أمر طبيعي بالنسبة لحزب كبير مازال له تأثيره على عكس ما أشاعه خصومه من أن القاعة لم يتم ملؤها إلا بعناصر من الحرس الجمهوري ارتدوا أزياء مدنية وهو أمر قد يكون حدث في الحدود الدنيا وليس بالصورة المضخمة التي صورها خصوم صالح وشركاء حزبه في حكومة الوفاق... بالمقابل أعطى الإعلام الموالي لصالح شهادة إيجابية في حق خصومه دون أن يقصد من خلال بث صور تقول إن موكب الرئيس السابق مر صبيحة ذلك اليوم متحدياً من شارعي الستين الغربي والشمالي اللذين يقعان تحت سيطرة قوات رفيقه القديم وخصمه الحالي اللواء علي محسن ويسكن فيهما معظم أنجال الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذين خاضوا مواجهة دامية العام الماضي مع قوات صالح، وبالتأكيد فإن صح مرور موكبه من الشارعين المشار إليهما حيث لم يتعرض لأي أذى أو إساءة، فهي شهادة لخصومه بأنهم يحترمون التزاماتهم في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية رغم أن اللواء محسن وبعض أنجال الشيخ الأحمر لم يتمكنوا حتى الآن من العودة إلى منازلهم في جنوب العاصمة حيث يقع نفوذ قوات الحرس الجمهوري منذ تركوها عشية إعلان تأييدهم للثورة الشعبية السلمية قبل عام ونصف في أيام متفاوتة!
أهم ما كان في احتفال المؤتمر هو خطاب الرئيس السابق حيث هي المرة الأولى التي يتحدث فيها مع عدد كبير من أنصاره منذ تنحيه عن الحكم، وحيث حرص قدر الإمكان على استخدام ألفاظ تجاه خصومه التقليديين أقل حدة مما كان يستخدمه في مناسبات سابقة ضدهم، مع تركيزه هذه المرة على إرسال انتقادات غير مباشرة تجاه الرئيس عبدربه منصور هادي الذي مازال يشغل موقع النائب الأول لرئيس الحزب وأمينه العام والذي رفض حضور الاحتفال تعبيرا عن استيائه - كما يبدو - من إصرار صالح على التشبث برئاسة الحزب... وإلى جانب ذلك فقد أثار خطاب الرئيس السابق – الذي يحلو لإعلامه إضفاء لقب (الزعيم) عليه – العديد من التساؤلات كونه مازال رئيس الحزب الذي يتولى أمينه العام رئاسة البلاد ويمتلك الأغلبية النيابية ويشغل نصف مقاعد الحكومة الوفاقية ويتولى نائبه الثاني د. عبدالكريم الإرياني رئاسة اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني وتتولى قياداته وأعضاؤه معظم المواقع التنفيذية والمحلية في السلطة حتى الآن... وعلى سبيل المثال فقد أعلن الرئيس السابق في خطابه رفضه لمبدأ الفيدرالية كخيار لشكل الدولة خلال المرحلة القادمة فهل هذا يعني أنه عبر عن موقف حزبه النهائي من الأمر؟! مبعث التساؤل أن الأطراف السياسية الموقعة على المبادرة الخليجية اتفقت على أن سقف الحوار مفتوح بما في ذلك الخيارات المتعلقة بالوحدة وهذا يعني أن من يريد الانفصال فمن حقه أن يطرح ذلك في مؤتمر الحوار الوطني ومن يريد الفيدرالية فمن حقه أن يطرح ذلك ومن يريد استمرار صيغة الوحدة الاندماجية القائمة فله أن يطرح ذلك، والغرض أن يلتقي الجميع على طاولة واحدة ويتحاوروا حول المستقبل ويطرحوا كل ما يريدون بكل صراحة وشفافية حتى يصلوا إلى الصيغة الأمثل بالتوافق بعيدا عن لغة الاستقواء والعنف... لا يعني هذا أنه لا يحق للقوى السياسية طرح رؤاها مقدما – كما فعل صالح – لكن اللافت للنظر أن قيادات في حزبه تؤيد الخيار الفيدرالي فهل حسم الرئيس السابق موقف حزبه خاصة أنه استخدم لغة تهديد في نهاية خطابه قائلا "نحن نتمسك بالوحدة ونعض عليها بالنواجذ مهما كان الثمن.. الوحدة، الوحدة.. سنحافظ عليها والمؤتمر في مقدمة الصفوف يضحي كما ضحى في 94 في أوسخ مؤامرة ضد الوحدة، والآن هناك مؤامرة تحاك وتسمعون (خبابيرها).. لكن المؤتمرين لن ينهزموا من المهرة حتى ميدي).. فهل يعني ما قاله صالح أن حزبه مستعد لخوض حرب جديدة دفاعاً عن الوحدة؟! وكيف يستقيم ذلك مع الإعداد للحوار الوطني الذي يجري بإشراف إقليمي ودولي ويشارك فيه حزبه؟! هي تساؤلات مشروعة تحتاج لإجابات واضحة في مرحلة دقيقة وحساسة كالتي يمر بها اليمن حالياً.
