رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يضطرب الوضع الراهن في الكويت وتتوالى الأحداث المطالبة بإصلاحات سياسية، وهو أمر اعتادت عليه الكويت والكويتيون بل واعتدنا عليه نحن كذلك في بقية دول الخليج العربي لا "الفارسي طبعاً" كما يزعم الإيرانيون، حيث اعتدنا متابعة هذا التفاعل الحكومي والبرلماني والشعبي في الكويت الذي نراه نحن الخليجيين خطوة متقدمة على كل دول الخليج الأخرى التي لا توجد فيها برلمانات ولا تجمّعات ديمقراطية كمجلس الأمة كما عند الكويتيين ليتابعوا فيها حركة النهضة أو الفساد في بلادهم أولاً بأول، ليشجّعوا على الأولى "أي النهضة" وليقضوا على الثانية "أي الفساد" وما أدراك ما الفساد في الدول العربية بشكل عام والخليجية بلا استثناء.
وكم كنّا نود أن تتكرر التجربة الكويتية بل وأن تنجح في كل خطواتها السابقة والقادمة بإذن الله تعالى والطامحة إلى تعديل الكثير من الأخطاء أو العيوب أو الممارسات الخاطئة لكل من يسيء إلى الوطن من خلال إساءته لدين البلاد "الإسلام" أو إساءته لتطبيق شريعة الله من حدود وقصاص وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ونحوه أو الإساءة لرموز ومقدسات هذا الدين من أنبياء ورسل وأمهات مؤمنين وصحابة وتابعين وغيرهم من علماء ودعاة أو الإفساد في البلاد والعباد في مختلف النواحي وشتى المجالات.
غير أن الأوضاع الأخيرة في الكويت قد أشعرتنا بالقلق نحن المراقبين والمتابعين عن بعد "في المكان" وعن قرب "في القلوب والمشاعر" خاصة ونحن نطالع الأخبار ونستحضر صورة الثورات العربية مؤخراً وما حدث فيها من أحداث دموية نتجت بسبب تمسّك الحكام الطغاة بكراسيهم ومقاومتهم لأي مطالب شعبية تدعو إلى العدالة والحرية والإصلاح، فكانت النتيجة أن أريقت الدماء وأزهقت الأرواح واغتصبت النساء وهُتكت الأعراض لا بسبب قيام الناس بالمطالبة بحقوقهم "كما يزعم أنصار الظلمة من الذين يستشهدون بالآيات والأحاديث من أجل ترسيخ حكم الطغاة" وإنما بسبب طغيان أولئك الحكّام في البلاد وإكثارهم فيها بالفساد، الوضع في الكويت مختلف تماماً هذه المرّة عنه في دول الثورات العربية السابقة كما في تونس ومصر وليبيا واليمن وفي الشام التي لا يزال يدنّسها أعداء الله ورسوله من أتباع بشار الأسد والإيرانيين القتلة والمجرمين وأوليائهم من حزب الشيطان "اللبناني الإيراني" أو من جيش المهدي "العراقي الإيراني" وغيرهم.
الوضع في الكويت والحمد لله يختلف كثيراً، فمعدل الحرية مرتفع جداً عن غيره من الدول المحيطة وكذلك العدالة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي للناس بشكل عام، ولا نزعم بذلك أن الحرية مثالية هناك ولا العدالة كذلك بل الوضع في النهاية يؤول إلى ما تؤول إليه جميع الدول الخليجية في نظام الحكم المرتبط بالأسرة الحاكمة وهو كذلك يتناغم مع بقية دول الخليج التي تسري فيها المحسوبية والمصالح الشخصية لبعض الناس على المصلحة العامة لعموم الناس أو مصلحة الوطن، كما تجري فيها الطبقية بين المقرّبين من الحاكم أو الرئيس أو الأمير من أبنائه وأسرته وأفراد قبيلته وبين عموم الشعب الذي قد يتقاسم الحصة الأخرى من الثروات مما تبقى من حاصل طرح نصيب الحاكم والمقربين منه وحاصل طرح نصيب مشاريع التنمية التي تسير بخطى "سلحفائية" أو "حلزونية" أو متخبطة والتي لا تتوافق مع ما يحتويه جوف أرض الخليج من ثروات طبيعية كالبترول والغاز، فما تبقى من طرح ذلك الحاصل قد يصل جزء منه أو بعضه أو "رذاذ منه" أو "بُخار" إلى باقي شعوب المنطقة، فكل تلك المظاهر والعلامات تتشارك فيها دول الخليج بنسبة متفاوتة ولا تُنكرها واحدة منها مهما ادّعت أو أظهرت من الشفافية والصراحة إلا إذا أثبتت لشعوبها أنها عكس ذلك بالقول والعمل.
