رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس من الصعب على المشاهد أن يلحظ الفرق بين الأداء القديم والأداء الحديث في فن التمثيل السينمائي، خصوصاً إذا تأمل الأفلام الأمريكية في الأربعينيات وحتى بداية الخمسينيات. فالأداء التمثيلي الحديث يتسم بواقعية وطبيعية أكثر، بينما كان الأداء الكلاسيكي القديم فاترًا وأحيانًا متكلفًا حد الجمود التام، وكان يعتمد على المبالغة الزائدة عن الحد الطبيعي، وهو مبدأ خاص بالمسرح الذي انتقل تلقائيًا للسينما.
أقنعة الأداء الكلاسيكي ومنهجية التمثيل الحديث
في التمثيل الحديث توجد سمات خاصة جدًا لدى كل ممثل يضفيها على أي دور يلعبه، ويفترض لو أن عشرة ممثلين أدوا دورًا بعينه فمن المتوقع أن يقدموه بعشر طرق مختلفة، بينما كان الأداء في السابق منسوخاً من بعضه، وكأنه أقنعة تلبس حسب نوع الشخصية، وهو المتبع في طريقة التمثيل المصرية الحديثة، غير أن تلك الأقنعة القديمة لم تكن شديدة التنوع، بل تكاد تنحصر في خمسة أنواع محددة: قناع الخير، قناع الشر، قناع المُحب، قناع المتغطرس، وقناع الفقير.
وبشكل عام، فإن الشخصيات التي تقوم بأداء حديث تبدو أكثر حقيقية ومتعددة الأبعاد، أي لها وجود مكتمل وقائم. بينما في السابق كانت الشخصيات تبدو مجرد جزء من الفيلم، تُبث فيها الحياة مع عرض أول مشهد له، وتُنزع منها الحياة مع ظهور كلمة "النهاية"، والسبب في ذلك هو أن الأداء الحديث يستفيد من جوانب الشخصية التي لا تظهر بالضرورة في النص مثل الجانب النفسي والذهني والاجتماعي والثقافي، فيكون التمثيل في هذه الحالة أشبه بتلبس حالة انسان بالكامل، وليس فقط تقليد لبعض تصرفاته ظاهريًا.
على هذا النحو، لا يمكن أن ينسب هذا التغير الذي طرأ على الأداء السينمائي في العالم إلى شخص واحد، فمن مدرسة شارلي شابلن وإن كانت لها خصوصية كبيرة إلا أنها أسست على الانتباه الى الحالة النفسية والتعبير عنها بلغة الوجه والجسد، ولكن هناك مدرب ومعلم تمثيل عرف عنه أنه خرّج دفعات من الممثلين الذين إذا تأملنا أسماءهم وجدنا أنهم يمثلون التغيير الذي طرأ في فن التمثيل ومن هؤلاء: مارلون براندو وجيمس دين، مونتجومري كليفت، ستيف مكوين، جين فوندا، وبول نيومان، جو آن ودوارد، مارلين مونرو، لي ريميك، آن بانكروفت، روبرت دينيرو، آل باتشينو، جاك نيكولسون، رود ستايجر، جيرالدين بيج، سيدني بوتييه، شيلي وينترز، جيل كليبيرج، إيفا ماري سانت، مارتن لانداو، ميكي رورك، جاك بالانس، باربرا بيل جيديس، إيلاي والاك، كيم ستانلي، ويل باتون، داستن هوفمان، سالي فيلد، جين هاكمان، وميريل ستريب. والمُعلم الذي علم هؤلاء التمثيل هو لي ستراسبيرغ.
الهنغاري الذي نقل عن ستانيسلاڤسكي
لي ستراسبيرغ Lee Strasberg ولد في هنغاريا عام 1901، ثم هاجر مع أهله إلى أمريكا وعمره ست سنوات، وفي عام 1924 مثل لأول مرة، وكان ذلك في مسرحية من إنتاج نقابة المسرح عرضت في نيويورك. بعد ذلك عمل مديرًا للمسرح لبعض إنتاجات النقابة. وفي عام 1931 شارك في تأسيس فرقة مسرحية اسمها "مسرح الجماعة"، وكانت أول من وظف أسلوب كونستانتين ستانسلافسكي في أعمالها.
