رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أننا بحاجة لأن ندق الأجراس مذكرين بأن الثورة المصرية قامت لتغير المنكر الأكبر المتمثل في الطغيان الذي حل بالبلاد، وأن المعروف الذي ننشده هو أن يتوافق الجميع على إقامة نظام ديمقراطي يتمتع فيه كل مواطن بحقه في الحرية والكرامة.
(1)
أعذر كل من انتابه الخوف والقلق من استخدام مصطلح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي ابتذله بعض المتدينين الهواة، خصوصا أنه تحول إلى عنوان لتجارب فاشلة لدى جيراننا، تحولت إلى عبء على المجتمع وعلى السلطة ذاتها. ذلك أنه ما خطر ببال أحد من علماء الفقه والأصول أن يختزل «القطب الأعظم في الدين» بتعبير الإمام أبو حامد الغزالي، الذي هو باب للنهوض بالأمة وصلاح أمرها، بحيث يصبح في نهاية المطاف نوعا من الركض في الشوارع لتتبع سلوكيات الناس وأزيائهم، أو دعوة لإغلاق المحال التجارية في أوقات الصلاة.
هذا التهوين من شأن القيم الدينية الذي يستخف بها ويفرغها من مضمونها، جزء من التدهور المشهود في حياتنا الثقافية، التي بات الهزل فيها يختلط مع الجد والرعونة والحمق يتقدمان على الرصانة والمسؤولية. الأمر الذي أوقعنا في نهاية المطاف بين شرين، شر المتدينين الهواة، وشر المتربصين والمتصيدين لما يصدر عن الأولين من زلات وسقطات يتم تعميمها والتهويل من شأنها بهدف الإثارة أو التخويف وإشاعة الذعر.
في ظل ذلك التدهور صرنا نتابع حوارات غريبة حول جواز مصافحة الأقباط وتهنئتهم في أعيادهم. وموقع المايوهات البكيني في نظام ما بعد الثورة بعدما فاز الإسلاميون بالأغلبية في الانتخابات. وما إذا كان التصويت لليبراليين حلالا أم حراما، وهل هؤلاء الليبراليون كفار أم لا، وقرأنا لمن قال إن التصويت في الانتخابات هو في جوهره تصويت للجنة أو النار. كما شهدنا جدلا حول الخلافة الإسلامية ومدى إمكانية قيامها في زماننا.. بل قرأنا مرافعة حول مصطلح «ميري كريسماس»، باعتباره من ضرورات الحداثة والعصرنة، وتحدث آخرون عن التماثيل الفرعونية وهل هي أصنام أم لا.. إلى غير ذلك من الحوارات العبثية التي تجسد الانفصال عن مشاكل المجتمع الحقيقية، وتعبر عن الخلل الفادح في ترتيب الأولويات والانصراف عن الجد إلى العبث. الأمر الذي ينطبق عليه قول الجاحظ: إنه سقم في العقل وسخف في الرأي، لا يتأتيان إلا بخذلان من الله سبحانه وتعالى.
(2)
حين قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله إن الناس في بلادنا ينتفضون ويثورون إذا هتك عرض أي فتاة، ولكنهم لا يبالون إذا هتك عرض الأمة، فإنه كان ينتقد الخلل الفادح في العقلية التي لا ترى المنكرات العامة، وتنشغل بما هو خاص منها وحدها. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن عوام المتدينين، والسلفيين بوجه أخص، يستنفرون لقضية عري النساء، لكنهم لا يحركون ساكنا إذا صارت الأمة عارية من كل ستر وفاقدة لأسباب المنعة والنهوض. ويستفزهم اختلاء شاب بفتاة لكنهم لا يرون غضاضة في استفراد طاغية بشعبه وتنكيله بمعارضيه. والقياسات الأخرى كثيرة، وكلها تفضح المدى الذي بلغه قصر نظر بعض المتدينين الذين لا يرون حتى مواضع أقدامهم. ذلك أنهم يتجاهلون المنكرات العامة التي تشكل التحديات الكبرى ويشغلون أنفسهم بالمنكرات الخاصة والصغرى، مع أن الأولى ليست أخطر فحسب ولكنها أيضا مقدمة على الثانية من وجهة النظر الأصولية والشرعية. فما يهم المجتمع بأسره مقدم على ما يخص بعض أفراده، ودفع الضرر الأكبر أولى من التصدي للضرر الأصغر.
