رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد الوساطة في السياسة الخارجية لدولة قطر مجرد أداة للتعامل مع أزمات طارئة، بل أصبحت مع مرور الوقت أحد المسارات التي تميز حضورها الدبلوماسي، وقد امتد هذا المسار بصورة واضحة إلى إفريقيا، حيث شاركت الدوحة في معالجة نزاعات داخلية، وخلافات بين دول، وأزمات حدودية، ومسارات للمصالحة والحوار الوطني، وتظهر خريطة الوساطة المنشورة من وزارة الخارجية القطرية أن هذا الحضور يمتد من دارفور والسودان وتشاد إلى جيبوتي وإريتريا وليبيا والصومال وكينيا، ثم إلى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بما يكشف عن تراكم تدريجي للخبرة والعلاقات وقنوات الاتصال.
وتتمثل أهمية التجربة القطرية في إفريقيا في أنها لا تقوم على نموذج واحد للوساطة، ففي بعض الحالات كان الهدف وقف إطلاق النار، وفي حالات أخرى إعادة العلاقات بين دولتين، بينما تطلبت ملفات أخرى حوارًا سياسيًا أوسع ومشاركة أطراف متعددة، أما التطور الأحدث في شرق الكونغو الديمقراطية فيوضح انتقال الوساطة من مرحلة جمع الأطراف واستضافة المفاوضات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بمتابعة التنفيذ والتحقق وبناء الثقة، ومن هنا فإن فهم التجربة القطرية لا يستند إلى عدد الاتفاقات وحده، وإنما إلى كيفية تراكم هذه التجارب وتحولها إلى رصيد من الثقة والقدرة على التواصل والاستمرارية.
يشكل ملف دارفور نقطة مركزية في المسار الإفريقي للوساطة القطرية، ففي سبتمبر 2008 كُلّفت قطر بالمساهمة في جهود السلام الخاصة بالإقليم، ثم تحولت الدوحة إلى منصة رئيسية للمفاوضات، واستمر المسار لأكثر من عامين من المفاوضات والحوار والمشاورات مع الأطراف الرئيسية وأصحاب المصلحة والشركاء الدوليين، قبل الوصول إلى وثيقة الدوحة للسلام في دارفور سنة 2011، وهي وثيقة تناولت جذور النزاع ونتائجه، بما في ذلك تقاسم السلطة والثروة، وحقوق الإنسان، والعدالة والمصالحة، والتعويض والعودة، والحوار الداخلي.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها كشفت مبكرًا عن عناصر ستصبح لاحقًا جزءًا من أسلوب قطر في الوساطة، وفي مقدمتها الصبر السياسي، واستمرار الاتصال بالأطراف، وإتاحة مساحة للحوار، وعدم التعامل مع الاتفاق باعتباره نهاية المسار، وقد رحب الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بالدور الإيجابي الذي قامت به قطر في دعم الوساطة المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، كما اعتبر مجلس الأمن نتائج مؤتمر أصحاب المصلحة في دارفور خطوة مهمة نحو سلام شامل، وهو ما منح التجربة القطرية شرعية دولية مهمة في مرحلة مبكرة.
ومن ثم، لم تكن دارفور مجرد ملف منفرد في السياسة الخارجية القطرية، بل شكلت مدرسة عملية للوساطة في بيئة إفريقية شديدة التعقيد، إذ واجهت العملية تعدد الحركات المسلحة، وتشابك القضايا المحلية والإقليمية، والحاجة إلى الجمع بين الأطراف السياسية والاجتماعية، ولذلك ساعدت التجربة على بناء خبرة يمكن نقلها إلى ملفات أخرى.
* تطور الدور القطري من دارفور إلى المستوى الإقليمي مع الوساطة بين السودان وتشاد، حيث تشير وزارة الخارجية القطرية إلى بدء المسار سنة 2009 والتوصل إلى اتفاق وقع سنة 2010، وكانت أهمية هذه الوساطة تتجاوز العلاقة الثنائية، لأن استقرار الحدود بين البلدين كان مرتبطًا بصورة مباشرة بالوضع الأمني في دارفور وبالتفاعلات السياسية والأمنية في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.
