رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كثر الكلام عن الحفاظ على اللغة العربية رغم أننا غارقون في تفاصيل، ففي العربية ما نقوله شيء وما نفعله شيء آخر، حرصنا شكلياً بأبسط مثال أسماء محلاتنا (خواجاتي) وكأننا نقول إننا بعيدون عن النسق العربي المتخلف، فنادقنا، مجمعاتنا السكنية، مراكز تسوقنا تحمل أسماء (خواجاتي) حتى أسماء رياض الأطفال لم تنج من ذلك أيضا، إن الزائر الذي يفضل أن يطير في إجازته السنوية بعيداً عن الشرق لم تر عيناه في سفراته يميناً أو يساراً محلاً في قلب لندن، أو نيويورك، أو في بلاد (ليالي الأنس في فيينا) أو باريس يضع لافتة بأي اسم عربي مهما كانت عراقته، عقدة الخواجة تتخلل تحت مسامنا، بيوتنا في طول شرقنا وعرضه تحتفي وتبتهج وتفرح بنطق طفلها للمفردات الأجنبية أكثر كثيراً من فرحها بحفظ أم الكتاب أو سورة الإخلاص!.. أما إذا شب الطفل وغرد (بالرطانة الخواجاتي) كان هذا الحدث الجلل مثار فخرنا العظيم، بل إن بعضنا يتباهى بأن أولاده يتحدثون الإنجليزية (لبلب) ولا يبالون مطلقاً أن رسوبهم الوحيد كان في مادة اللغة العربية!!
ليس هذا فحسب فاحتفاؤنا بمن عاد بشهادة من (بلاد برة) أكثر مليون مرة من حفاوتنا بخريج الأزهر وأعظم تخصصات اللغة العربية (رغم أنني أحلم بأن يتقن كل داعية أزهري اللغات الأجنبية ليكون خير مصحح لصورتنا المقلوبة في الغرب كإرهابيين) بيوتنا العربية تحرص على اقتناء مربيات بديلات لمهام الأم شرطهن الأول إتقان اللغة الانجليزية لتلقين الرضع منذ نعومة الأظافر هاي، وباي، وماي) بغض النظر عن النطق المعوج لكثير من المفردات الأجنبية الخطأ والتي تكبل الطفل بنطق مغلوط نحتاج وقتاً لإصلاحه عوضاً عن تشرذم ذهن الطفل بين لغة المربية، ولغة الأم، وخليط من اللهجات التي يكتسبها مرة بالهندي، ومرة بالسريلانكي، ومرة بالفلبيني والله يعينه على ما ابتلى به!
أما دور الإعلام فحدث ولا حرج فمذيعات الخريطة العربية إلا قليلاً يدخلن في لقاءاتهن وحواراتهن المفردات (الخواجاتي) حتماً وضروري كلمة أجنبية بين الكلمات العربية وذلك للفت النظر بأن ثقافة حضرتها أجنبية، أما ضيوف العالم العربي من أطباء، وعلماء، ومفكرين، لا يكاد يسلم لهم لقاء من استعمال مصطلحات اللغة الأجنبية، حتى أنني تصورت وأنا أتابع أحد الأطباء وكان متحدثاً في الشأن الطبي أنه نسي تماماً أنه يتحدث لمستمع ومشاهد عربي وليس (خواجة)!
في صحافتنا على طول الخريطة العربية نستعين بمفردات، وتواريخ، وأرقام وأحياناً كلمات باللغة الانجليزية وكأننا نعجز عن التعبير بعربيتنا الجميلة أو لإيماننا بأن ما نكتبه سيكون أكثر تأثيراً، وأفخم دلالة إذا ما أضفنا (الحروف الأجنبية) سؤال، هل رأى أحد منكم صحيفة أجنبية تضع تاريخ صدورها بالأرقام العربية؟
ولعنا بكل ما هو أجنبي جعل أمنياتنا تمتد لرغبة الانتماء إلى مجتمع مغاير لمجتمعاتنا الشرقية، وجنسية غير جنسيتنا، وكم من أسر أقامت (الأفراح والليالي الملاح) لأن عائلها أو ابنها حصل على الجواز الأمريكي، أو البريطاني، أو جواز أي بلد أجنبي رغب في الحصول على جنسيته، البعض يرسل زوجته إلى أمريكا مثلاً قبل الوضع بفترة لتضع مولودها هناك وليأتي المولود لأبويه بفرحة العمر أو (بفرخة) العمر، خلاص سيصبح (خواجة)! وستفتح له الأبواب المغلقة، وسيحترم في بلده أو أي بلد يبرز فيه هويته الجديدة، بل سيأخذ فوق حقه حقوقاً كثيرة تتفوق على زميله، وابن بلدته، أين الثريا من الثرى؟! ولا أنسى حكاية (فلان) عربي الجنسية الذي كان يعمل بالخليج ثم تركه وسافر وعاد بجواز أجنبي، تقدم للعمل بصفته الجديدة وجوازه الجديد ليحظى بما يحظى به أصحاب العيون الملونة والشعور الشقراء المتميزون بعالمنا العربي كله! كثيرون فقدوا حياتهم وهم في هجرات غير شرعية ليحظوا يوماً ما بالحلم بعد تعديل وضعهم القانوني (جواز أجنبي) البعض جازف واشتراه هرباً من عذابات لا يعلمها إلا الله في حياتنا اليومية، عقود الإيجار، إنذارات الإخلاء، مازالت تصل المستأجر بالانجليزية لأن القائم على رعاية العمل (هندي) ولا يعرف العربية، يحدث هذا ببساطة دون أدنى احترام لثقافة المستأجر إن كان يفهم ما يرسل إليه أم لا!
