رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مهما حاول مستشارو محمود عباس تلطيف تصريحاته، فإن ما قاله للقناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي كان واضحاً وفي منتهى الدقة، إنه يتخلى عن حق العودة تخلياً تاماً. إنه يُسقط حق الشعب الفلسطيني في المقاومة حتى الشعبية منها، والانتفاضة هي أحد أشكال هذه المقاومة.منذ زمن طويل: اعتبر عباس المقاومة (إرهاباً)! لم يسبق لشخص أو مسؤول ( من المفترض لحركة تحرر وطني) أن وصف مقاومة شعبه لمحتلي أرضه ومغتصبي إرادته(بالإرهاب) إلا محمود عباس، فالمقاومة من وجهة نظره: لم تجلب للشعب الفلسطيني سوى الويلات والكوارث والتدمير.
محمود عباس نال شهادة الدكتوراه من موسكو عن رسالته حول "الحركة الصهيونية". من المفترض أن يكون قد عرف هذه الحركة العنصرية على حقيقتها. هذه التي اعتبرتها غالبية دول العالم في قرار واضح للأمم المتحدة "شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري".
بدلاً من المعرفة المفترضة والتي يتوجب أن تؤسس لمقاومة هذه الحركة وصنيعتها إسرائيل. لا يكتفي محمود عباس بانصياعه هو لتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية جمعاء، بل يحرص على جر الشعب الفلسطيني إلى موقعه بالانصياع لها هو الآخر، من خلال التنازل عن الثوابت الفلسطينية المتمثلة في الحقوق الوطنية الفلسطينية.
يفتخر محمود عباس بأنه مهندس لاتفاقيات أوسلو، وهو يعتبر منذ نشأته الأولى: أن الدبلوماسية والسياسة والمفاوضات هي التي تُعيد الحقوق الوطنية إلى أصحابها! لم يعتبر من عشرين سنة من المفاوضات الفاشلة مع الكيان الصهيوني،والتي لم تجلب سوى المزيد من الويلات والكوارث للفلسطينيين: إن من حيث: زيادة الاستيطان ومصادرة الأرض وهدم البيوت،والمزيد من المجازر والعدوان والاغتيالات والاعتقالات بحق شعبنا وأمتنا،والمزيد من التنكر للحقوق الفلسطينية، والمزيد من اللاءات لهذه الحقوق،والاشتراطات الجديدة على الفلسطينيين والعرب من أجل عودة المفاوضات معهم. محمود عباس يذهب إلى الأمم المتحدة ويقدم طلباً باسم منظمة التحرير لنيل الاعتراف من الجمعية العامة بفلسطين كدولة مراقبة (غير عضو) ليس بسبب أهمية هذا المقعد فحسب وإنما ليقوم بالتفاوض مع إسرائيل من موقع "رئيس" لدولة محتلة.هذا ما ضمنّه رسالته التي بعث بها إلى الرئيس أوباما. عباس أكد أيضاً على هذه القضية في مقابلته مع التلفزيون الإسرائيلي.
محمود عباس وفي عام 1995 خاض جولات عديدة من المفاوضات مع وزير العمل في حكومة رابين يوسي بيلين. واتفق معه على بنود شكلت تنازلاً من قبله عن حق العودة:عُرف الاتفاق بين المسؤولين باسم ورقة: عباس - بيلين.
كان من المفترض أن يعلن إسحق رابين بنود هذا الاتفاق،إلا أنه اغتيل قبل الإعلان عنها في عام 1995. الاتفاق تسربت بنوده إلى الصحافة الإسرائيلية وينص على: إرجاع بضعة آلاف إلى إسرائيل.إرجاع من يريد العودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية. توطين من يرفض العودة حيث يقيم.
منذ تلك اللحظة فعلياً تخلى عباس عن حق العودة غير أنه آنذاك لم يقع في المسؤولية الفلسطينية الأولى.الآن يمارس عباس تنكره لحق العودة عن سابق تصميم وإصرار فهو في موقع رئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس حركة فتح.محمود عباس يؤمن بمرجعية أوسلو بدلاً من مرجعية الأمم المتحدة حول الحقوق الفلسطينية ومنها القرار رقم 194 والذي ينص على حق العودة للاجئين.
إبّان وجود عرفات في هرم السلطة الفلسطينية ضغطت الولايات المتحدة على الأخير.لإحداث منصب رئيس الوزراء للسلطة،وتسلم عباس هذا المنصب. اختلف مع عرفات وقبع في منزله.اطلق عليه عرفات لقب"كرزاي فلسطين". بعد تسلمه لرئاسة السلطة الفلسطينية:كان من أبرز القرارات التي اتخذها: اعتبار الأجهزة العسكرية للفصائل الفلسطينية:منظمات غير مشروعة، منع حمل السلاح للفصائل تحت طائلة السجن. قام بجمع الأسلحة، وقام باعتقال كل من يحاول القيام بعمليات مسلحة ضد إسرائيل.هذا هو التاريخ الحقيقي لعباس.
