رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المدونات القطرية تنمو وتنضج ويكثر متابعوها مع الأيام حراك جامد وتغيير بطئ في الصحف ووسائل الإعلام في قطر ضرورة إجراء تحولات في السياسات التحريرية والإدارية والتسويقية الإعلامية 37% من النساء ناشطات على مواقع الشبكات الاجتماعية
تغير الحال خلال الأشهر الماضية بشكل مغاير تماما.. صباحي يبدأ من لحظة النهوض من الفراش إلى الإمساك بجهاز التحكم بقنوات التلفزيون الريموت كنترول لمشاهدة المحطات الإخبارية الفضائية الأجنبية على الشاشة الفضية، والمحطات العربية على مواقع الانترنت لمتابعة ما تحمله من أخبار جديدة عن المظاهرات والاحتجاجات والأوضاع المستجدة في مختلف الدول العربية. بعدها أتصفح البريد الالكتروني ورسائله الجديدة، لأنتقل لقراء الصحف المحلية والعالمية على الانترنت، وأتابع بعدها المدونات الشخصية (Blogs) التي بدأت تنتشر كالورود اليانعة في حديقة الانترنت، ومنها المدونات القطرية وان كان عددها لا يزال محدودا، فهي تنمو وتترعرع وتنضج ويكثر متابعوها مع الأيام. وهي أصبحت عامل اهتمام واستقطاب، لان هناك العديد من المعلومات والأخبار والتقارير الصحفية والمقالات والآراء والأطروحات يتم نشرها وتناولها والتعليق عليها في المدونات ولا تستطيع الصحف ووسائل الإعلام المحلية التطرق إليها أو حتى الاقتراب منها.. من المدونات المميزة هناك مدونة د. حسن السيد، د. لولوة المسند، نورة آل سعد، عبدالعزيز الخاطر، نورة الخاطر، عبدالله العذبة، وحسن الأنصاري، ومدونة نحو مجلس تشريعي منتخب، وشباب قطر ضد التطبيع وغيرها. كما أن هناك نسبة كبيرة من القطريين يستخدمون موقع فيس بوك (Facebook) وموقع تويتر (Twitter). وحسب دراسة تناولت ظاهرة الإعلام الاجتماعي في العالم العربي الصادرة عن كلية دبي (2011)، حصلت قطر مع الدول الخليجية على المواقع الخمسة الأولى في العالم العربي فيما يخص مستخدمي الموقع الاجتماعي فيس بوك قياساً إلى عدد سكانها. الملاحظ أن نسبة البحرينيين مقارنة مع دول الخليج الذين يستخدمون موقع تويتر وصل إلى 80% خلال أيام معدودة، وذلك بعد الأحداث الأخيرة على الساحة البحرينية. واتجه عدد كبير من العمانيين إلى موقع (الفيس البوك) احتجاجا على تجاهل وسائل الإعلام المحلية تغطية التظاهرات في صحار. خبر طريف نشر في وسائل الإعلام عن تسمية مواطن مصري مولودته (فيس بوك)، التي ولدت بعد ثورة 25 يناير، امتنانا للدور الذي لعبه موقع "فيس بوك" في انتصار الثورة المصرية؟!
اريك ريموند في كتابه "الكنيسة والسوق"، يذكر أن مجتمع المدونات المفتوح عبارة عن "هدية ثقافية"، لأنه مجتمع تسوده ثقافة العطاء والمشاركة بدلاً من نظام الأوامر والسلم الوظيفي. كما أن هناك مدونين بدأوا عملهم الصحفي فقط عبر المدونات، ثم تألقوا بعد ذلك في مجال العمل الإعلامي. والكثير من المدونين يوضحون أن الهدف من مدوناتهم هو النقاش وبناء الشبكات الاجتماعية. موقع قنطرة الإعلامي يشير إلى أن المدونات العربية بدأت في الظهور بشكل تدريجي منذ سنة 2003، لكن عددها كان قليلاً، ولم تكن كلمة "مدونة" شائعة باللغة العربية. ورغم قلة عدد المدونين، إلا أن جودة المدونات كانت لافتة. وخلال السنة التالية بدأت ظاهرة التدوين في الانتشار وسط مستخدمي الإنترنت العرب، وبدأت الصحافة العربية تقارب، ولو بشكل محدود، موضوع المدونات. ثم ظهرت خدمات تدوين مجانية باللغة العربية، لتبسيط إنشاء المدونات للعرب. خلال السنوات الأولى لانتشار التدوين عربيا، كانت خدمة (Blogger) المملوكة لجوجل أفضل وأشهر خدمة تدوين مجانية، لكن بحكم أنها كانت بالانجليزية فقط، آنذاك، بقيت حكرا على فئة من مستخدمي الانترنت العرب، القادرين على التعامل مع اللغة الانجليزية وعلى الصعوبات التقنية لبلوجر. لم يكن إنشاء المدونات آنذاك سهلا، لذلك كان عددها قليلاً. لكن في وقت لاحق، ظهرت خدمات تدوين عربية أرادت تقديم خدمات شبيهة ببلوجر. كشفت دراسة قام بها موقع "يو غوف سراج" (You Gov Siraj) في عام (2010)، أن المرأة العربية تتمتّع بمهارة عالية في استخدام الانترنت، إذ تبيّن أن 71 بالمائة من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع منتسبات إلى إحدى الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، وتتواصل 66 في المائة منهن يومياً مع أصدقائهن من خلاله.بينما تمتلك 83 في المائة خدمة إنترنت في منازلهن، وتقضي 34 بالمائة منهن ما لا يقل عن 10 ساعات أسبوعياً في استخدام شبكة الإنترنت، اتّضح أن 37 بالمائة من النساء اللواتي شملتهن الدراسة ناشطات على مواقع الشبكات الاجتماعية ويشاركن في المنتديات ومواقع التعارف (فيس بوك، تويتر، هاي 5)، بينما تقوم ما نسبته 45 بالمائة منهن بتصفح المجلات الرقمية. وجاءت نسبة حضور المرأة العربية في الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، مع تصدّر موقع "فيسبوك" المركز الأول كموقع للتواصل الاجتماعي بين النساء العربيات، بنسبة 91 بالمائة في لبنان، تليها مصر بنسبة 80 بالمائة والإمارات 78 بالمائة والأردن 70 بالمائة والكويت وقطر 68 بالمائة والبحرين 66 بالمائة والسعودية 64 بالمائة وسلطنة عُمان 55 بالمائة وسوريا 45 بالمائة.
