رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أظهرت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاستعلائية في حق الجزائر وشعبها أن الروح الاستعمارية للمسؤولين الفرنسيين لم تزل متمكنة ولم تتزحزح قيد أنملة مما كانت عليه في الفترة الاستعمارية 1830–1962، فقد ادّعى ماكرون في بوح جهير، عدم وجود أمة جزائرية قبل حقبة استعمار بلاده للجزائر. وفي تناقض مدهش في ذات الوقت قال ماكرون إنه "كان هناك استعمار قبل الاستعمار الفرنسي" للجزائر، في إشارة إلى الوجود العثماني 1514- 1830، فهل "استعمر" العثمانيون الأتراك قوم يأجوج ومأجوج ثم جاء من بعد ذلك المستعمر الفرنسي وأنشأ الأمة الجزائرية؟. الجزائر إزاء ذلك الزعم الغريب لم تتردد في وقف استخدام الطائرات العسكرية الفرنسية لمجالها الجوي العاملة في إطار "عملية برخان" في الساحل الأفريقي. فضلا عن استداع السفير ومراجعة العلاقات الاقتصادية والتجارية.
لقد تسبب ماكرون في أزمة دبلوماسية بين بلاده والجزائر، مع اقتراب نهاية ولايته الأولى التي بدأت في 2017. ورغم أن ماكرون كان قد اعترف قبيل انتخابه رئيسا لفرنسا بأن استعمار بلاده للجزائر كان جريمة ضد الإنسانية، لكنه عندما زار الجزائر عقب انتخابه مباشرة لم يقدم اعترافا ولا اعتذارا رسميا عن جرائم الاستعمار كما طالب الجزائريون. بيد أن الجزائريين ظلوا يطرحون على باريس بإلحاح 4 ملفات وهي: الأرشيف وجماجم المقاومين والمفقودين وتعويض ضحايا التجارب النووية، باعتبارها مفتاح علاقات طبيعية بين البلدين. وربما هذا الذي عزز حالة اضطرابية من القلق المفرط، ظلت مسيطرة على تعاطي ماكرون مع ملف علاقات بلاده مع الجزائر. والعقل السياسي الفرنسي في عمومه متنازع بين نزعة استعمارية شوفينية ونزعة ليبرالية مصنوعة تريد فرنسا أن تظهر باعتبارها دولة قيم حضارية.
لقد أضحت فرنسا منذ مطلع العام 1600 إمبراطورية إستعمارية ضمت مجموعة من المناطق التي خضعت للحكم الفرنسي خارج أوروبا حتى أواخر العام 1980. وكانت فرنسا، في القرنين التاسع عشر والعشرين، ثاني أكبر سلطة في العالم بعد الإمبراطورية البريطانية. وتمددت سلطتها على نحو 9% من مساحة الكرة الأرضية، أي ما يعادل 13 مليون كيلو متر مربع.
وفرنسا اليوم التي تنافس تركيا وتتصادم معها في مواقع كثيرة من العالم، تشعر بقلق من تنامي دور أنقرة في أفريقيا لا سيما ليبيا والجزائر. ووفقا لوزير الخارجية الجزائري فإن تركيا لاعب دولي مهم جدا، وأن بلاده ترتبط معها بـعلاقات تاريخية عميقة، وتسعيان إلى تعزيز علاقاتهما المشتركة. وقال المسؤول الجزائري أن تركيا أسهمت بدور مهم في عملية التنمية بالجزائر في السنوات الأخيرة، وأن بلاده تتطلع إلى مزيد من علاقات الشراكة والاستثمارات التركية في الأيام القادمة.
