رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استمراراً لمعالجتنا ومناقشتنا لموضوع التأمين الطبي أو الصحي (المشاكل والحلول) الذي تناولنا في مقالنا السابق، في محاولة لتعريف الجمهور والمهتمين بمفهوم هذا النوع من التأمين، نواصل اليوم تسليط الضوء على التأمين الطبي أو الصحي بالدولة، خصوصاً أننا حينما نعود إلى وطننا الحبيب نجد أن المسئولين بالدولة لم يألوا جهداً في توفير المظلة الطبية الكاملة والمثالية لمواطنيها من خلال ذراعها الطبية ألا وهو مستشفى حمد ومراكز خدماته الطبية المنتشرة في أرجاء الدولة مع العمل على دعم مواطنيها في العلاج بخارج الدولة في أي مستشفيات أو مراكز طبية متخصصة في أرجاء المعمورة لو ارتأت الضرورة الطبية ذلك..
والحقيقة، هذا الجهد لا يستطيع أي محايد أن ينكره أو يشكك فيه بل هو جهد ملموس ومقدر من الجميع في المجتمع باختلاف الأعمار، حيث احتلت دولة قطر المرتبة الأولى من بين الدول العشر الأكثر اهتماماً بالصحة حيث يوجد 8 أطباء لكل ألف مواطن مع تراجع معدل الوفيات في البلد متقدماً بذلك على جميع دول العالم مما يعكس مدى اهتمام الدولة بهذا القطاع الحيوي في تقديم الخدمات، بل أن الدولة وسعت من تلك المظلة أيضاً لتغطي إخواننا المقيمين والمشاركين في مجالات النهضة الاقتصادية القطرية في كافة المجالات إضافة بالطبع إلى ما تقوم به المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة من تقديم تلك الخدمات للكثير من المقيمين عن طريق تعاقدات مع أرباب العمل والمسؤولين عنهم قانونياً.
ولكن في الفترة الأخيرة ومع ارتفاع تكلفة الخدمة المضطردة وفقاً لمعايير التضخم المعروفة وللأسباب السابق ذكرها مع الزيادة السكانية المستمرة سواء للمواطنين أو المقيمين فقد ارتأت الدولة والمجلس الأعلى للصحة ضماناً لاستمرارية توفير الخدمة المميزة لمواطنيها في المقام الأول واستفادة من تجارب الدول الشقيقة في هذا المضمار أن تؤسس كما أسلفنا شركة للتأمين الصحي مملوكة للدولة وتعمل على توفير الخدمات الطبية والصحية لمواطنيها في الدرجة الأولى مع تكليف إحدى الشركات الوطنية للتأمين بالقيام بدور شركة إدارة النفقات الطبية (TAP) مستفيدة من شبكة خدمات صحية واسعة تكون مستشفى حمد وأذرعها الطبية أحد مكونات تلك الشبكة إضافة إلى مقدمي الخدمة الطبية الآخرين الممثلين في المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة تشجيعاً للقطاع الخاص الوطني العامل في حقل الخدمات الطبية على أن تبدأ شركة التأمين الصحي بتوفير الخدمة الطبية للمواطنين القطريين وأسرهم وهو ما شرعت به بالفعل ثم تبدأ بدراسة الكيفية اللازمة لمد تلك التغطيات الطبية للمقيمين بالدولة وأسرهم.. وفي الحقيقة إن هذا الدور الذي تقوم به حكومتنا الرشيدة يستحق الإشادة لتمسكها بدورها الاجتماعي ومسئولياتها تجاه مواطنيها والمقيمين على أرضها رغماً عن الكلفة المتزايدة التي تتكبدها ميزانية الدولة لقاء ذلك..
ولكن لو نظرنا إلى الأسواق المجاورة بدول مجلس التعاون الخليجي كدراسة مقارنة نجد أن المملكة العربية السعودية تمثل السوق الأكبر في المنطقة أي حوالي 52,3% من أسواق دول مجلس التعاون وهي الأكثر إنفاقاً على الرعاية الصحية بما يمثل 24,7 بليون دولار، وهو يمثل الانعكاس الطبيعي لعدد السكان والإنفاق الحكومي مع معدل نمو في مصاريف الرعاية الطبية يبلغ 12% ويليها دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تعد السوق الثاني بالمجلس بإجمالي 11,7 بليون دولار في مصاريف الرعاية الطبية أي بما يمثل 17,7% من إجمالي النفقات ممثلة بذلك الشريحة الأعلى من الإنفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية ومع ذلك تعد قطر السوق الأكثر والأسرع نمواً في مجال الرعاية الصحية بما يمثله ذلك من 23% من إجمالي الإنفاق الحكومي ولكن تمثل 2,1% من سوق الرعاية الصحية بدول مجلس التعاون الخليجي، وتأتي البحرين كأقل الدول بالمجلس بما إجماليه 728 مليون دولار أي حوالي 11,4% وترشح قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة للدول الأكثر والأسرع نمواً في مجال الخدمة الصحية حتى 2018 ..