إننا لم نسمع من إخواننا هؤلاء كلاما عن مكافحة الفقر والظلم والبطالة والفساد ونهب ثروة البلد والطوارئ والتعذيب وغير ذلك من صور المعاناة التي تعذب الملايين وتثقل كاهلهم، في حين ظلت جموعهم وتظاهراتهم محصورة في دائرة التفلت السلوكي والأخلاقي والحديث الذي لم يتوقف عن المحظورات والمكروهات. وإذ أفهم أن يكون ذلك أسلوب آخرين في مجتمعات تقمع فيها الحريات. ويحظر على الناس أن يتكلموا في الشأن العام، فمن غير المفهوم أن يمضي سلفيونا في مصر على ذات الدرب بعدما غيرت الثورة من الأجواء، ولم يعد هناك عذر لمنسحب أو صامت.
إن التصدي للمنكرات العامة من ذلك القبيل الذي ذكرت هو من أوجب واجبات مرحلة التحول التي نحن بصددها. ليس فقط لأنها تمثل تحديات رئيسية. ولكن أيضا لأنها تحظى بإجماع لا يكاد يختلف عليه أحد، الأمر الذي يعني أننا بذلك نحقق مكسبين في آن واحد. فنعبئ المجتمع لصالح قضاياه الكبرى من ناحية، ونحقق الإجماع الوطني الذي نفتقده من ناحية ثانية.
هناك نقطة أخرى جديرة بالملاحظة هي أن المنكرات العامة التي سبقت الإشارة إليها من الأمور التي لا تحتمل الاجتهاد أو الخلاف الفقهي (الاختلاط والغناء والموسيقى مثلا)، في حين أن المنكرات الخاصة والصغرى التي ينشغل بها السلفيون أكثرها محل خلاف. ومن الشروط التي تعارف عليها الأصوليون أنه لا ينبغي إنكار ما هو مختلف عليه، لأن ما يراه البعض خطأ قد يراه آخرون صوابا مباحا.
إن إخواننا هؤلاء مشغولون بالمحظورات وبالخصم من حياة الناس، لكنهم لا يحدثوننا عن المباحات أو أي إضافة تنفع الناس. علما بأن النص القرآني والأحاديث النبوية كلها قدمت الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر. لكنهم أسقطوا الشق الأول حين لم يدلوا الناس على أي معروف، وجعلوا النهي عن المنكر وحده قضيتهم ومحور حركتهم.
(3)
رغم أن الغموض والشك يحيطان بمن أطلقوا في مصر فكرة تأسيس هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنني لم أفهم لماذا تختص هيئة بذاتها بهذه المهمة، في مصر أو في غيرها من الدول. بل أكاد أزعم أن تأسيس مثل تلك الهيئة هو جزء من ابتذال الفكرة واستهلاكها. ذلك أن تكوين الدولة الحديثة وفر العديد من الوسائل والهياكل التي تنهض بالمهمة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكرات، العام منها والخاص. فالمؤسسات المتمثلة في الأحزاب والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان، والمجالس النيابية والمحلية المنتخبة، وكذلك الأجهزة الرقابية إذا كانت مستقلة، هذه كلها كيانات ومنابر تقوم من الناحية الموضوعية بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من زوايا مختلفة.
إن هذا التكليف الشرعي الجليل أكبر من أن تنهض به جهة بذاتها في داخل الدولة، وإنما تتوزع مهامه على كل أجهزة الدولة ومؤسساتها الأهلية، التي تتولى مسؤولية النهوض بالمجتمع وتحقيق الإصلاح السياسي والعدل الاجتماعي، كما تتولى مكافحة كل فساد أو انحراف فيه، جنبا إلى جنب مع مؤسسات التربية والتعليم والإعلام والوعظ والإرشاد. لذلك فمن الأوفق أن تدعو تلك المؤسسات لأن تتحمل مسؤوليتها إزاء تحقيق الإصلاح المنشود، بدلا من أن يترك الأمر لبعض الهواة الذين يتصورون أنهم يقومون بدور الوصاية على المجتمع فينفرون ويفسدون بأكثر مما يصلحون، كما حدث في التجارب الأخرى المماثلة.
