رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بودومي مصطفى

- صحفي وباحث جزائري في العلاقات الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

390

بودومي مصطفى

من دارفور إلى الكونغو الديمقراطية.. كيف رسخت قطر مكانتها وسيطاً موثوقاً

08 سبتمبر 2026 , 02:00ص

لم تعد الوساطة في السياسة الخارجية لدولة قطر مجرد أداة للتعامل مع أزمات طارئة، بل أصبحت مع مرور الوقت أحد المسارات التي تميز حضورها الدبلوماسي، وقد امتد هذا المسار بصورة واضحة إلى إفريقيا، حيث شاركت الدوحة في معالجة نزاعات داخلية، وخلافات بين دول، وأزمات حدودية، ومسارات للمصالحة والحوار الوطني، وتظهر خريطة الوساطة المنشورة من وزارة الخارجية القطرية أن هذا الحضور يمتد من دارفور والسودان وتشاد إلى جيبوتي وإريتريا وليبيا والصومال وكينيا، ثم إلى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بما يكشف عن تراكم تدريجي للخبرة والعلاقات وقنوات الاتصال.

وتتمثل أهمية التجربة القطرية في إفريقيا في أنها لا تقوم على نموذج واحد للوساطة، ففي بعض الحالات كان الهدف وقف إطلاق النار، وفي حالات أخرى إعادة العلاقات بين دولتين، بينما تطلبت ملفات أخرى حوارًا سياسيًا أوسع ومشاركة أطراف متعددة، أما التطور الأحدث في شرق الكونغو الديمقراطية فيوضح انتقال الوساطة من مرحلة جمع الأطراف واستضافة المفاوضات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بمتابعة التنفيذ والتحقق وبناء الثقة، ومن هنا فإن فهم التجربة القطرية لا يستند إلى عدد الاتفاقات وحده، وإنما إلى كيفية تراكم هذه التجارب وتحولها إلى رصيد من الثقة والقدرة على التواصل والاستمرارية.

يشكل ملف دارفور نقطة مركزية في المسار الإفريقي للوساطة القطرية، ففي سبتمبر 2008 كُلّفت قطر بالمساهمة في جهود السلام الخاصة بالإقليم، ثم تحولت الدوحة إلى منصة رئيسية للمفاوضات، واستمر المسار لأكثر من عامين من المفاوضات والحوار والمشاورات مع الأطراف الرئيسية وأصحاب المصلحة والشركاء الدوليين، قبل الوصول إلى وثيقة الدوحة للسلام في دارفور سنة 2011، وهي وثيقة تناولت جذور النزاع ونتائجه، بما في ذلك تقاسم السلطة والثروة، وحقوق الإنسان، والعدالة والمصالحة، والتعويض والعودة، والحوار الداخلي.

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها كشفت مبكرًا عن عناصر ستصبح لاحقًا جزءًا من أسلوب قطر في الوساطة، وفي مقدمتها الصبر السياسي، واستمرار الاتصال بالأطراف، وإتاحة مساحة للحوار، وعدم التعامل مع الاتفاق باعتباره نهاية المسار، وقد رحب الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بالدور الإيجابي الذي قامت به قطر في دعم الوساطة المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، كما اعتبر مجلس الأمن نتائج مؤتمر أصحاب المصلحة في دارفور خطوة مهمة نحو سلام شامل، وهو ما منح التجربة القطرية شرعية دولية مهمة في مرحلة مبكرة.

ومن ثم، لم تكن دارفور مجرد ملف منفرد في السياسة الخارجية القطرية، بل شكلت مدرسة عملية للوساطة في بيئة إفريقية شديدة التعقيد، إذ واجهت العملية تعدد الحركات المسلحة، وتشابك القضايا المحلية والإقليمية، والحاجة إلى الجمع بين الأطراف السياسية والاجتماعية، ولذلك ساعدت التجربة على بناء خبرة يمكن نقلها إلى ملفات أخرى.