محطات كثيرة، وقفات كثيرة يجب أن نلاحظها ونحن نتحدث عن تغريب اللغة التي نطعنها في قلبها رغم جمالها الفادح، وروعتها الآسرة!
مطلوب إعادة نظرتنا إلى ثرائنا المهمل ومحاولة فهم لماذا يأسرنا كل ما هو أجنبي؟ اللغة ضرورية؟ نعم ضرورية، مهمة؟ نعم مهمة لكن لا ينبغي أن تتفوق على عربيتنا التي بدأ أطفالنا يغتربون عنها، ربما نحتاج زمناً لكي نصلح فيه ما أفسدناه لا ما أفسده العطار، المهم أن نبدأ.
• شجون اللغة
• كان الضيف من دول الربيع العربي، نزل ضيفاً على إحدى القنوات التعليمية، كلامه غير المسؤول، بل والمضلل يرفع ضغط المتابع، فرغم حال التعليم (الواقع) الذي يخرج من الجامعات من يضع الصاد مكان السين ليكتب (صبورة) بدلاً من (سبورة) ومن تنطق (التاء) بدلاً من (الطاء) لتقول (تفل) بدلاً من (طفل) راح يدافع كمسؤول ظهرت مداهنته لمن فوقه زاعقة ليؤكد ما توفره الوزارة من مقومات النجاح الفائقة للعملية التعليمية، متناسياً أن توافر الإمكانات لا يعني أبداً جودة المخرجات إذ لابد من عناية فائقة بالمناهج منذ نعومة الأظفار لتسلم العملية التعليمية برمتها من الوقوع، وقبل ذلك يتحتم البعد المطلق عن حجب حقيقة تردي التعليم لنداهن ونقول (كله تمام) لأن المسألة أولاً وأخيراً أمانة.
• في عالمنا العربي الجميل أصبحت كلمة (أوامر من فوق) مصداً لأي حوار أو نقاش، أو تظلم، كما أصبحت كلمة دارجة يستعملها المسؤول عندما يرغب في تخويف مرؤوسيه، أو إرهابهم، أو عندما يريد كتم صوت أي جرئ، أو شجاع، أو وطني تتقاطع رؤيته مع رؤية السيد المسؤول التي تفوح منها رائحة استغلال منصبه، وكم ظلمت عبارة (أوامر من فوق) وقد اكتشف البشر أن (الناس اللي فوق) لا يدرون شيئاً عما يقترفه (الناس اللي تحت) من بلاوي وكوارث باسمهم وبجرأة يحسدون عليها!!
• أحزن جداً كلما قرأت أو سمعت عن مظلمة إنسان لم تنقذه يد الإنصاف من وجعه، أحزن أكثر كلما كانت المظلمة لصاحب خلق ودين!!
• أحياناً بعض السادة المسؤولين الذين يقلبون المعدول، ويكرهون من يخالفهم قد يكون المناسب أن توافق، وتنافق لتتمتع بمنصب ومزاج رائق، لكن يظل احترام المرء لنفسه قيمة لا يتنازل عنها صاحب مروءة لا يناسبه النفاق، ربما لأنه يخجل من أن يقع من عين نفسه قبل أن يقع من عين الناس.
• طبقات فوق الهمس
• يا مسافرة دون وداع، ودون كلمة أخيرة، وقبلة أخيرة، وضمة أخيرة، يا مسافرة إلى سر الأسرار، وبرزخ الأرواح، أودعك وداع المؤنب نفسه فلو علمت أن آخر مرة رأيتك فيها متعبة موجوعة كانت مرة أخيرة لاحتضنت جسدك الطيب طويلاً، ولمسحت على بدنك المتعب بحنان روحي كثيراً، قدرنا يا غالية أن نكون على البعد تتساقط بعيداً عنا قطع غالية منا يضمها قبر بعيد، يا غاليتنا المسافرة، ناديناكي في الدنيا (بهية) واليوم ادعو الله أن يجمع لك البهاءين، بهاء الدنيا والآخرة، اليوم استحضر عمراً كنت فيه حبيبتنا جميعاً، وأهمس بدمع قلبي افتقدك يا بهية الروح، والقلب، والحنان، اليوم ماتت أمي الثانية، اللهم تغمدها بواسع رحمتك، وجميل غفرانك.. آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3762
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3225
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1164
| 05 مايو 2026