(4)
بقيت عندي كلمتان في الموضوع، الأولى أن عملية تغيير المنكر ينبغي أن تمارس بعقل واع ويقظ تتوافر له أربعة شروط هي: 1ــ إدراك المقاصد العليا وتصويب النظر إليها طول الوقت. ويضرب المثل في ذلك بقصة النبي موسى وأخيه هارون، التي وردت في القرآن الكريم، حين غاب موسى عن قومه فأغراهم أحدهم ــ السامري ــ بعبادة العجل فعبدوه. وهو ما فاجأ سيدنا موسى عند عودته، فنهر أخاه وأنَّبه جراء ذلك ــ لكن الأخير رد عليه قائلا: «يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي« (سورة طه: 94). وقد استشهد الدكتور يوسف القرضاوي بالقصة في حديثه عن فقه الموازنات، حيث وجد أن هارون آثر أن يسكت على عبادة العجل ــ رغم أنها من قبيل الشرك ــ لكي يحافظ على وحدة قومه ويتجنب فتنتهم. وهي الحجة التي قبل بها النبي موسى ولم ينكرها. إذ وجد وجاهة في الإبقاء على وحدة قومه، وذلك هدف جليل، رغم مروق بعضهم وعبادتهم للعجل من دون الله.
2ــ ملاحظة أن ثمة ضرورات تفرض نفسها على الواقع على نحو يبرر إباحة بعض المحظورات. إذ كما أن للفرد ضروراته، فكذلك المجتمع الذي قد تفرض عليه ضرورات اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية. وهذه وتلك ينبغي أن تكون لها أحكامها الاستثنائية التي تستمر باستمرار الضرورة.
3ــ إنه لا غضاضة في السكوت على المنكر إذا ترتب على تغييره منكر أكبر منه، دفعا لأعظم المفسدتين وارتكابا لأخف الضررين، واستنادا إلى ذلك المبدأ قرر الفقهاء مثلا طاعة الإمام الفاسق إذا أدى خلعه إلى إثارة فتنة أكبر من فسقه.
4ــ ضرورة مراعاة سنة التدرج، وهو المبدأ الذي سار عليه الإسلام من البداية إذ تدرج بهم في الفرائض كالصلاة والصيام والجهاد. كما تدرج بهم في تحريم الخمر وحدوث التدرج في التشريع يسوغ التدرج في تنفيذ الأحكام.
الكلمة الثانية تخص المكلفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ذلك أن التغيير له مراتبه الثلاث المعروفة، ولكل مرتبة أهلها. وحسبما يذكر الشيخ محمود شلتوت، الإمام الأكبر، في كتابه «من توجيهات الإسلام»، فإن التغيير باليد منوط بالحكام القادرين على التغيير العملي العام وأرباب الأسر في محيطهم والمربين وسائر الرؤساء الذين ملكهم القانون شيئا من صور التغيير العملي. أما الإنكار بالقول ــ مرتبة التغيير الثانية ــ فهو منوط بأهل الوعظ والتوجيه سواء كانوا من رجال الدين والتربية والقائمين على منابر الإعلام. أما من يعجز عن التغيير بالفعل أو بالقول فعليه أن يعبر عن موقفه بما نسميه الإنكار السلبي، الذي يدفع المرء إلى مقاطعة أهل المعصية ومظانها. ذلك أن المؤمن إذا لم يستطع أن يكون حربا على الباطل وأهله، فلا أقل من ألا يصبح عونا لهم. كما يقول الشيخ محمد الغزالي.
إن الخفة التي يتعامل بها بعض المتدينين الهواة من التكاليف والأحكام الشرعية باتت تصد الناس عن سبيل الله، وتوفر للصائدين والكائدين زادا مستمرا للتخويف والترويع من الإسلام وأهله.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1131
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1098
| 27 سبتمبر 2026