* تطور الدور القطري من دارفور إلى المستوى الإقليمي مع الوساطة بين السودان وتشاد، حيث تشير وزارة الخارجية القطرية إلى بدء المسار سنة 2009 والتوصل إلى اتفاق وقع سنة 2010، وكانت أهمية هذه الوساطة تتجاوز العلاقة الثنائية، لأن استقرار الحدود بين البلدين كان مرتبطًا بصورة مباشرة بالوضع الأمني في دارفور وبالتفاعلات السياسية والأمنية في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.

وبذلك بدأت قطر تتعامل مع النزاع الإفريقي ليس باعتباره حدثًا منعزلًا داخل دولة واحدة، وإنما باعتباره شبكة من العلاقات والمصالح والتفاعلات العابرة للحدود، وهو تطور مهم في بناء مكانة الوسيط، لأن الوساطة الفعالة تحتاج إلى فهم البيئة الإقليمية المحيطة بالنزاع وليس فقط مواقف أطرافه المباشرة.

وفي تشاد، انتقلت الوساطة إلى مستوى أكثر تعقيدًا سنة 2022، عندما استضافت الدوحة مفاوضات بين السلطات الانتقالية التشادية والحركات السياسية والعسكرية، وانتهت المفاوضات إلى اتفاق الدوحة في أغسطس من العام نفسه، وقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أهمية الاتفاق، وإلى استضافة قطر للحوار التمهيدي الذي أفضى إليه، كما ارتبط الاتفاق بمشاركة الحركات الموقعة في الحوار الوطني الشامل والسيادي في تشاد.

وتكشف الحالة التشادية عن عنصر آخر في بناء الثقة، وهو قدرة الوسيط على توفير قناة حوار بين أطراف متباعدة سياسيًا وعسكريًا، ثم مساعدتها على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق المشاركة السياسية، ولذلك أصبحت التجربة التشادية امتدادًا طبيعيًا للخبرة التي تراكمت في دارفور، مع اختلاف البيئة السياسية وطبيعة الأطراف.

جيبوتي وإريتريا.. اختبار الوساطة بين الدول

تمثل جيبوتي وإريتريا حالة مختلفة لأنها تتعلق بنزاع بين دولتين، وقد توسطت قطر في اتفاق لوقف إطلاق النار بين البلدين سنة 2010، ثم في اتفاق آخر سنة 2011، وتحدد وزارة الخارجية القطرية المستفيدين من هذا المسار بأنهم حكومتا وشعبا جيبوتي وإريتريا، بما يعكس البعد السياسي والإنساني للوساطة.

وتبرز هذه الحالة أهمية القدرة على العمل بين حكومات ذات حسابات سيادية وأمنية مختلفة، كما أن استمرار الوساطة وعدم اختزالها في لحظة توقيع الاتفاق عززا صورة الدوحة باعتبارها طرفًا قادرًا على مواصلة التواصل عندما تكون القضايا الحدودية والأمنية حساسة، وفي 2016 توسطت قطر كذلك في الإفراج عن أربعة أسرى حرب من جيبوتي كانوا محتجزين في إريتريا، وهو ما يوضح انتقال الوساطة من معالجة الخلاف السياسي العام إلى معالجة بعض آثاره الإنسانية المباشرة.

وتبرز أهمية هذه التجربة أيضًا في كونها قدمت نموذجًا للوساطة في القرن الإفريقي، وهي منطقة تتميز بتداخل الحدود والنزاعات والسياسات الإقليمية.

* في ليبيا، اتخذت الوساطة القطرية مسارًا مختلفًا، إذ توسطت الدوحة سنة 2015 بين قبائل التبو والطوارق، وانتهت العملية إلى اتفاق للمصالحة، ثم شاركت قطر في جهود الدبلوماسية الوقائية وخفض التصعيد في ليبيا خلال 2022، وتكشف هذه الحالة عن مرونة النموذج القطري، إذ لم يقتصر على النزاعات بين الحكومات أو الحركات السياسية الكبرى، وإنما امتد إلى صراعات ذات أبعاد محلية ومجتمعية.

وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في تراكم الخبرة القطرية، وهي القدرة على التعامل مع مستويات مختلفة من النزاع، فالمصالحة المحلية تحتاج إلى أدوات مختلفة عن التفاوض بين دولتين، بينما يتطلب وقف التصعيد بين أطراف سياسية داخل دولة واحدة مقاربة أخرى، وهذا التنوع ساعد على توسيع شبكة العلاقات والخبرات التي تستند إليها الدوحة في الملفات اللاحقة.

* في مايو 2021 توسطت قطر بين الصومال وكينيا بهدف استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كما ارتبط المسار بالتوصل إلى تفاهم بشأن الحدود، وتصف وزارة الخارجية القطرية المستفيدين من هذه الوساطة بأنهم الصومال وكينيا والشعوب المتضررة من الصراع في المناطق الحدودية، وهو توصيف مهم لأنه يربط التسوية السياسية بين الحكومتين بالآثار التي يتحملها السكان في المناطق المتأثرة بالنزاع.

وتكشف هذه الحالة عن انتقال مفهوم الوساطة من معالجة الخلاف السياسي المباشر إلى محاولة معالجة بيئة النزاع وآثاره على المجتمعات، فإعادة العلاقات بين دولتين يمكن أن تفتح المجال أمام معالجة الملفات الحدودية والأمنية بصورة أكثر هدوءًا، كما يمكن أن تساهم في تخفيف الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات الحدودية.

وهذا المسار يتفق مع ما أعلنته وزارة الخارجية القطرية عن مبادئ الوساطة، وفي مقدمتها موافقة الأطراف، والحياد، والاستمرارية، والسرية، والاستقلالية، والشفافية، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وهي مبادئ تمنح الوساطة إطارًا يتجاوز مجرد استضافة الاجتماعات إلى بناء بيئة تفاوضية تستطيع الأطراف العودة إليها عند تجدد الأزمات.

* يمثل شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أحدث وأبرز اختبار للوساطة القطرية في إفريقيا، ففي يوليو 2025 استضافت الدوحة توقيع إعلان مبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة 23 مارس، ثم تطور المسار إلى إطار الدوحة للسلام في نوفمبر 2025، وتضمن الإطار قضايا خفض التصعيد، وحماية المدنيين، وبناء الثقة، وتهيئة ظروف عودة النازحين، والمصالحة الوطنية، إضافة إلى بروتوكولات تتعلق بوقف إطلاق النار وفك الارتباط العسكري والوصول الإنساني وإعادة الإدماج والحوار الوطني.

لكن الأهم في هذه التجربة هو أن الدور القطري لم يتوقف عند توقيع الوثائق، ففي أبريل 2026 شاركت قطر في متابعة تنفيذ إطار الدوحة، بما شمل ملفات الوصول الإنساني والحماية القضائية وآلية مراقبة والتحقق من وقف إطلاق النار، ثم شاركت في يوليو وأغسطس في آليات التنسيق والمتابعة المرتبطة بعملية السلام، بالتعاون مع الولايات المتحدة وتوغو بوصفها وسيط الاتحاد الإفريقي ومفوضية الاتحاد الإفريقي وسويسرا.

وفي أغسطس 2026 رحبت قطر بالإفراج عن 15 شخصًا محتجزًا في إطار عملية السلام، واعتبرت الخطوة عاملًا مهمًا لتعزيز الثقة بين الأطراف وتهيئة الظروف أمام استمرار المسار السياسي، وهو مثال واضح على انتقال الوساطة من مرحلة التفاوض إلى متابعة إجراءات عملية يمكن أن تؤثر في مستوى الثقة بين الخصوم.