وستانسلافسكي هذا مسرحي روسي كان مديرًا لمسرح موسكو للفنون وكان يقول بأن على الممثلين ألا يبالغوا في إظهار العاطفة بالأسلوب التقليدي لأعراف المسرح، بل يتعين عليهم أن يتحدثوا وأن يعبروا بحركات أيديهم بالطريقة المتبعة في حياتهم العادية، لذلك يعتبر ستانسلافسكي من أهم الشخصيات المؤثرة في المسرح الروسي بدأ منذ عام 1907 عندما وضع نظريات وأساليب وتمارين لجعل التمثيل واقعياً وطبيعياً. حيث تعرف مجموعة نظرياته بشكل عام باسم (الأسلوب).
وبذلك غير أسلوبه شكل التمثيل في روسيا قبل أي دولة أخرى. ولكن هذا التغيير ظل محصورًا في روسيا إلى أن جاء لي ستراسبيرغ وتبنى أسلوب ستانسلافسكي وفق منظوره الخاص في فرقة "مسرح الجماعة" ولاحقاً في "استوديو الممثل" الذي أسسه المخرج إيليا كازان والمخرجة والمنتجة المسرحية شيريل كروفورد والمخرج المسرحي روبرت لويس. انضم إليهم ستراسبيرغ حتى أصبح في عام 1952 مديراً له واحتفظ بذلك المنصب حتى وفاته في عام 1982.
خلال تلك السنوات كان المدرس والمدرب الرئيسي في الاستوديو، بل والمعلم الوحيد فيه على مدى سنوات عديدة. وبالطبع تعاقب عدد من الفنانين على إدارة الاستوديو بعد وفاة ستراسبيرغ، منهم الممثلة إيلين بيرستين والممثل آل باتشينو والمخرج المسرحي فرانك كورسارو.
وبالطبع فإن مساهمة استوديو الممثل آنذاك في تخريج عدد من المخرجين والكتّاب والمؤلفين المسرحيين المرموقين مثل مارك رايديل ونورمان ميلر وتنيسي وليامز وإدوارد ألبي وجيمس بالدوين، كان لها دور مهم في تكريس أسلوب ستراسبيرغ.
هنا ينبغي التنويه بأن ستراسبيرغ كان ينفذ أجندة ستانسلافسكي "وفق منظوره الخاص" لأن نظرياته ومبادئه كانت شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزء كبير منها تجريبياً، بينما تركزت تدريبات ستراسبيرغ لطلابه على نظرية واحدة تقريبًا، تعرف بنظرية التمثيل المنهجي أو الحي (Method Acting) وهي طريقة تمثيل متعلقة بما يسمى بـ(الذاكرة الشعورية) و(التقمص) لتحقيق (الإلهام الإبداعي) بدلا من تحديد مسبق لأثر الأداء، وذلك في محاولة لتحقيق (الأداء الكامل) والمعايشة الكاملة.
مدرسة الحرفية الداخلية (المعايشة)
على هذا الأساس يعتبر ستانسلافسكي أول من قنن عمل الممثل ووضع له النهج الأول كي يسير عليه، وأصبحت طريقته التي طرحها في كتابه "ممثل يستعد" وكتب أخرى مهمة جداً بالنسبة للممثل المسرحي. واتخذت كل المدارس المسرحية في العالم تقريبًا نظريته منهجًا دراسيًا لطلابها في مادة التمثيل. وكانت نظرياته ومبادئه شاملة لجوانب عديدة من حالة الممثل وأسلوب عمله، كما كان جزءًا كبيرًا منها تجريبيًا.
علينا أن ننتبه أن المنهج لدى ستانسلافسكي يمثل إنجاز المعايشة الإبداعية التي تخلق الامتزاج بين الحياة والفن، وهي من علامات النظام الإبداعي والانعكاس الذي تتركه الحياة على الإنسان. وعليها فإن عمل الممثل مع نفسه (المعايشة الفنية) هي للتفريق بين "الفن المصطنع" وبين "الفن الحياة" الى الجانب النفسي الداخلي لعملية الإبداع، واستنتجها من خلال التمهيد باتجاه التكنيك الإبداعي، وهو ابتكار توصل إليه في الممثل.
