رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحتاج إلى مراجعة ضرورية تنقذ مصر من ذكرى ضيعة الحاكم وتجنبها مصير «شخصنة» الحكم.
(١)
حين قال رئيس لجنة القوى العاملة بالبرلمان إن الرئيس عبد الفتاح السيسي يعمل وحده وإننا ينبغي أن ندعو الله لأن يعينه، فإن كلامه لم يكن تعبيرا عن رأى خاص به، وإنما كان ترديدا لمقولة شائعة تبثها وسائل الإعلام بصياغات مختلفة. فتلك هي الرسالة التي توجهها وسائل الإعلام في مواجهة كل أزمة تتعلق بقصور أداء السلطة. وأحيانا يعبر عن الموقف ذاته بالإشارة إلى أن الرئيس يتحرك بسرعة الصاروخ في حين أن الحكومة تلاحقه بسرعة السلحفاة، وهو ما لا يستغربه المرء حين يجد أنه لا شيء يتحرك في بر مصر إلا بتوجيهات من الرئيس. وقد صار ذلك معلنا على الملأ، حتى عبرت عنه صحيفة الأهرام (عدد ٦ يناير) حين أبرزت في عناوين صفحتها الأولى ما ذكره الرئيس في حفل افتتاح مشروعي تطوير ميناء سفاجة ودمياط أن طلب «عدم التعاقد مع شركات أو مستثمرين لتنفيذ مشروعات إلا بعد العرض عليه». وكان وزير الأوقاف سريع التجاوب مع هذه الرسالة، حتى قرأنا في اليوم التالي بيانا أصدرته الوزارة ذكرت فيه أنه تم إعداد قوائم خطب الجمعة للسنوات الخمس المقبلة، وأن اللجنة المختصة بالأمر سترفع هذه الخطة إلى رئيس الجمهورية.
القرائن التي تؤيد هذه الفكرة تتزايد حينا بعد حين، الأمر الذي ربط مقدرات البلد ومصيرها بشخص رئيس الجمهورية، وهي الخلفية التي دعت وكيل لجنة الخطة والموازنة إلى القول في تصريحات منشورة بأنه إذا لم يترشح الرئيس السيسي لانتخابات الرئاسة المقبلة «فإننا سننتحر».
(٢)
كنت قد تطرقت في الأسبوع الماضي إلى موضوع التوجيهات الرئاسية التي باتت تنقلها إلينا وسائل الإعلام كل صباح، وأرجعت ذلك إلى اهتمام الرئيس بالتفاصيل، وذكرت أن الحضور المكثف للرئيس في الفضاء العام له جذور في دستور عام ٢٠١٤ الذي أضعف سلطات رئيس الوزراء في حين أنه وسع من سلطات رئيس الجمهورية، استشهدت في ذلك بأن دستور ٢٠١٢ نص على اشتراك الحكومة مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها (المادة ١٦٧)، وهو ما تم إلغاؤه في دستور عام ٢٠١٤. وكان ذلك استدلالا خاطئا نبهني إليه بعض المختصين، الذين ذكروا أن المادة التي أشرت إليها في دستور ٢٠١٢ لم تلغ في الدستور الجديد. وحين رجعت إلى مؤلف المستشار ماجد شبيطة الذي رجعت إليه تأكدت من صحة خطأ التدليل الذي وقعت فيه. ذلك أن الذي ألغى نصا آخر أهم وأبعد أثرا أوردته المادة ١٢٢ في دستور عام ٢٠١٢ قضت بأن «يتولى رئيس الجمهورية مهامه من خلال رئيس الوزراء»، وبمقتضى ذلك لا يحق لرئيس الجمهورية أن يباشر مهامه التنفيذية، باستثناء عدد قليل من الاختصاصات المحددة حصرا إلا بواسطة رئيس مجلس الوزراء، وذلك إعمالا لقاعدة «التوقيع المجاور»، التي في ظلها يصبح الأصل ألا ينفرد الرئيس بالقرار، وإنما يتعين أن يكون القرار ثنائيا بحضور رئيس الحكومة.
ذكر المستشار شبيطة في مؤلفه حول سلطات رئيس الجمهورية أنه حين ألغيت المادة ١٢٢ في اجتماعات لجنة الخمسين التي بحثت تعديلات دستور ٢٠١٢، فإن عضو اللجنة الدكتور خيري عبد الدايم، علق على ذلك قائلا إن الإلغاء يعنى أنه أصبح بمقدور رئيس الجمهورية تنفيذ ما يريد قفزا فوق رئيس الوزراء والوزراء، كما أن بوسعه تعيين الموظفين العموميين وإقالتهم دون إخطار أو تشاور، الأمر الذي يعنى أن تركيز السلطة في يد الرئيس له جذوره في الدستور الحالي.
(٣)
في ٩ يوليو عام ٢٠١٥ أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارا بقانون أجاز لرئيس الجمهورية إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم. وكانت تلك إشارة إلى أن استمرار رؤساء تلك الأجهزة في مناصبهم بات معلقا على رضا رئيس الجمهورية رغم أن الدستور نص على استقلالها، وبقية القصة معروفة، لأن ضحية هذا التعديل التشريعي كان المستشار هشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات الذي عزل لأنه لم يكن مرضيا عنه.
الذي لا يقل خطورة عن ذلك أن جهدا موازيا بذل من جانب السلطة التنفيذية لإضعاف المجتمع وإخضاع منظماته المدنية لسلطاتها، بحيث لا تبقى في البلد مؤسسة لها استقلالها الحقيقي ولا مجتمع له بعض العافية التي تمكنه من أن يصبح ندا معبرا عن الرأي العام في مختلف القطاعات. ألفت الانتباه في هذا الصدد إلى نماذج ثلاثة ماثلة بين أيدينا كاشفة لمحاولات إخضاع مؤسسات المجتمع وإلحاقها بإرادة السلطة السياسية. هذه النماذج تتمثل فيما يلى:
< المشروع الذي قدم إلى البرلمان لتعديل قانون السلطة القضائية بحيث يصبح تعيين رؤساء الهيئات القضائية (المستقلة؟!) بقرار جمهوري وليس بقرار من مجلس القضاء الأعلى أو الجمعيات العمومية للقضاة. صحيح أن المشروع الذي قدم للبرلمان ينص على أن يصدر الرئيس قراره لاختيار واحد من ثلاثة ترشحهم الجمعيات العمومية، إلا أن ذلك يعنى أن الاختيار النهائي سيكون بيد رئيس الجمهورية وليس بيد الجمعيات العمومية للقضاة. فضلا عن أنه يفتح الباب للتنافس على استجلاب رضا الرئاسة للفوز بتلك المناصب. وهو ما يخل باستقلال القضاء ويلحقه عمليا بالسلطة التنفيذية.
< التنظيم الجديد للصحافة والإعلام، وقصته طويلة خلاصتها أن دستور عام ٢٠١٤ أنشأ ثلاث كيانات للإعلام كل واحد منها تديره هيئة وطنية «مستقلة»، ولتنزيل هذه النصوص على أرض الواقع، تولى المجلس الأعلى للصحافة بالتعاون مع نقابة الصحفيين المصريين إعداد مشروع قانون موحد للإعلام، اشترك فيه خبراء ومسؤولون من الجهات المعنية، وبعد الاتفاق على المشروع مع حكومتين متعاقبتين (للمهندس إبراهيم محلب والمهندس شريف إسماعيل)، حدثت مفاجأتان الأولى أن القانون الموحد أصبح اثنين، والثانية أن أصابع خفية تلاعبت بالنصوص الأصلية، بحيث أدت عمليا إلى إخضاع الكيانات الثلاثة لنفوذ الأجهزة التنفيذية، وقيدت من حرية الإعلاميين إلى الحد الذي أعاد إحياء فكرة الحبس في قضايا النشر، وثمة ملاحظات كثيرة في هذا الصدد يهمنا منها أن تعيين رؤساء الكيانات الثلاثة أصبح يتم بقرار من رئيس الجمهورية، الذي يختص فضلا عن ذلك بتعيين ثلاثة آخرين من أعضاء مجلس إدارة كل كيان مستقل(!). صحيح أن ذلك يفترض أن يتم باختيار كل واحد من بين اثنين يرشحهم الإعلاميون والصحفيون، إلا أن الأهم أن رئيس الجمهورية أصبح حاضرا من خلال قراره على رأس كل كيان. ويثير الانتباه في هذا الصدد أن تدخل الرئيس لم يكن واردا في البداية، وأن الأمر كله كان متروكا للجماعة الصحفية، إلا أن ممثل وزير العدل اقترح أن يكون تعيين رئيس كل كيان بقرار من الرئيس، ثم تطور الأمر بحيث أصبح الرئيس يختار واحدا من ثلاثة مرشحين، الأمر الذي انتهى إلى صيغة بسطت سلطة الرئاسة والأجهزة التنفيذية على مصير المؤسسات الصحفية والإعلامية.
< النموذج الثالث الذي لا يقل فداحة ويتمثل في مشروع قانون الجمعيات الأهلية، الذي كان قد أعد بتوافق وتفاهم مع وزارة التضامن الاجتماعي، ولكن الأجهزة الخفية تجاهلته وأعدت مشروعا آخر أجازه مجلس النواب، نزع استقلال المنظمات الأهلية، وأخضعها لسلطة الأجهزة الأمنية، الأمر الذي أدى إلى تأميم المجتمع الأهلي، وألغى أي دور حقيقى لمنظمات المجتمع المدني، ولن أفصل في الموضوع، لأنه نال حقه من التشريح والنقد في وسائل الإعلام المصرية.
(٤)
المشهد الذي نحن بصدده ليس جديدا تماما، ولكن له جذوره في التاريخ الفرعوني، وقد وفي الدكتور جمال حمدان الموضوع حقه في الجزء الأول من موسوعته «شخصية مصر» إذ أرجع الأمر إلى طبيعة المجتمع الحقيقي الذي حول الفرعون إلى الملك الإله الذي صار ضابطا للنهر وضابطا للناس، وهو ما ضاعف من قوة السلطة المركزية في مصر. الأمر الذي دفع رفاعة الطهطاوي إلى القول في «مناهج الألباب» بأنه: «ليس في ممالك الدنيا لصاحبها النفوذ الحقيقي الذي لصاحب مصر». واعتبر الدكتور حمدان في تحليله لأصل الطغيان في مصر أنها أصبحت منذ تلك العهود السحيقة بمثابة «ضيعة كبرى للحاكم».
المستشار طارق البشرى قدم قراءة معاصرة للظاهرة في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك»، إذ أرجع الأمر إلى ما وصفه بشخصنة الدولة التي هي غير الحاكم المطلق أو المستبد. وفي رأيه أن القائم على الدولة المتشخصنة لا تربطه عائلة أو قبيلة ولا نقابة أو جماعة دينية ولا حزب سياسي أو طبقة اجتماعية. إذ هو يسيطر بذاته على مفاتيح السلطة، وتصير آلة الحكم وأجهزته كلها تحت إمرته. ولا يقيده إلا الإمكانات المادية للدولة وأجهزتها في الحركة والنفوذ. وهو يتغلب على ضغط عمال الدولة عليه بأن يشخصن الفئة المحيطة به بإبقائهم في وظائفهم لأطول مدة، بحيث تحل العلاقات الشخصية محل علاقات العمل الموضوعية. الأمر الذي يجعله نظاما منغلقا، لا ينفتح على خارج ذاته، ولا تقوم آلية ما لإجراء أي تعديل فيه أو تجديد. لذلك كان صفة لازمة للدولة المتشخصنة هي أن تسعى دائما إلى تثبيت الأمر الواقع ومقاومة التغيير حتى وإن ادعته.
إذ كانت فكرة الضيعة الكبرى للحاكم قد صارت تاريخا، وأن شخصنة الدولة باتت واقعا، فلا نجاة لمصر إلا في الدولة الديمقراطية التي تنسخ ما فات وتوفر لشعبها طوق النجاة في الحاضر والمستقبل.
حين يفقد العالم ثقته الرقمية
يدخل العالم مرحلة رقمية غير مسبوقة تتسارع فيها التحولات التقنية بصورة تعيد رسم ملامح الاقتصاد والسياسة والأمن والعلاقات... اقرأ المزيد
117
| 26 مايو 2026
في بريطانيا، هناك أشياء كثيرة لم تعد تعمل كما كانت في السابق. الاقتصاد يواجه ضغوطًا متزايدة، والخدمات العامة... اقرأ المزيد
156
| 26 مايو 2026
تسليع الانتباه.. الاقتصاد الخفي في العصر الرقمي
لم تعد الثروة في العصر الحديث تُقاس فقط بالنفط أو رأس المال أو الإنتاج الصناعي، بل أصبح “الانتباه”... اقرأ المزيد
117
| 26 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1662
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1128
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026