رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العرب هم شعب سامٍٍ. هذا بإجماع كافة المؤرخين. لفظ “العرب” هو نص آشوري معروف منذ القرن 9 ق. م. اليهود ليسوا ساميين.. هذا ما يُجمع عليه علماء اللغة والمؤرخون. إسرائيل تدّعي بـ “سامية” اليهود.. ولذلك اخترعت الصهيونية وتمثيلها السياسي المتمثل في الكيان: مفهوم “العداء للسامية”! التهمة الجاهزة لإلصاقها بكل من ينتقد سياسات الكيان. والأساطير والأضاليل الصهيونية! هذه الحركة وتمثيلها القائم. ولإحساسهم الداخلي المنزرع في رؤوسهم بحقيقة تزوير مقولاتهم. يخافون بل يرتعبون من مواجهتهم بالحقائق الساطعة والواضحة.. وضوح شمس النهار الصيفي. يحاولون وبكل الوسائل القذرة: منع الحقائق حتى من خلال سنّ القوانين في الدول الحليفة. أوروبا سنّت قانون “غيسو” لمنع التشكيك بـ “الرواية الصهيونية عن الهولوكوست” تحت طائلة السجن سنوات طويلة! عتّموا على روجيه غارودي وغيره وما يزالون! لا يجد الأخير وسيلة إعلامية واحدة تنشر له ولا حتى دفاعه عن نفسه! هذه هي ديمقراطية أوروبا “العريقة”. وهذه هي “ديمقراطية” الكيان التي يتغنى بها حلفاؤه!
الساميون: هم من ينتسبون لسام بن نوح. وعادة لفظة السامية تنطبق وفقا لعلماء اللغة على القبائل التي سكنت في شبه الجزيرة العربية. وفي بلاد الرافدين (العراق القديم) وفي المنطقة السورية(التي أصبحت فيما بعد سوريا. لبنان. فلسطين. الأردن).شمال إفريقيا. أطلق كذلك على سكان المنطقة الأخيرة اسم “الكنعانيين”. اليهود. عام 70 م طردهم الرومان من فلسطين إلى أوروبا . وشتتوهم في كل بقاع العالم. وجاء فيما بعد ما يعرف بـ “الشتات اليهودي العام”.(محمد خليفة حسن. اليهود وفكرة العداء للسامية. الجزيرة نت 22. 12. 2004).
“العداء للسامية” هي فكرة حديثة نسبيا. اخترعها اليهود الأوروبيون رسميا في القرن التاسع عشر. أول من كتب حول المفهوم (وفقا للمؤرخ برنارد لازار في كتابه المعنون بـ “اللاسامية.تاريخها وأسبابها”)الصحافي الألماني ولهلم ماد في كتابه المعنون بـ”انتصار اليهودية على الجرمانية”وكان ذلك في عام 1873. يخلص لازار في استعراضه لهذا المفهوم إلى نتيجة تقول:”إن خاصية المماحكة لدى الطوائف اليهودية أعطت ذرائع سهلة للعداء لليهود. لقد توارت تلك الطوائف خلف سياج.. اعتقد أفرادها أنهم مشربون بخاصية استثنائية.. اليهودي يفخر بامتياز توراته. حتى أنه يعتبر نفسه فوق وخارج بقية الشعوب... لقد اعتبر اليهود أنفسهم “الشعب المختار” الذي يعلو على كل الشعوب. وتلك خاصية جميع الشعوب الشوفينية” (روجيه غارودي. قضية إسرائيل والصهيونية السياسية. دمشق.1984). يتقاطع مع هذا التفسير أيضا المؤرخ: غوستاف لوبون في كتابه القيّم “مملكة الخزر وميراثها. القبيلة الثالثة عشرة”.
استغلّ المفكّرون الصهاينة هذا المفهوم أبشع استغلال! حاول ليو بنسكر تصويرها على هواه: “اليهود غريبون عن كل الشعوب التي يعيشون بينها.إنهم مطاردون في كل مكان.انسجامهم مع الشعوب يستحيل تحقيقه..الخ”. جاء من بعده هرتزل ليوظف هذا المفهوم من أجل خدمة الهدف الذي رسمنته الحركة الصهيونية بكل تفاعلاته وهو:إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين!بالتالي يمكن الاستنتاج:حرص هؤلاء المفكرين على تعميق هذا المفهوم. كخطة مهيئة للطرح الابتزازي: بضرورة مساعدة أوروبا والعالم لليهود: لإنشاء دولتهم في فلسطين!
هذه الفكرة /الهدف تفاعلت في أوروبا بين رفض من طوائف يهودية أوروبية وأمريكية كثيرة لها. وللخطة الصهيونية بإنشاء “دولة اليهود”. تفاعلت الفكرة أيضا بين مفكري العصر من اليهود: ويقول اليهودي الديانة المفكر كارل ماركس: “اليهودية استمرت بفضل التاريخ لا رغما عنه.. ولذا فإن تحرير اليهود يعني تحرير المجتمعات من اليهودية”. مظاهر تفاعل الفكرة تمثلت أيضا في: دعوات يهودية كثيرة. للاندماج في المجتمعات. ودعوات من بعض مفكري العصر من غير اليهود. لذلك فـ لينين يعتبر(أن فكرة “الأمة اليهودية” هي أيضا فكرة رجعية المحتوى. وحل المسألة اليهودية يتمثل في اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها”. وتفاعلت في حوار صهيوني داخلي عن مكان إقامة الدولة:الأرجنتين..الكونغو. أم كندا. أم موزامبيق وغيرها.وأيضا تفاعلت في الكثير من التساؤلات الأخرى التي حددتها عوامل كثيرة: اقتصادية. سياسية.التحالف مع التوجهات والمصالح الاستعمارية. ومن أهم من عبّر عنها مؤتمر الدول الاستعارية تحت اسم”كامبل بنرمان” عام1907.
كل ذلك ينفي: الارتباط الروحي لليهود بفلسطين. ويبين التضليل في الأساطير الصهيونية مثل”أرض الميعاد” و “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” وغيرها..فـ “ الحاخامات اليهود خافوا من التاريخ اليهودي أكثر من خوفهم من التاريخ العام.. حتى عندما ظهر أول كتاب عن هذا التاريخ- تاريخ ملوك فرنسا والملوك العثمانيين- في القرن السادس عشر جرى منعه. وحظرته السلطات الحاخامية العليا في شرق أوروبا ولم يظهر ثانية إلا في القرن التاسع عشر” (إسرائل شاحاك. التاريخ اليهودي..الديانة اليهودية.. وطأة ثلاثة آلاف سنة.بيروت.1995).
لقد حاولت الصهيونية ووليدها: إسقاط مفهوم كانت هي من اخترعته. وحرصت وتحرص على ترويجه لـ ثلاثة أهداف. الأول: إلصاق السامية بـ اليهود عنوة بما يعنيه ذلك من تثبيت مفاهيم زائفة وتضليلية أخرى مثل “ القومية” و “الأمة” و “الشعب” اليهودي. الثاني: تثبيت “العداء” لليهود من خلال “العداء السامية”!الثالث: إذا تم اعتبار اليهود “قومية” فمن الطبيعي والحالة هذه توضيح:”عدالة مطالبتهم” بـ “وطن قومي “ لهم في فلسطين!
يحاولون أيضا إلصاق تهمة “العداء للسامية” بـ العرب! ناسين أو متناسين الحقائق التاريخية. ومن أبرزها: أن العرب هم أصل السامية ولا يمكن لشعب أن يكون عدوا لنفسه!أن لا علاقة لليهود بـ”السامية” لا من قريب أو من بعيد (د.عبدالوهاب المسيري. موسوعة الصهيونية وإسرائيل. المجلد الثاني. دار الشروق. القاهرة.1999. ومصادر أخرى كثيرة أيضا.. منها المصدر الأول في المقالة). سامية العرب مثبتة تاريخيا بالمعنى العلمي أما اليهود فلا يمتون للسامية بصلة. صحيح أن عربا أقلاء عاشوا منذ نشأتهم في فلسطين وهم يعتنقون الديانة اليهودية.. هؤلاء ساميون لأنهم من العرق العربي وليس لأنهم يهوديي الديانة! يؤكد مؤرخون مثل توينبي وغيره (و ما أكثرهم! ومنهم يهود: غوستاف لوبون وغيره): أن يهود اليوم لا علاقة لهم بيهود الزمن القديم. هذا دليل إضافي على صحة ما نقول.
الحركة الصهيونية حريصة على: تعميم مفهوم “العداء للسامية”على مستوى العالم. تكريس اليهود كـ “شعب سامي”.الترويج بأن العرب “معادون للسامية”!الترويج لـ:”أن العرب يضطهدون اليهود” وأنهم “ اضطهدوهم تاريخيا”!
التاريخ يثبت بما لا يقبل مجالا للشك: أن اليهود عاشوا ويعيشون في المجتمعات العربية مثل كل الطوائف والمذاهب والأعراق والإثنيات الأخرى وعلى قدم المساواة. أن العصر الذهبي لليهود كان في الأندلس إبان الحكم العربي- الإسلامي لها.
أن الكيان هو الذي اقترف ويقترف الأساليب القذرة لإجبار اليهود في الدول العربية على الهجرة إلى كيانه ومن أبرز العمليات الإرهابية: تفجير سفينة مهاجرين يهودإل فلسطين.سفينة فرنسية تحت اسم ”إشتيا” في عرض البحر عام 1939 لكسب التعاطف الدولي مع قضيتهم! تفجير كنيس مسعودة في بغداد عام 1950. فضيحة لافون في القاهرة عام 1954. التهديدات التي يتلقاها يهود الدول العربية من أجل الهجرة.. وما خفي كان أعظم.. مثلما يقول المثل!
إن علماء التاريخ العمالقة يؤكدون: أن لا وجود لآثار يهودية في فلسطين. وأن “لا ارتباطا روحيا لليهود بأرضها” وأن: من عاش في فلسطين هم الفلسطينيون الكنعانيون العرب.. من أبرز المصادر. مؤلفات: كاتلين كينون في كتابها ”علم الآثار في الأرض المقدسة”.بيتر جيمس قي كتابه”قرون الظلام”.توماس تومسون في كتابه”التاريخ المبكر للشعب الإسرائيلي”.غوستاف لوبون في كتابه”تاريخ الحضارات الأولى “..أرنولد توينبي... وكثيرون آخرون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3786
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1290
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
981
| 29 أبريل 2026