لقد تعامل مع السينما باعتبارها فناً متكاملاً فيه كل العناصر المكونة للعرض في وحدة فنية وأسلوبية توحد التفكير المبدع لكل الممثلين السينمائيين بقيادة المخرج. كما قدم منهجه إجابة عن الأسئلة الأخلاقية لعمل الممثل كواحدة من أهم الإشكاليات في المسرح والسينما التي نظمت جوهر المنهج للوصول إلى الهدف الأعلى للعمل السينمائي، أي الغرض الذي كتب الكاتب من أجله نصه، من ثم فإن كل ما يدور في الفيلم أو المسرحية من أحداث وكل أفكارها الإبداعية المنفردة وأيضاً أعمال المؤلف الأخرى تسعى إلى تحقيق هذا الهدف الأعلى.
وكتب في كتابه "ممثل يستعد": إن الهدف الأعلى هو بمثابة الجذر الذي تنبته أول ما تنبت بذرة الكاتب (أي ثروته الفكرية التي يثري بها العمل) وهذه البذرة هي ما يصنع مزاج العرض والشعور الانفعالي الموحد السائد فيه. ويؤكد أن المعرفة الإبداعية هي وحدها أساس نظامه وهي وحدها التي تقود إلى الصدق، وأن المعرفة الحقيقية لها هي التي تخلق الربط بين الدرس (التمثيل) والممارسة (التجسيد) في رصانة عمل الممثل، وبالتالي التزام القيم العليا في العرض المسرحي أو الفيلم السينمائي.
ويقول أيضًا: على الممثل أن يقضي حياته في العمل، وأن يكرس عقله للفن، وأن يدرب مهاراته وملكاته بانتظام، وينمي شخصيته ويطورها. وعليه ألا يشعر باليأس وألا يتخلى عن هدفه الرئيسي، متسلحاً بعشقه لفنه بكل جوارحه وقوته، وحبه الخالي من الأنانية.
استوديو الممثل ومنهجيته الصارمة
لابد من التأكيد على أن "استوديو الممثل" كما يقول (لي ستراسبيرغ)، "ليس مدرسة أو معهدًا ولا يدرّس ضمن (صفوف مدرسية) أو يعطي فرصة لغير الممثلين لتعلم التمثيل. كما أنه ليس موجودًا لمنح الممثلين المغمورين فرصة لاكتساب الشهرة أو النجومية، بل هو للممثلين المحترفين الموهوبين والمتميزين الذين حققوا إنجازات متفوقة في مجال التمثيل، لزيادة عملهم تميزا، والفلسفة الكامنة وراء وجود استوديو الممثل هي أنه مهما كان تميز العمل الذي يقدمه الممثل، فإن الممثل قادر على تقديم أفضل منه".
وأيضاً لابد من الإشارة إلى أن العضوية في استوديو الممثل تسري مدى الحياة وهي مجانية بدون مقابل. أي أن الممثل أو المخرج أو الكاتب أو المؤلف الذي يقبل في الاستوديو لا يدفع أي رسوم في أي وقت. ويطلب من كل ممثل يريد العضوية أن يجتاز اختبارين قصيرين في التمثيل، الأول بحضور أحد أعضاء الاستوديو والثاني بحضور ثلاثة أعضاء، وشرط العضوية الوحيد للممثلين هو الموهبة والخبرة السابقة في التمثيل. وعلى هذا فإن استوديو الممثل لا يقبل إلا عددا محدودا جداً من الممثلين في كل عام.
والمبدأ الأساسي الذي كانت تقوم عليه تدريبات ستراسبيرغ هو أنه لا يمكن تمثيل المشاعر، بل يجب على الممثل أن يسترجع مشاعر حقيقية ويوظفها في أدائه. يجب عليه أن يبحث في أعماقه عن الذاكرة التي ستثير فيه الشعور المناسب للدور أو الحالة التي يؤديها، ثم إذا بدأت مشاعره بالتدفق، فإن عمليه التمثيل لا تعدو كونها تشكيلا لهذا التيار من المشاعر الحقيقية. وهكذا فإن المقصود بالذاكرة هنا ليس الذاكرة الذهنية. بل الذاكرة الشعورية، أي تلك المتعلقة بالحواس الخمس. حيث كان ستراسبيرغ يحث طلابه على استرجاع الطعم أو الرائحة أو الملمس أو الصوت أو المنظر أو موقف معين مر به في حياته يرتبط عندهم بذلك الشعور الذي سيستخدمونه في التمثيل. وكان ينتهج تمارين متفاوتة ومختلفة مع كل طالب من طلابه في سبيل تمكينه من استعادة ذاكرته الشعورية، وكانت تلك أصعب وأطول مراحل التدريب.