تساؤلات أخرى تستحق أن تطرح فيما يتعلق بعلاقة صالح مع مجموعة القادة الجنوبيين التي عرفت (بالزمرة) وهي تسمية أطلقها الجناح المنتصر في الحزب الاشتراكي اليمني خلال مواجهات 13 يناير 1986م على الجناح الذي كان يقوده الرئيس الأسبق علي ناصر محمد والذي خرج من السلطة حينها وانتقل مع العديد من قادته السياسيين والعسكريين ووحداته العسكرية إلى الإقامة في شمال اليمن حيث استضافهم في حينه الرئيس علي عبدالله صالح وأقام معهم علاقة ممتازة أدت فيما بعد إلى شراكتهم معه خلال حرب صيف 1994م ضد مشروع الانفصال الذي قاده نائب الرئيس السابق علي سالم البيض... فعقب الوحدة اليمنية أعلن معظم قادة (الزمرة) انضمامهم لحزب المؤتمر الشعبي العام وظل الكثير منهم محافظا على عضويته حتى الآن وتولى بعضهم مواقع قيادية فيه وفي مقدمتهم الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي... ويبدو أن الخلاف القائم حاليا بين الرئيسين الحالي والسابق جعل هذا الأخير يعبر بأشكال مختلفة عن استيائه من مجموعة (الزمرة) فللمرة الأولى قبل أكثر من أسبوعين تم نشر مقال على الموقع الإلكتروني الرسمي لحزب المؤتمر بعنوان (الزمرويون وعودة التآمر) لكاتب مجهول ألقى بالعديد من التهم على مجموعة (الزمرة) بشكل غير مسبوق إلا أن ردود الفعل السلبية على نشره أدت إلى حذفه من الموقع... فكان أن قرر صالح الخروج عن صمته في خطابه الأخير وهاجم مجموعة (الزمرة) بوضوح رغم أن الكثير منهم مازال في حزبه، واعتبر مجرد حلمهم بالوصول للسلطة بأنه (حرام) ولمح لهم ضمن من لمح بأنهم كانوا ضمن (المندسين) في حزبه لأن عددا منهم أعلنوا تأييدهم للثورة السلمية في العام الماضي أبرزهم اللواء عبدالله عليوة وزير الدفاع الأسبق واللواء حسين عرب وزير الداخلية الأسبق... فهل كل هذه المواقف تعبر اليوم عن حالة قطيعة كاملة مع حلفاء الأمس وشركاء النصر من القادة الجنوبيين؟! هي أيضا تساؤلات تحتاج إلى توضيحات لأن انعكاساتها السلبية على الحياة السياسية ستظهر عاجلا أم آجلا!
هناك الكثير مما يمكن أن يستوقفنا في خطاب صالح الأخير بما في ذلك اتهامه للجنة الشؤون العسكرية بأنها تقوم بتكسير الجيش الذي بناه طوال ثلاثة عقود على أساس مناطقي وقروي ثم ضاقت الدائرة في السنوات الأخيرة ليتحول إلى جيش بقيادة عائلية... فهل إعادة الاعتبار للجيش وإعادة تشكيل قيادته على أسس وطنية هو تكسير له؟! وهل نسي وهو يتهم الحكومة الحالية بالعجز عن القبض على من يفجرون أنابيب النفط وقطع الكهرباء أنه نفسه لم يقبض على أحد منهم وقد كانوا يفعلون ذلك قبل الثورة الشعبية حين كانت الأوضاع مستتبة له؟!
بقدر الحاجة لإجابة على تساؤلات كهذه فإن مثل هذه التساؤلات في الوقت نفسه لابد أن تثير لدى عقلاء المؤتمر الشعبي العام وحكمائه ومعتدليه العديد من التصورات والأفكار والأبعاد والرؤى المستقبلية خلال فترة التحضير الحالية للمؤتمر العام الثامن التي أشار إليها صالح في ذات الخطاب ولعلها كانت النقطة الأكثر إيجابية فيه... وفي ظني أن التصورات والأفكار والأبعاد والرؤى المطلوبة منهم تقتضي وضع مشروع جديد يحمي مستقبل المؤتمر ويخرجه من حالة الضبابية التي يعيشها نتيجة تكلس قيادته التي ظلت تهيمن على قراره لثلاثة عقود كاملة ويؤدي لتبني قيادة جديدة قادرة على استيعاب المتغيرات وإدراك الحاجة الملحة لليمن للمضي في بناء دولة القانون ومغادرة حالة الفوضى إلى الأبد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43530
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7140
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5400
| 13 سبتمبر 2026