أعود لأقول بأن الذي أقلقنا في الوضع الكويتي هو مقاربته لتلك الصورة المؤلمة والموجعة التي شاهدناها في دول الثورات من اعتقال للمعارضين أو دهس وضرب للمتجمهرين من الناس أو المطالبين بالإصلاح، فبعض تلك المظاهر قد ظهر في أحداث الكويت ولكننا نتمنى ألا يتطور الأمر إلى أسوأ من ذلك، بل وندعو الله تعالى ألا تسال قطرة دم مسلم واحد في الكويت أو في غيرها من دول العالم العربي والإسلامي، فالمشكلة أكرر ليست في تلك المطالب أو المظاهرات أو المطالبات بالإصلاحات أو بالحريات أو العدالة وإنما في طريقة التعامل معها من أولئك الذين حكموا تلك البلاد وحملوا أمانة العدل فيها والحكم بما أنزله الله ونطق به رسوله صلى الله عليه وسلم.
وليس من نافلة القول أن نذكّر إخوتنا وأشقاءنا في الكويت ونذكّر أنفسنا جميعاً بالخطر الإيراني الذي نشكك كثيراً في نواياه وخبث مخططاته ومؤامراته وتحركاته في الخليج العربي، فليس بمستبعدٍ أبداً أن تسعى إيران إلى فرقة الصف الخليجي بين الدول الخليجية مجتمعة أو في الدول الخليجية منفردة، وليس بمستبعدٍ أبداً أن تحرّض بين الشعب الكويتي نفسه وغيره من شعوب الخليج حتى تقوم الفتنة بين الحكّام والعلماء والدعاة أو البدو والحضر أو بين قوات الأمن والإسلاميين أو الإسلاميين والليبراليين أو بين الأغنياء والفقراء، من أجل أن يصلوا لمبتغاهم فيتفرّق الناس لقتال بعضهم البعض حتى يتمكنوا شيئاً فشيئاً من الاستيلاء على الجزيرة العربية بأكملها كما صرّحوا بذلك في كثير من المناسبات، ومن المؤسف أن ننخدع بتلك الفتن التي قد تزرعها إيران أو أمريكا أو إسرائيل "لا فرق أبداً بينهم في المخططات" ومن المؤسف جداً أن ينخدع الحكّام بذلك فيظلموا شعوبهم أو يسلّطوا قوات الأمن على أبناء وطنهم أو على الدعاة والعلماء والمصلحين بالاعتقال أو السجن، فهؤلاء هم أبناء مخلصون لأوطانهم يريدون الخير والصلاح لها، لا كما يفعل المفسدون فيها من أهل الفن والفجور ممن يعينون أعداء الأمة على تخديرها كي لا تصحو من غفلتها لكي يتمكن الخونة من الوصول لغاياتهم وأهدافهم الخبيثة.
نسأل الله تعالى أن يديم نعمة الأمن والإيمان في قلوب أهل الخليج وفوق أراضيهم حتى ينعموا بالعدل والحرية والرخاء وأن يقيموا شرع الله كما أمر الله ورسوله، وأن يخذل أعداء الأمة والإسلام وأن يوحّد كلمتهم على الهدى والتقى وأن يوحّد صفوفهم في مواجهة كل من يريد سوءاً بالإسلام والمسلمين، وأن يسخّر شعوب الخليج لخدمة هذا الدين ونصرة هذا الدين مع غيرهم من أبناء المسلمين، والله خير الحافظين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4065
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3795
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1251
| 05 مايو 2026