والآن لننظر إلى تجربة سوق التأمين الصحي بدولة الإمارات العربية المتحدة كسوق مرشح مع السوق القطري كالأسرع نمواً في تقديم الخدمة الصحية حتى 2018 وهنا سنجد أن حكومة إمارة أبوظبي أسست هيئة حكومية تسمى هيئة الصحة، وهي تشرف قانوناً على شركة ضمان وهي شركة تأمين صحي مدعمة من الحكومة تعمل جنباً إلى جنب مع أقسام التأمين الصحي بشركات التأمين العاملة بالدولة وأيضاً جميع مقدمي الخدمة الطبية من مستشفيات أو مجمعات أو مراكز طبية لتقديم الخدمة الصحية وبدون احتكار لأي جهة لكون الاحتكار في أي مجال يقتل أي نمو في الخدمة أو إمكانية التطوير..
وقد حددت الحكومة شريحة إجبارية للعاملين الأقل دخلاً باشتراك سنوي أقل ولكن أيضاً بسقف خدمات أقل يتناسب مع معدل الاشتراك تاركة لجميع شركات التأمين التنافس الحر في تقديم الشرائح الأخرى الأعلى سقفاً والأعلى اشتراكاً على أساس الروح التنافسية التي تفرضها روح السوق، ومن ثم فإن دور هيئة التأمين في إمارة أبوظبي تقوم بدور الإشراف والرقابة على شركات التأمين التي تمارس التأمين الطبي مع الشركة ضمان مع شبكة مقدمي الخدمة من مستشفيات ومراكز طبية وبالطبع انعكس ذلك على حجم الاستثمارات التي ضخت في مجال بناء المستشفيات والمراكز الطبية والتي انعكس نمو معدلات التأمين الطبي على معدلات نموها واتساع شبكتها والحقيقة أن تجربة إمارة أبوظبي استفادت من القول المأثور "إن أهل مكة أدرى بشعابها" فتركت الباب مفتوحاً لشركات التأمين بأن تشارك في نمو ذلك القطاع والاستفادة من الخبرات التراكمية التي كونتها تلك الشركات من خلال ممارستها للتأمين الصحي عقوداً كأحد أفرع التأمين الممارسة بنشاطها التأميني المختلفة فروعة.. وبالطبع اطمأنت الهيئة على سلامة العملية التأمينية وبتوفر الكوادر الفنية التأمينية مع سلامة اتفاقيات الإعادة التي تبرمها شركات التأمين في هذا المجال مع معيدي تأمين عالميين تضمن بها سلامة الاكتتاب وحماية حقوق المؤمنين أو المشاركين في العملية التأمينية الصحية.
وفي المملكة العربية السعودية نجد أن التأمين الطبي حقق لشركات التأمين العاملة بالسوق السعودي خسائر فادحة أدت إلى خروج البعض من السوق أو تأثر المراكز المالية لتلك الشركات، مما أدى إلى تدخل ساما أو البنك المركزي السعودي الذي يشرف على صناعة التأمين بالدولة وفرضت تعديلات تشريعية في مجال التأمين الطبي بضرورة وجود خبير إكتواري يتناول وفقاً لمعايير حساباته الإكتوارية كل ما يتعلق بالتسعير ليكون سعر الخدمة متوافقاً مع طبيعة الخدمة المقدمة ولصالح جميع الأطراف وبالتالي بدأت شركات التأمين تصلح من حالة محافظها التأمينية في مجال التأمين الصحي.
وهنا في قطر فإننا نرى أن المجلس الأعلى للصحة أسس شركة التأمين الصحي (صحة) لتقوم بالدور الحكومي الإجباري لتوفير الخدمات الصحية أولاً للشريحة الأولى وهي للمواطنين والمواطنات بالدولة، وقد أتمت الشركة للإنصاف هذة الخطوة منفردة دون دعوة شركات التأمين الوطنية لدعمها والتعاون معها في تنفيذ تلك المظلة وحالياً تقوم بدراسة المرحلة الثانية ألا وهي بسط المظلة الخاصة بتأمين الخدمات الطبية إلى شريحة المقيمين بالدولة وهم حوالي 2,200,000 نسمة على أساس آخر إحصاء للسكان بالدولة وهنا فقط نتساءل هل شركة صحة قادرة على توفير تلك الخدمة منفردة أيضاً لتلك الشريحة الأكبر من مستخدمي الخدمة ؟! أم أن عليها الاستفادة من تجربة إمارة أبوظبي مثلاً بدعوة شركات التأمين الوطنية للمشاركة معها في توفير تلك الخدمة للشريحة الأكبر وهي المقيمون بالدولة مستفيدة من خبراتهم لتوفير الجهد والمال على الدولة ولذلك فإننا نحتاج هنا من المشرع أن ينظر بعين الاهتمام حينما يبدأ في تطبيق المرحلة الثانية من مشروع التأمين الصحي للمقيمين إلى الحقائق الآتية:
1- الاستفادة من الخبرات التراكمية التي تكونت لدى شركات التأمين الوطنية والتي مارست التأمين الصحي عقوداً طويلة كأحد أفرع التأمينات العامة لديها وتكونت لديها محافظ كبيرة وشبكة عملاء بأعداد متنامية وتكونت لديها الخبرة القوية في كيفية التعامل مع هذا الحقل الهام من حقول التأمين الطبي بما في ذلك كوادر فنية متمرسة واتفاقيات إعادة تأمين قوية واتفاقيات طويلة المدى مع شركات إدارة الخدمات الطبية TPA مع علاقات قوية مع جميع مقدمي الخدمة الطبية بالدولة سواءً مستشفيات أو مراكز طبية.