وبين الحراك الكبير المتنامي الذي يدور في العالم الافتراضي على الانترنت نواجه الحراك الجامد والتغيير السلحفائي البطئ في الصحف ووسائل الإعلام في الساحة القطرية. ولا عجب أن الكثير لا يصدق أن الجزيرة تنطلق من قطر، ومن نفس الموقع الجغرافي بالهيئة العامة القطرية للإذاعة والتلفزيون، وللذي لا يقع بعيدا عن مباني الصحف المحلية!. زميل مهنة من مصر كان في زيارة للدوحة قبل عدة أيام بعد النصر الكبير الذي حققته ثورة اللوتس المصرية صارحني قائلا "اسمع كلامكم في الجزيرة عن الحرية أصدقكم وأشوف وسائل إعلامكم المحلية أتعجب" هناك تحديات جمة تواجهها اقتصادات صناعة الإعلام والصحافة في العالم وفي مجتمعنا الصغير أيضا، لذا يجب أن نصحو من الغفلة التي نعيش فيها معتمدين على التوجهات الرسمية في الدعم والمساندة وتقرير المصير؟ من الضروري أن يتم إجراء تحولات حادة في المنهجيات السيادية والتحريرية والإدارية والتسويقية في الصحف، تشمل دمج آليات عمل المنتجات الصحفية، المطبوعة والإلكترونية والمرئية ومحتوى الهاتف المتحرك، داخل صالة التحرير ومراكز الأخبار بطريقة ذكية ومحورية وتفاعلية بين العاملين على الوسائل، وكذلك تطوير الصحيفة بنسختيها الورقية والإلكترونية بشكل متواز، وليس متناسخا، بمعنى وجود مواد خاصة وحصرية للصحيفة الإلكترونية تتفق وجمهور شبكة الإنترنت أو الهاتف الجوال غير تلك المواد المنشورة في الورقية، ويتم تحديث الأخبار باستمرار لجذب القارئ لزيارة المواقع بشكل مستمر وليس مرة واحدة في اليوم أو في أوقات الحاجة! إن الصحافة تعد المحرك الرئيس لصناعة الأحداث وتحريكها وتغطيتها، في أمريكا على سبيل المثال تقوم الشبكات الإعلامية الأخرى مثل المحطات الإخبارية والفضائية بنقل ومعالجة ما تنشره الصحف اليومية، في حين نجد أن صحافة في مجتمعنا تقوم بنشر ما تبثه الفضائيات، وهنا الإشكالية، فالأصل أن تقوم الصحافة ببناء الأخبار وصناعتها، وتحديد أولويات واتجاهات القنوات الإخبارية، لا أن تقوم بعكس الآية؟!
العام قبل الماضي طالبت المؤسسات الإعلامية والصحفية في قطر باستيعاب التغيير واستقطاب المدونين الشباب من خلال وضع برامج تدريب وورش عمل للمهتمين بالتدوين وتوفير مساحات لنشر إنتاجهم من المقالات والآراء والصور والفيديو، وأن تقوم بإنشاء صفحات تفاعلية مع القراء على موقعها الالكتروني، وللأسف لم يتغير الحال ولم يستوعب الزملاء المهنة ماذا يجرى من تغيير حولهم وفي العالم إلى كتابة هذه السطور؟! لذا أوجه دعوة معاكسة لزملائي المدونين هذه المرة في خضم التغيرات الكبيرة التي تحدث في العالم العربي والدور الذي يلعبه الإعلام الجديد والمواقع الاجتماعية، أن يحتضنوا كتاب الصحف وينشئوا مواقع الكترونية تجمع الآراء والمقالات والأفكار والتعليقات التي لا تنشرها الجرائد المحلية ووسائل الإعلام الأخرى. وادعو كل كتاب الأعمدة والمقالات ألا يحرموا أنفسهم من الفرصة التاريخية ويضعوا بصمة لهم في العالم الافتراضي المستقبلي من خلال إنشاء مدونة شخصية على الانترنت يسطرون فيها ما يدور في خلجاتهم بلا رقباء أو رؤساء تحرير، ويتخلصون من عقدة التذمر والشكوى بحجة عدم نشر إنتاجهم.
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
معضلة لا مفر منها: الابتكار أم الحوكمة؟
قد لا يكون أكبر تحدٍ يواجه الدول في عصر الذكاء الاصطناعي سرعة تطور التكنولوجيا، بل سرعة قدرتها على... اقرأ المزيد
150
| 10 يونيو 2026
الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك.. لكن شخصًا يستخدمه قد يفعل
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم... اقرأ المزيد
1701
| 10 يونيو 2026
نظرة مختصرة لوطننا العربي الكبير
كنت أتصفح كعادتي بالأمس مواقع إخبارية أو لأكن أكثر مصداقية فإن تصفحي عادة ما يتطرق لأمور اجتماعية أو... اقرأ المزيد
129
| 10 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2169
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
1701
| 10 يونيو 2026
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.
1572
| 04 يونيو 2026