أهمية مارلون براندو في التطبيق
في عام 1969 أنشأ ستراسبيرغ "معهد لي ستراسبيرغ للمسرح" في نيويورك، ثم في لوس أنجلوس وكان ذلك بغرض العمل على نفس نوعية التدريب التي يقدمها استديو الممثل، ولكن لشريحة أكبر من المهتمين. وفي عام 1975 قام ستراسبيرغ بالتمثيل سينمائياً لأول مرة، في الجزء الثاني من فيلم "الأب الروحي ـ العرّاب" بدور اليهودي هايمن روث. (قيل إن هذه المشاركة كانت بدعوة من تلميذه آل باتشينو وقيل إنها كانت بدعوة من المخرج فرانسيس فورد كوبولا). ومع أن الدور كان صغيراً، وستراسبيرغ كان يمثل أمام الكاميرا لأول مرة، إلا أنه ملأ الشخصية باحترافية عالية، فالمشاهد لا ينسى ذلك العجوز المنهك الذي يعرف تماماً ما يريد، فترشح عن أدائه لأوسكار أفضل ممثل مساعد، ولكن الجائزة مُنحت لتلميذه الآخر روبرت دي نيرو، وفي هذا السياق يتحتم على المتابع أن يتأكد أن عظمة فيلم الأب الروحي كانت بسبب تشرب جميع ممثليه بروح وتعليمات ومنهج استوديو الممثل.
ولكن في جانب آخر الكثير من النقاد والمؤرخين يرون أنه إذا كان الفضل في نقل ثورة التمثيل من المسرح الروسي إلى المسرح الأمريكي يعود إلى لي ستراسبيرغ، فإن الفضل في نقل هذه الثورة من المسرح الأمريكي إلى السينما الأمريكية ومن ثم الى سينمات العالم أجمع يعود إلى مارلون براندو الذي أذهل العالم بالأداء الذي قدمه في فيلمه الثاني "عربة تسمى الرغبة" سنة 1951 والذي أخرجه إيليا كازان نفسه الذي جمع فيه ممثلين من المدرستين الكلاسيكية والحديثة، مما شكل حالة ظريفة تستحق التمعن والمقارنة، إذ مثل مارلون براندو المدرسة الحديثة، وفيفيان لي القديمة، وتكرر ذات الشيء في فيلم "العملاق" حيث مثل جيمس دين المدرسة الحديثة، ومثلت إليزابيث تيلور المدرسة التقليدية.
لكن في عقد الستينات، تكثف حضور أبناء المدرسة الجديدة، وغدا واضحاً أنهم يسيطرون وأن أسلوبهم هو القياسي في التمثيل، ولم يكد يبدأ عقد السبعينات حتى اصطبغ التمثيل في هوليوود بالكامل بلونه الجديد، فتغيرت بذلك مقاييس التمثيل في العالم كله للأبد.
على أية حال هناك من يقول إن مارلون براندو هو الممثل الأعظم والأفضل في تاريخ السينما الأمريكية والعالمية، نظراً للأداء الأقوى الذي انفرد به في الـ 40 التي قدمها وخصوصا في الفترة ما بين 1950 1980، حيث يعتبر عام 1950 أول ظهور رسمي له على الشاشة الكبيرة مع المخرج المخضرم فريد زينمان ومشاركة الممثلة تريسا ريث في الفلم الحربي (الرجال) The Men والذي أخذ فيه البطولة في العام الذي يليه 1951 ثبت موقعه بقوة في أمريكا وقال كلمته في فيلم الدراما الرائع (عربة تسمى الرغبة) ( A Streetcar Named Desire ) مع الممثلة الراحلة فيفان لي وكان عدم فوزه بأوسكار أفضل ممثل صدمة كبيرة للجمهور مع هذا الأداء الخلاب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4752
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026