2- ضرورة دعم مستشفى حمد ومراكزها الطبية بأن تكون إحدى أذرع شبكة مقدمي الخدمة على أساس روح السوق التنافسية في طبيعة الخدمة ونوعيتها والتي تتميز بها مستشفى حمد عن الجميع بخبرتها الطويلة التراكمية والأطقم الطبية ذات الخبرة المهنية العالية والمشهود بها على مستوى المراكز الطبية العالمية.
3- أن تبادر الدولة إلى تشجيع الاستثمار في مجال مقدمي الخدمة للحيلولة دون الزيادة التي يشهدها هذا المجال مما أدى إلى أن تكون قطر أعلى من مثيلاتها في قيمة الخدمة المقدمة مما ينعكس سلباً على السوق ولكن بدعم الدولة للمستثمرين الراغبين في المشاركة في حقل مقدمي الخدمة بمنح أراض تُخصص لإنشاء مستشفيات أو مراكز طبية تؤدي إلى زيادة مضطردة في عدد وحجم مقدمي الخدمة مما سيؤدي بالتالي إلى خفض المعدلات المرتفعة التي يفرضها مقدمو الخدمة حالياً مما سيكون في صالح جموع المنتفعين من خدمات التأمين الطبي.
4- دعم الدولة لصناعة الدواء بالسوق المحلي وذلك للتغلب على مشاكل الاستيراد دوماً وما يستتبعه من ارتفاع في التكلفة بزيادة هامش الربح الذي يفرضه المستوردون مما سينمي الصناعة والخدمة وبالطبع متلقي الخدمة في نهاية الأمر.
5- وضع معايير طبية ثابتة تسمى مثلا معايير قطر الطبية تلتزم بها جميع أطراف العملية الطبية سواءً من شركات تأمين أو مقدمي الخدمة أو شركات إدارة الخدمة وبالطبع سيكون ذلك في مصلحة ارتقاء العمل والخدمة الطبية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
6- مراعاة أن جميع أسعار الخدمة أو الأدوية المصاحبة لتلك الخدمة الطبية تتأثر دائماً بمعدلات التضخم والتطورات الاقتصادية المختلفة سواءً ارتفاع أسعار المواد الخام أو ارتفاع مستوى المعيشة، وبالتالي بجب النظر سنوياً في جدول الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة سنوياً على ضوء كل تلك المتغيرات.
وهنا في الحقيقة جدير بنا أن نوضح بجلاء حتى لا يساء فهمنا أو نتهم بأننا في موقع النقد أن هدفنا من هذه السلسلة من المقالات مجرد نشر الوعي التأميني في مجتمعنا وبين جمهورنا الحبيب للتعرف على جميع جوانب صناعة التأمين ونحن هنا في تجربة التأمين الصحي بالدولة لانتعرض لتجربة التأمين الصحي بإيجابياته وسلبياته لكوننا من منطلق الإنصاف ندعو للتريث وتقييم العملية على قاعدة المراجعة والتصحيح ولذلك فمن موقعي كمسئول في شركة تأمين وطنية فإنني أدعو القائمين على المجلس الأعلى للصحة والمسؤولين عن شركة التأمين الصحي (صحة) لمراجعة نتائج المرحلة الأولى والاستماع إلى شركات التأمين الوطنية من باب التشاور وتبادل الآراء لما لهذه الشركات الوطنية من خبرة طويلة تراكمية في مجال تقديم الخدمة الطبية ولها من الكوادر وشبكة العملاء ما يؤهلها لدعم مسيرة شركة التأمين الصحي (صحة).
وإننا نثق أن الدولة والمشرع لا يألوون جهداً في سبيل توفير كل سبل الرفاهية والراحة لمواطنيها بل والمقيمين على أرضها وهي الجهود والحمد لله التي يشهد بها القاصي والداني ولذلك نرى أن الدولة والمشرع يضع دائماً نصب عينية توفير السبل التي يمكن بها تطوير كل الخدمات وطرق الدعم لجميع المواطنين والمقيمين على أرض وطننا الحبيب تحقيقاً لتوجيهات ورؤية صاحب السموً أمير البلاد المفدى وحكومته الرشيدة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- رئيــس مجموعة الإسلامية القطرية للتأمين
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10755
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3669
| 10 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
3378
| 13 سبتمبر 2026