وبذلك بدأت قطر تتعامل مع النزاع الإفريقي ليس باعتباره حدثًا منعزلًا داخل دولة واحدة، وإنما باعتباره شبكة من العلاقات والمصالح والتفاعلات العابرة للحدود، وهو تطور مهم في بناء مكانة الوسيط، لأن الوساطة الفعالة تحتاج إلى فهم البيئة الإقليمية المحيطة بالنزاع وليس فقط مواقف أطرافه المباشرة.
وفي تشاد، انتقلت الوساطة إلى مستوى أكثر تعقيدًا سنة 2022، عندما استضافت الدوحة مفاوضات بين السلطات الانتقالية التشادية والحركات السياسية والعسكرية، وانتهت المفاوضات إلى اتفاق الدوحة في أغسطس من العام نفسه، وقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أهمية الاتفاق، وإلى استضافة قطر للحوار التمهيدي الذي أفضى إليه، كما ارتبط الاتفاق بمشاركة الحركات الموقعة في الحوار الوطني الشامل والسيادي في تشاد.
وتكشف الحالة التشادية عن عنصر آخر في بناء الثقة، وهو قدرة الوسيط على توفير قناة حوار بين أطراف متباعدة سياسيًا وعسكريًا، ثم مساعدتها على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق المشاركة السياسية، ولذلك أصبحت التجربة التشادية امتدادًا طبيعيًا للخبرة التي تراكمت في دارفور، مع اختلاف البيئة السياسية وطبيعة الأطراف.
جيبوتي وإريتريا.. اختبار الوساطة بين الدول
تمثل جيبوتي وإريتريا حالة مختلفة لأنها تتعلق بنزاع بين دولتين، وقد توسطت قطر في اتفاق لوقف إطلاق النار بين البلدين سنة 2010، ثم في اتفاق آخر سنة 2011، وتحدد وزارة الخارجية القطرية المستفيدين من هذا المسار بأنهم حكومتا وشعبا جيبوتي وإريتريا، بما يعكس البعد السياسي والإنساني للوساطة.
وتبرز هذه الحالة أهمية القدرة على العمل بين حكومات ذات حسابات سيادية وأمنية مختلفة، كما أن استمرار الوساطة وعدم اختزالها في لحظة توقيع الاتفاق عززا صورة الدوحة باعتبارها طرفًا قادرًا على مواصلة التواصل عندما تكون القضايا الحدودية والأمنية حساسة، وفي 2016 توسطت قطر كذلك في الإفراج عن أربعة أسرى حرب من جيبوتي كانوا محتجزين في إريتريا، وهو ما يوضح انتقال الوساطة من معالجة الخلاف السياسي العام إلى معالجة بعض آثاره الإنسانية المباشرة.
وتبرز أهمية هذه التجربة أيضًا في كونها قدمت نموذجًا للوساطة في القرن الإفريقي، وهي منطقة تتميز بتداخل الحدود والنزاعات والسياسات الإقليمية.
* في ليبيا، اتخذت الوساطة القطرية مسارًا مختلفًا، إذ توسطت الدوحة سنة 2015 بين قبائل التبو والطوارق، وانتهت العملية إلى اتفاق للمصالحة، ثم شاركت قطر في جهود الدبلوماسية الوقائية وخفض التصعيد في ليبيا خلال 2022، وتكشف هذه الحالة عن مرونة النموذج القطري، إذ لم يقتصر على النزاعات بين الحكومات أو الحركات السياسية الكبرى، وإنما امتد إلى صراعات ذات أبعاد محلية ومجتمعية.
وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في تراكم الخبرة القطرية، وهي القدرة على التعامل مع مستويات مختلفة من النزاع، فالمصالحة المحلية تحتاج إلى أدوات مختلفة عن التفاوض بين دولتين، بينما يتطلب وقف التصعيد بين أطراف سياسية داخل دولة واحدة مقاربة أخرى، وهذا التنوع ساعد على توسيع شبكة العلاقات والخبرات التي تستند إليها الدوحة في الملفات اللاحقة.
* في مايو 2021 توسطت قطر بين الصومال وكينيا بهدف استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كما ارتبط المسار بالتوصل إلى تفاهم بشأن الحدود، وتصف وزارة الخارجية القطرية المستفيدين من هذه الوساطة بأنهم الصومال وكينيا والشعوب المتضررة من الصراع في المناطق الحدودية، وهو توصيف مهم لأنه يربط التسوية السياسية بين الحكومتين بالآثار التي يتحملها السكان في المناطق المتأثرة بالنزاع.
وتكشف هذه الحالة عن انتقال مفهوم الوساطة من معالجة الخلاف السياسي المباشر إلى محاولة معالجة بيئة النزاع وآثاره على المجتمعات، فإعادة العلاقات بين دولتين يمكن أن تفتح المجال أمام معالجة الملفات الحدودية والأمنية بصورة أكثر هدوءًا، كما يمكن أن تساهم في تخفيف الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات الحدودية.
وهذا المسار يتفق مع ما أعلنته وزارة الخارجية القطرية عن مبادئ الوساطة، وفي مقدمتها موافقة الأطراف، والحياد، والاستمرارية، والسرية، والاستقلالية، والشفافية، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وهي مبادئ تمنح الوساطة إطارًا يتجاوز مجرد استضافة الاجتماعات إلى بناء بيئة تفاوضية تستطيع الأطراف العودة إليها عند تجدد الأزمات.
* يمثل شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أحدث وأبرز اختبار للوساطة القطرية في إفريقيا، ففي يوليو 2025 استضافت الدوحة توقيع إعلان مبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة 23 مارس، ثم تطور المسار إلى إطار الدوحة للسلام في نوفمبر 2025، وتضمن الإطار قضايا خفض التصعيد، وحماية المدنيين، وبناء الثقة، وتهيئة ظروف عودة النازحين، والمصالحة الوطنية، إضافة إلى بروتوكولات تتعلق بوقف إطلاق النار وفك الارتباط العسكري والوصول الإنساني وإعادة الإدماج والحوار الوطني.
لكن الأهم في هذه التجربة هو أن الدور القطري لم يتوقف عند توقيع الوثائق، ففي أبريل 2026 شاركت قطر في متابعة تنفيذ إطار الدوحة، بما شمل ملفات الوصول الإنساني والحماية القضائية وآلية مراقبة والتحقق من وقف إطلاق النار، ثم شاركت في يوليو وأغسطس في آليات التنسيق والمتابعة المرتبطة بعملية السلام، بالتعاون مع الولايات المتحدة وتوغو بوصفها وسيط الاتحاد الإفريقي ومفوضية الاتحاد الإفريقي وسويسرا.
وفي أغسطس 2026 رحبت قطر بالإفراج عن 15 شخصًا محتجزًا في إطار عملية السلام، واعتبرت الخطوة عاملًا مهمًا لتعزيز الثقة بين الأطراف وتهيئة الظروف أمام استمرار المسار السياسي، وهو مثال واضح على انتقال الوساطة من مرحلة التفاوض إلى متابعة إجراءات عملية يمكن أن تؤثر في مستوى الثقة بين الخصوم.
وتكشف هذه المرحلة عن تحول نوعي في التجربة القطرية، فالوسيط لم يعد مجرد جهة توفر مكانًا للتفاوض، وإنما أصبح جزءًا من شبكة متابعة وتنسيق تضم أطرافًا إفريقية ودولية، وتتعامل مع ملفات أمنية وإنسانية وسياسية متداخلة، وهو ما يفسر لماذا أصبحت تجربة الكونغو الديمقراطية اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النموذج القطري.