ولهذا حاول ماكرون وصف الوجود العثماني السابق في الجزائر على أنه "استعمار منسي"، فكأنما يحاول تبرير استعمار بلاده للجزائر. مما جعل بعض النخب الجزائرية تعتبر ذلك جهل بالتاريخ ومحاولة للإيقاع بين تركيا والجزائر. وبلهجة تحريضية ضد تركيا، تساءل ماكرون كيف نسي الجزائريون الدور الذي لعبته تركيا في بلادهم، وما أسماه بالهيمنة التي مارستها تركيا. لكن الجزائريين الذين استشهد منهم مليون فرد في سبيل طرد الاستعمار الفرنسي، يقولون أن العثمانيين الأتراك لم يقتلوا الجزائريين ولم يلقوا بهم أحياء من الجو ولم يرتكبوا جرائم ضد الإنسانية. بينما مكثت فرنسا 130 عامًا في الجزائر وسرقت ثرواتها وجعلت من الأراضي الجزائرية حقل تجارب للأسلحة النووية.
ويقول قائل لماذا ترفض فرنسا الاعتذار للجزائر مثلما اعتذرت لليهود حين شاركت حكومة فرنسا الفيشية والشرطة الفرنسية في جمع اليهود وترحيلهم من فرنسا إلى معسكرات الاعتقال في ألمانيا النازية وبولندا المحتلة من قبل النازيين. إن أقل ما يطلبه الجزائريون من فرنسا لفتح صفحة جديدة في علاقات البلدين تقوم على أسس نزيهة، هو أن تعترف فرنسا بجرائمها في الجزائر.
وظل الدور الفرنسي في الجزائر سلبيا حتى ما بعد الاستعمار، فقد غضب الشارع الجزائري إثر إعلان فرنسا في مارس 2019 دعمها لخريطة طريق أعلنها الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة لتمديد فترة حكمه. وطوال العام 2019، ظلت تصريحات مسؤولين وسياسيين جزائريين، بينهم قائد الأركان تتزاحم متهمة باريس بالتدخل للتأثير في المرحلة الانتقالية بالجزائر حتى ما بعد بوتفليقة. وفي العام الماضي استدعت الخارجية الجزائرية سفير باريس لديها لتبلغه احتجاجا على نشر الجيش الفرنسي صورة على حسابه بتويتر تضمنت اسم الجزائر وعلمها، وأضيف إليها العلم الأمازيغي واسم منطقة القبائل، وكأن الأمر يتعلق بكيانين مختلفين أو مستقلين، وليس دولة واحدة هي الجزائر.
إن فرنسا لا سيما نخبها السياسية تعيش أزمة في التعاطي والتواصل مع الآخر، فرغم احتلالها لشعوب مختلفة في ثقافتها وأصولها العرقية لكنها اليوم ترفض التنوع في المجتمع الفرنسي واندماج الآخر فيه. بل ينتشر فيها التطرف ومعاداة الآخر من منطلقات عنصرية انتشار النار في الهشيم؛ حيث يحذر مثقفوها مما أسموه بـ"الاستبدال الكبير"، أو إحلال الأجانب من أصول أفريقية ومسلمة محل الفرنسيين. فقد أطلق الكاتب الفرنسي المتطرف رينو كامو منذ العام 2013 دعوة تحت شعار "لا لتغيير الشعب والحضارة". ومن دعوات كامو العنصرية انطلق منفذ الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين بكرايست تشرش نيوزيلندا مسفرا عن وفاة 51 مسلما في مارس 2019. في كتابه قال كامو "لقد تحول كل فرنسي، حسب قوله، إلى رجل قابل للاستبدال جُرّد من كل الخصوصية القومية والإثنية والثقافية". ووصف هذه الحالة بـ"التبلد العام" زاعما بأن ذلك سمح بـ"استعمار استيطاني" حقيقي لفرنسا بسبب الهجرة المغاربية والإفريقية. وخلص كامو متحسرا: "إن نسبة السكان الأصليين في فرنسا لا تزال مرتفعة للغاية بين كبار السن، لكنها تنخفض بشكل كبير مع انخفاض المستوى العمري. إن المنحى السائد يشير الى أن الرضع هم من العرب أو السود، وهم ويا للسعادة! مسلمون، أطفال مسلمون؟". فإلى أي حد تشربت النخب السياسية الفرنسية ونهلت من معين كامو وما شابه كامو، فانداحت أفكارهم تؤطر السياسة داخليا وخارجيا؟.
yasir_mahgoub@
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
1011
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
819
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1215
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
11817
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3846
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026