رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشهد الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة في ظل بروز أنماط جديدة للتجارة والاستثمار وتدفقات رؤوس الأموال، ويُعد تنامي الروابط بين منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) من أبرز ملامح هذه التحولات.
وتمثل رابطة دول الآسيان محورًا استراتيجيًا مهمًا لمجموعة QNB ضمن طموحاتنا الأوسع لتحقيق النمو على الصعيد الدولي، حيث تضم هذه المنطقة مجموعة من الأسواق سريعة النمو، التي تشهد طلبًا استهلاكيًا متزايدًا، وتوسعًا في القدرات التصنيعية، واحتياجات كبيرة في مجال البنية التحتية. ومع تنامي الروابط الاقتصادية بين آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، تقوم مجموعة QNB بدورٍ بارز في ربط الشركات والمستثمرين في المنطقتين، والمساهمة في تيسير تدفقات التجارة والاستثمار بينهما.
وقد استقطبت رابطة الآسيان مستويات قياسية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بقيمة بلغت 243.9 مليار دولار أمريكي في عام 2025، بزيادة قدرها 9.7%، متجاوزةً بذلك معدلات نمو الاستثمار الأجنبي المباشر على مستوى العالم والمعدلات المسجلة في الاقتصادات النامية. ويُعد مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالفعل سابع أكبر شريك تجاري لرابطة الآسيان، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين 130.7 مليار دولار أمريكي، كما تدرس المنطقتان إمكانية إبرام اتفاقية للتجارة الحرة. وقد وضع مجلس التعاون الخليجي هدفًا طموحًا يتمثل في زيادة حجم التبادل التجاري مع رابطة الآسيان ليصل إلى 180 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2032. وفي الوقت نفسه، أُلغيت معظم الرسوم الجمركية على المنتجات المتداولة بين دول الرابطة بموجب اتفاقية الآسيان لتجارة السلع، وهو ما يعزز التكامل الإقليمي بشكل أعمق.
وتعكس هذه الأرقام حجم الفرصة المتاحة؛ ومع ذلك، فإنني أرى أن المرحلة المقبلة من النمو في العلاقات بين منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا ورابطة الآسيان لن تتحدد بمجرد زيادة حجم التبادل التجاري، بل ستعتمد على مدى قدرة الشركات على الاستفادة من تنامي الترابط بين المنطقتين وتحويله إلى فرص تجارية فعلية، وقدرة المؤسسات المالية على توفير رأس المال والبنية التحتية والخبرات المحلية اللازمة لتحقيق ذلك.
ممر يرتكز على تكامل نقاط القوة
تتمتع كل من منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا ورابطة الآسيان بمزايا متكاملة تدعم هذا الممر الاقتصادي الواعد. وتتميز منطقة رابطة الآسيان بقدرات تصنيعية واسعة، وأسواق استهلاكية ضخمة، وقطاعات تكنولوجية سريعة التطور، فيما تمتلك منطقة الشرق الأوسط قاعدة قوية من رؤوس الأموال، وبنية تحتية لوجستية متنامية، فضلاً عن سهولة الوصول إلى الأسواق في جميع أنحاء إفريقيا وأوروبا.
ومع ذلك، فإن الطموح وحده لا يكفي؛ إذ يتعين على الشركات العاملة عبر هذا الممر الاقتصادي الحيوي التعامل مع أطر تنظيمية وعملات وممارسات سوقية متباينة. كما يجب عليها اتخاذ قرارات بشأن مواقع تأسيس عملياتها، وهيكلة سلاسل التوريد، وأماكن الاحتفاظ بالسيولة، وآليات إدارة المخاطر المالية العابرة للحدود.
وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية التي توفرها شبكات الخدمات المصرفية الدولية؛ إذ يتعين على البنوك أن تتجاوز دورها في تمويل المعاملات الفردية، وأن تسعى بدلاً من ذلك إلى فهم الأهداف التجارية الأوسع لعملائها وربط تلك الأهداف بالأسواق والخبرات والبنية التحتية المالية الملائمة.
وفي مجموعة QNB، يتمثل دورنا في مساعدة عملائنا على تحويل طموحاتهم الإقليمية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ. ويعني ذلك العمل معهم منذ المراحل المبكرة لعملية اتخاذ القرار، ومواصلة دعمهم أثناء تأسيسهم لأعمالهم، وإدارة السيولة، وتمويل التجارة، وتوفير رؤوس الأموال اللازمة لدعم مسيرة نموهم في المستقبل.
تحويل الروابط إلى قيمة تجارية
يظل التمويل التجاري عاملاً بالغ الأهمية في تطوير الممر الاقتصادي بين منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا ورابطة الآسيان. وتشير تقديرات بنك التنمية الآسيوي إلى أن الفجوة العالمية في التمويل التجاري بلغت 2.5 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، وهو ما يحد من قدرة العديد من الشركات على تلبية الطلبات، وتوسيع علاقاتها مع الموردين، أو دخول أسواق جديدة.
ومن خلال تعاوننا الوثيق مع العملاء، نلمس بالفعل كيف تُترجم أنماط التجارة والاستثمار المتغيرة إلى احتياجات تمويلية متنامية. ففي إندونيسيا، شارك QNB في تسهيل ائتماني مشترك بقيمة مليار دولار أمريكي لصالح أحد أكبر شركات الورق في العالم، فضلاً عن تقديم تمويل بقيمة 350 مليون دولار أمريكي في قطاع البتروكيماويات، بالإضافة إلى تسهيل ائتماني بقيمة 151.5 مليون دولار أمريكي لمجموعة شركات كبرى في جنوب شرق آسيا. وقد شهدت محفظة القروض الممنوحة للشركات نموًا بنسبة 17% خلال العام، مدعومةً بصفقات التمويل المشتركة والثنائية.
كما ستتطلب مسيرة التنمية المتواصلة في رابطة الآسيان استثمارات مستدامة في قطاعات النقل، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية الرقمية، والطاقة، والقدرات الصناعية؛ إذ تتسم هذه المشاريع بأنها تتطلب رؤوس أموال ضخمة، وتشمل أطرافًا متعددة، وغالبًا ما تمتد لعدة سنوات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9486
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3453
| 22 أكتوبر 2026