أيدرك محمود عباس: أن إسقاطه لحق العودة ينزع الغطاء عن أهلنا في فلسطين المحتلة عام 1948؟ فهؤلاء الذين يتمسكون بفلسطينيتهم وقوميتهم العربية والذين حافظوا على انتمائهم وثقافتهم وتصدوا لكل مخططات التهويد والأسرلة، هؤلاء بحاجة إلى الغطاء الذي يشكله حق العودة والشعب الفلسطيني عموماً،فهم جزء أصيل منه.
بعد إسقاط حق العودة سيتفنن اليمين الإسرائيلي في اختراع الوسائل لإجراء ترانسفير قسري لأهلنا في منطقة 48. وخلق ظروف اقتصادية-اجتماعية - سياسية غاية في الصعوبة لدفعهم إلى الهجرة.ألا يدرك عباس أن إسقاط حق العودة يصب في خانة الاعتراف بيهودية إسرائيل؟ إن كان لا يدرك كل هذه التداعيات فهذه مصيبة،وإن كان يدرك فالمصيبة أعظم.
لعل من أحد قوانين الصراع من أجل نيل الحقوق، أن من يتنازل عن جزء بسيط من حقوقه، سيفرض عليه الطرف الآخر(بمزيد من ابتزازه) التنازل الثاني والثالث.. وهكذا دواليك! حتى يؤدي به إلى الهاوية.لقد انطلقت الثورة الفلسطينية من أجل تحرير كل الوطن الفلسطيني من النهر إلى البحر،ثم بدأ سلم التنازلات:الاعتراف بدولة إسرائيل،بناء دولة على أية بقعة ينزاح عنها الاحتلال،إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، إمكانية تعديل الحدود، التنازل عن حق العودة! نخشى ما نخشاه أن يكون التنازل القادم لعباس عن إقامة الدولة على أراضي عام 67، والتعامل مع مشاريع قديمة-جديدة عنوانها الرئيس: تبديد الحقوق الفلسطينية والهوية الفلسطينية وإذابتها من خلال الدعوة إلى إقامة كونفيدرالية مع هذه الدولة أو تلك؟ عباس يريد الهاء الفلسطينيين بإنجاز سياسي هنا أو هناك.
لقد كان الأحرى بعباس في الذكرى الــ95 لوعد بلفور المشؤوم، وفي الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل مسؤوليتها عن اغتيال"أبو جهاد" وفي الوقت الذي تقصف فيه إسرائيل يومياً قطاع غزة، وفي الوقت الذي تصادق فيه إسرائيل على المزيد من المخططات الاستيطانية وتهويد القدس ومحاولة هدم المسجد الأقصى.. كان الأحرى به أن لا يدلي بتصريحات في مقابلة مع قناة تلفزيونية صهيونية وأن يعلن انتهاء المفاوضات مع إسرائيل والإصرار على المقاومة بكل أشكالها ووسائلها. والتمسك بحق العودة وكل الحقوق الوطنية الفلسطينية الأخرى. بدلاً من كل ذلك تنازل طائعاً عن حق العودة. المقربون منه يحاولون تميع تصريحاته بالقول:"بأن هذه التصريحات موجهة إلى الشارع الإسرائيلي" و (كأن على الفلسطينيين إغلاق آذانهم).
ألا يدرك هؤلاء استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي تشير إلى:أن اليمين الصهيوني سيحقق المزيد من المكتسبات بعد الانتخابات التشريعية القادمة؟ ألم يعتبروا من تجربة نشر بنود المبادرة العربية كإعلانات في الصحف الإسرائيلية والتي كانت نتائجها حصد اليمين للمزيد من المقاعد؟
ليس من حق عباس التنازل لا عن حق العودة ولا عن أي من الحقوق الوطنية الفلسطينية. الرد عليه جاء من تفاعل شعبنا في الوطن والشتات وبكل قطاعاته مع تصريحات عباس، وتمثل الرد في الرفض المطلق من تسعة ملايين فلسطيني للتنازل عن حق العودة، والإصرار على التمسك بهذا الحق.إضافة إلى أن الأمة العربية بكاملها تقف مع الحقوق الوطنية الفلسطينية ومنها:حق العودة.
إذا تعب محمود عباس فليستقل من مناصبه ويرتاح وليسلم الراية إلى غيره، ولتجر محاسبته من كافة الهيئات التي يرأسها، فحق العودة لا يسقط بالتقادم، وهو مقدس، مقدس، مقدس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4362
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3192
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1230
| 28 سبتمبر 2026