وتكشف هذه المرحلة عن تحول نوعي في التجربة القطرية، فالوسيط لم يعد مجرد جهة توفر مكانًا للتفاوض، وإنما أصبح جزءًا من شبكة متابعة وتنسيق تضم أطرافًا إفريقية ودولية، وتتعامل مع ملفات أمنية وإنسانية وسياسية متداخلة، وهو ما يفسر لماذا أصبحت تجربة الكونغو الديمقراطية اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النموذج القطري.

لماذا أصبحت قطر وسيطًا موثوقًا؟ يمكن تفسير تراكم المكانة القطرية في إفريقيا من خلال مجموعة مترابطة من العوامل، أولها الاستمرارية، فالوساطة القطرية لا تقوم فقط على التدخل في لحظة الأزمة، وإنما على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومواصلة العمل عندما تتعثر المفاوضات، وهو ما تؤكده الدبلوماسية القطرية باعتبار أن عمليات السلام نادرًا ما تسير في خط مستقيم، وأن التقدم المستدام يحتاج إلى الصبر والاستمرار.

وثانيها القدرة على التواصل مع أطراف متعددة، فقد تعاملت قطر مع حكومات، وحركات سياسية وعسكرية، ومكونات قبلية ومجتمعية، وشركاء إقليميين ودوليين، وهو ما منحها خبرة في إدارة حوارات ذات طبيعة مختلفة.

وثالثها العمل ضمن أطر متعددة الأطراف، فالتجربة في دارفور ارتبطت بالوساطة الإفريقية والأممية، بينما يجري مسار الكونغو الديمقراطية بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة وتوغو وشركاء آخرين، وهو ما يوضح أن الوساطة القطرية لا تعمل بالضرورة بمعزل عن المؤسسات الإقليمية والدولية، بل يمكن أن تتكامل معها عندما تتقاطع الأدوار والأهداف.

أما العامل الرابع فهو الانتقال من استضافة الحوار إلى متابعة نتائجه، وهو ما يظهر بصورة خاصة في الكونغو الديمقراطية، حيث أصبحت آليات المراقبة والتحقق والمتابعة جزءًا من المسار، وهذا النوع من الاستمرارية يعزز الثقة في قدرة الوسيط على مرافقة عملية السلام بعد لحظة الإعلان السياسي.

** من دارفور إلى الكونغو الديمقراطية، لا تكمن أهمية التجربة القطرية في كثرة الملفات التي دخلتها الدوحة فحسب، وإنما في تطور طبيعة الدور نفسه، فقد بدأت التجربة الإفريقية بصورة بارزة مع دارفور، ثم توسعت إلى السودان وتشاد، واختبرت الوساطة بين الدول في حالة جيبوتي وإريتريا، وامتدت إلى المصالحات المحلية في ليبيا، وإعادة العلاقات والتعامل مع الخلافات الحدودية بين الصومال وكينيا، قبل أن تصل إلى مسار شرق الكونغو الديمقراطية الذي يجمع بين التفاوض السياسي، وخفض التصعيد، وحماية المدنيين، وآليات المتابعة والتحقق.

وبهذا المعنى، فإن المكانة التي رسختها قطر كوسيط في إفريقيا لم تُبنَ على اتفاق واحد أو أزمة واحدة، وإنما على تراكم الخبرة، واستمرارية الاتصال، والقدرة على جمع الخصوم، والمرونة في التعامل مع أنواع مختلفة من النزاعات، والعمل بالتنسيق مع المؤسسات الإفريقية والدولية، ومتابعة مسارات السلام بعد توقيع الاتفاقات، وهي عناصر تفسر انتقال الدوحة من مجرد منصة للحوار إلى فاعل دبلوماسي يمتلك خبرة متراكمة في إدارة الأزمات الإفريقية.

وفي ضوء استمرار عملية السلام في شرق الكونغو الديمقراطية خلال 2026، يبدو أن الاختبار الحقيقي للوساطة القطرية لم يعد في قدرتها على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، وإنما في قدرتها على الحفاظ على الحوار وتحويل الاتفاقات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل الكونغو الديمقراطية امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ في دارفور قبل نحو عقدين.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية