رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مشاعل محمد علي

مساحة إعلانية

مقالات

690

مشاعل محمد علي

المعلم مُرب قبل أن يكون مدرساً

09 سبتمبر 2026 , 02:00ص

وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى المدرسة بعطائه، وترتقي بوجوده..

تقوم على جهده ركائز العملية التعليمية، ومن بعد غيابه الطوفان..

إنه يحمل رسالة ذات معنى وقيمة، لا تنتهي بانتهاء حصة دراسية أو عام دراسي بل تمتد في الحياة لأجيال متعاقبة، وكل يوم يترك أثراً طيباً يبقى حيناً في القلوب قبل الذاكرة..

ليس كغيره في العطاء الصادق، يصبر طويلاً في الشرح، ويتحمل أنماطاً متنوعة من تعلم الطلاب واختلاف قدراتهم، ويسهر ليالي في إعداد تحاضير الدروس، ويبتكر كل يوم فكرة ونشاطا جديدا حتى يُضيف روح المتعة والتعلم في نفوس الطلاب، ويقف ساعات ليوصل المعلومة إلى ذهن الطالب، ويرى في كل واحد منهم موهبة تستحق أن تُكتشف ويسعى نحو تطويرها، هو لا يُعلّم فحسب بل يُوجِّه ويحتوي، ويُعالج مشاكل الطلاب، ويغرس القيم، ويصنع المواقف؛ لأنه مربٍّ قبل أن يكون معلماً يزرع في الروح ما يُبقي أثره طوال العمر.

منذ دخوله المدرسة في الصباح الباكر إلى حين انتهاء موعد الدوام الرسمي، لا يجد وقتاً طويلاً للراحة، فهو ما بين الحصص، والتحضير والتصحيح، والاجتماعات، وإقامة الأنشطة والفعاليات المدرسية، وكتابة التقارير، والتواصل مع أولياء الأمور الذي قد يمتد إلى ما بعد ساعات العمل. وفي الوقت ذاته يتعامل مع أطراف متعددة في المنظومة التعليمية: من إدارة المدرسة، المعلمين، الطلاب، أولياء الأمور، والتوجيه التربوي، وقد تكون تلك الأطراف من الشخصيات الصعبة في التعامل، إذاً يعيش تحديات أخرى غير التعليم.

يُعطي أكثر مما يأخذ، وتمر عليه أيام كثيرة يكون عطاؤه على حساب صحته ووقته وراحته، بل وحتى أسرته، قد يعود إلى منزله حاملاً معه ما تبقى من عمل، أو منشغلاً بحالة طالب يحتاج إلى متابعة، أو درس يحتاج إلى إعداد؛ لأن في المدرسة قد لا يمتلك الوقت الكافي للقيام بمهامه الأساسية؛ لأنه منشغل بأمور خارج الحصة الدراسية وهي كثرة الأنشطة والفعاليات، يتحمل التعب والقلق وهذا كله من أجلك أيها الطالب، وإدارة المدرسة!

فالمعلم هو من علَّم الطبيب قبل أن يُصبح طبيباً، والمهندس قبل أن يبني العمارات والبيوت، والطيار قبل أن يلحق، والعسكري قبل أن يحمي وطنه، وكل صاحب مهنة قبل أن يصل إلى المكانة العلمية التي عليها اليوم. يأتي يوم ويغادر الطلاب مقاعد الدراسة، وتمر السنوات وتتغير الوجوه، إلا أن صانع الطرق يبقى أثره أمد الحياة. يكبر الطالب، وقد ينسى كثيراً من تفاصيل أيامه لكنه لا ينسى معلماً آمن به، أو كلمة رفعت من معنوياته، أو موقفاً احتواه أو يداً أخذته حين تعثّر، ربما تمر السنوات، فيجلس مع أولاده لِيسرد لهم أسماء معلميه ومواقفهم وكأنها حدثت بالأمس، فعلاً المعلم قيمة لا تقدر بثمن ويظل يُذكر ولو بعد حين..