لماذا أصبحت قطر وسيطًا موثوقًا؟ يمكن تفسير تراكم المكانة القطرية في إفريقيا من خلال مجموعة مترابطة من العوامل، أولها الاستمرارية، فالوساطة القطرية لا تقوم فقط على التدخل في لحظة الأزمة، وإنما على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومواصلة العمل عندما تتعثر المفاوضات، وهو ما تؤكده الدبلوماسية القطرية باعتبار أن عمليات السلام نادرًا ما تسير في خط مستقيم، وأن التقدم المستدام يحتاج إلى الصبر والاستمرار.
وثانيها القدرة على التواصل مع أطراف متعددة، فقد تعاملت قطر مع حكومات، وحركات سياسية وعسكرية، ومكونات قبلية ومجتمعية، وشركاء إقليميين ودوليين، وهو ما منحها خبرة في إدارة حوارات ذات طبيعة مختلفة.
وثالثها العمل ضمن أطر متعددة الأطراف، فالتجربة في دارفور ارتبطت بالوساطة الإفريقية والأممية، بينما يجري مسار الكونغو الديمقراطية بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة وتوغو وشركاء آخرين، وهو ما يوضح أن الوساطة القطرية لا تعمل بالضرورة بمعزل عن المؤسسات الإقليمية والدولية، بل يمكن أن تتكامل معها عندما تتقاطع الأدوار والأهداف.
أما العامل الرابع فهو الانتقال من استضافة الحوار إلى متابعة نتائجه، وهو ما يظهر بصورة خاصة في الكونغو الديمقراطية، حيث أصبحت آليات المراقبة والتحقق والمتابعة جزءًا من المسار، وهذا النوع من الاستمرارية يعزز الثقة في قدرة الوسيط على مرافقة عملية السلام بعد لحظة الإعلان السياسي.
** من دارفور إلى الكونغو الديمقراطية، لا تكمن أهمية التجربة القطرية في كثرة الملفات التي دخلتها الدوحة فحسب، وإنما في تطور طبيعة الدور نفسه، فقد بدأت التجربة الإفريقية بصورة بارزة مع دارفور، ثم توسعت إلى السودان وتشاد، واختبرت الوساطة بين الدول في حالة جيبوتي وإريتريا، وامتدت إلى المصالحات المحلية في ليبيا، وإعادة العلاقات والتعامل مع الخلافات الحدودية بين الصومال وكينيا، قبل أن تصل إلى مسار شرق الكونغو الديمقراطية الذي يجمع بين التفاوض السياسي، وخفض التصعيد، وحماية المدنيين، وآليات المتابعة والتحقق.
وبهذا المعنى، فإن المكانة التي رسختها قطر كوسيط في إفريقيا لم تُبنَ على اتفاق واحد أو أزمة واحدة، وإنما على تراكم الخبرة، واستمرارية الاتصال، والقدرة على جمع الخصوم، والمرونة في التعامل مع أنواع مختلفة من النزاعات، والعمل بالتنسيق مع المؤسسات الإفريقية والدولية، ومتابعة مسارات السلام بعد توقيع الاتفاقات، وهي عناصر تفسر انتقال الدوحة من مجرد منصة للحوار إلى فاعل دبلوماسي يمتلك خبرة متراكمة في إدارة الأزمات الإفريقية.
وفي ضوء استمرار عملية السلام في شرق الكونغو الديمقراطية خلال 2026، يبدو أن الاختبار الحقيقي للوساطة القطرية لم يعد في قدرتها على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، وإنما في قدرتها على الحفاظ على الحوار وتحويل الاتفاقات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل الكونغو الديمقراطية امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ في دارفور قبل نحو عقدين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43479
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7122
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5379
| 13 سبتمبر 2026