ومن هنا يستحق المعلم كل التقدير والثناء لمجرد قيامه برسالته التعليمية، ووقوفه في الحصص الدراسية لا لأن يكون معيار تميزه بكثرة الأنشطة والفعاليات والمظاهر التي يقوم بها تحت مسمى "افعل كل ما يندرج تحت المظاهر تُصبح حبيباً وتنال شرف الترحيب والمحبة والتقدير العظيم من القيادات المدرسية".

ففي الآونة الأخيرة، أصبحنا نشاهد نوعاً من المبالغة والبذخ والتكاليف غير المنطقية في بعض الأنشطة والفعاليات المدرسية، إلى أن تحولت من أنشطة تخدم التعليم إلى عبء إضافي على المعلم معنوياً ومادياً، وهذا ما أشعل روح التنافسية بين المعلمين بحجة من يقدم الأفضل والفعالية الأكبر؟ ومن يصنع المشهد الأجمل؟

ومن هنا لابد أن نتوقف أمام هذا السؤال:

هل حققت هذه الفعالية الهدف المنشود تعليمياً أو تربوياً حقيقياً لدى الطالب؟ أم كانت مجرد فعالية أُقيمت، وصُوّرت، ونُشرت في الحسابات الرسمية، وانتهى أثرها بانتهاء نشر الصورة؟!

الأنشطة والفعاليات جزء مهم في العملية التعليمية حين تكون هادفة وذات قيمة ومعنى ومرتبطة بالتعلم ومتناسبة مع إمكانات المدرسة، لكن الإشكالية تكون عندما يتحول النشاط من مجرد وسيلة لتحقيق الهدف بحد ذاته إلى مظهر وتصوير أهم من التعلم والأثر، وعندما تكون معياراً للحكم على عطاء المعلم وتميزه.

نحنُ لا نريد معلماً منهَكاً ومستنزَفاً معنوياً ومادياً من أجل أن يثبت تميزه بكثرة ما يصنع من مظاهر، بقدر ما نحتاج إلى معلم حقيقي يمتلك وقتا وطاقة ليبذل جهده إلى ملاحظة طلابه واحتوائهم واكتشاف مواهبهم وصقلها وصناعة أثر تقاومه ذاكرة النسيان! ونجاح المدرسة لا يقاس بكثرة الفعاليات التي أقيمت ولا بعدد الصور التي نُشرت، إنما بما تعلمه الطالب واكتسبه من مهارات وقيم ومبادئ تنغرس في نفسه وتبقى معه بصمة بعد أن تُغلق أبواب المدرسة.

رسالة إلى كل معلم ومعلمة:

أنت قائد قبل أن تكون معلماً يقف أمام سبورة يشرح لطلابه، ونعمة عظيمة لا تصنع درساً فحسب، بل كل يوم تصنع إنساناً وقد لا تدرك حجم ما صنعت في لحظتها، لكن مشاهد الحياة ستُثبت لك مع مرور السنوات، قد لا يرى أحد ما تبذله خلف جدران الفصول، لكن الله يرى وهذا يكفي، فماذا تريد أجمل من أن تكون لك مكانة عند رب العباد قبل الناس، وأن يكون علم علمته وقيمة غرستها ومعرفة نشرتها يمتد أجرها وأثرها من بعدك..

شكراً لكل معلم ومعلمة وبدونكم لا تكتمل العملية التعليمة بشيء، فأنت مُربٍّ قبل أن تكون معلماً وناقلاً للمعرفة، ارفع رأسك، فمكانتك لا تختصرها سبورة ولا حصة ولا فصل دراسي، أنت تصنع إنساناً آخر يصنع مستقبل وطن بأكمله، قال تعالى: ((مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [ النحل: 96]

يزول كل ما نملكه، ويبقى ما نتركه من أثر، يعيش في القلوب لا في الأيام، يا رب حسن البقاء، وحسن الرحيل، وحسن الأثر..

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية