رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(عواجيز) نظام حسني يشتغلون الآن وبكل ما أوتوا من خبث ودهاء وخبرة ودعم خارجي على تفتيت ثورة الجماهير والمنتفضين التي بات يطلق عليها ثورة 25 يناير.. ويمكن رصد تحركاتهم لسحق هذه الثورة في ثلاثة محاور حتى الآن: أولا: تقديم خطاب شبابي عاطفي وجدلي يصل إلى تبني الثورة ومطالبها ومحاولة سحر الرأي العام بوعود الانفتاح اللامحدود والوعود اللامتناهية، ثانيا: المعازلة والحيلولة بين الجماهير الغاضبة والنخب والأحزاب والجماعات المعارضة التي يفترض أنها تمثل هذه الجماهير ؛ من خلال: إثارة التسابقات والفوارق الفردية والحزبية بين أطيافها، ومن خلال تكرار الالتقاء والتواصل معها على شكل الحوارات تحت عنوان (البحث عن مخرج).. " ثالثا: محاولة حصر الثورة في ظاهرة الصراخ والشعارات والاحتجاجات (السلمية) وفي مكان محدود من ميدان التحرير وفي أوقات محدودة من كل أسبوع أو شهر وبعيدا عن تعطيل عجلة الحياة اليومية وبعيدا عن فكرة العصيان المدني والإضرابات العامة الشاملة التي قد تنتهي بإسقاط النظام..
خطير على الثورة أن تراوح مكانها وأن تفقد قدرتها على التقدم، والأخطر عليها أن يمسك النظام (سواء في صورة مبارك أو صورة عمر سليمان) بزمام المبادرة.. وللأسف هذا ما بات يهددها.. فإذا كنا نشخص كيفية وأثر زمام المبادرة والقدرة على التقدم والتهديد في حسم المواجهة بين النظام والثورة فلنتذكر أن الثورة بدأت بالخروج إلى الشوارع، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية في تحدي وتخطي الخوف بمواجهة قوى الأمن المركزي التي كانت مواجهات دموية ولكنها انتهت بفرار قوى الأمن المركزي أمام زحف الجموع على مقراته وإتلافها وعلى مقرات الحزب الحاكم وحرقها والتهديد بالوصول إلى مبنى التليفزيون ووزارة الداخلية والقصر الجمهوري.. ثم جاءت المرحلة الثالثة التي تجسدت في تعطيل عجلة الدولة ومؤسساتها فخسرت البورصة ما يزيد على 15 %.. لنتذكر أن كل ذلك تحقق في الأيام الثلاثة الأولى وأن كل تنازلات النظام وخطابات " عجوز النظام " جاءت في نفس فترة الأيام الثلاثة..
لقد كانت ثورة مطردة ومتطورة وهددت بالفعل وجود الدولة كدولة وليس النظام فقط.. فإن قيل: وهل هذا إنجاز يعتد به أو يشاد به؟ وأقول نعم ؛ فهو يؤدي– في العادة - (ولدينا أكثر من ثورة كنموذج على ذلك وبالأخص الفرنسية) يؤدي لهبوب جهات داخلية وخارجية لتوقي التفاعلات والتفاقمات حماية للدولة من ناحية وتوقيا من عقابيل الفلتان على دول الجوار من ناحية أخرى، وينقل القضية من المحلية إلى العالمية إعلاميا وسياسيا.. فإذا كنا نتحدث عن مصر وعن (إسرائيل) في محيطها فإن الأمر يأخذ مستوى آخر من الجدية والعالمية تسارعا واهتماما.. ذلك يفسر سرعة تخلي أمريكا عن - حليفها بل عميلها - الذي دعمته وعززت كل جرائمه وفساده ودكتاتوريته ضد شعبه وأمته طيلة الثلاثين سنة التي حكمها..
ربما يقول قائل: ذلك (الفلتان) هو الفوضى بعينها التي أرادها النظام.. بدليل الوثائق المسربة من مراكز الأمن أو التي اكتشفت عندما تمت السيطرة عليها.. وأقول: ليست هذه الفوضى هي ما نقصد فالفوضى نوعان ؛ فوضى استهداف النظام بمراكزه ومعالمه ورموز فساده وبرفض ممارساته.. وهي بهذا المعنى لغة عالمية تفهمها وتتحدث بها كل الثورات التصحيحية القديمة والحديثة ولا يسئ فيها الثوار إلا للنظام.. وهي فوضى إيجابية وإصلاحية ولا تسمى فوضى إلا تجاوزا.. أما الفوضى الذي أرادها وخطط لها فقد كانت تستهدف المواطنين وبيوتهم وأموالهم لتخويفهم وإرجاعهم عن فعاليات الثورة.. فالفوضى إذن غير الفوضى والهدف غير الهدف..
ما يخشى على الثورة منه هو ؛ 1- الغرق في التفاصيل التي تبتعد عن الهدف الأساسي الذي هو إسقاط النظام وفي الحد الأدنى إسقاط مبارك وعدم تقبل بقية النظام إلا في سياق (المرحلة مؤقتة، ولتنفيذ الإصلاحات الموعودة، وتنظيم نقل السلطة) 2- وأن تتحول النخب إلى وسطاء بين النظام والمحتجين ما يخرجها من المعسكر الجماهيري الذي يجب أن تكون فيه وأن تتقوى به وأن تقويه، 3- وأن تقع النخب والمعارضة في التسابق على التمثيل أمام الحكومة وعلى تقاسم كعكة النظام ما يساوي بين القوى الكبرى الحقيقية والقوى المهمشة التي ليس لها واقع في الميدان، ويساوى بين من لم تخل سجون الطاغية منهم ومن كانوا في ظله وتحت جناحه وكانوا مطيته لتزوير إرادة الشعب 4- وما يخشى منه أيضا أن تدفع الحاجة إلى الاعتماد الرسمي والهيبة الكامنة في نفوس " بعض " المعارضة وغفلتهم عن المتغيرات الجارية وعن أن النظام لم يعد هو ذاته الذي كان حاكما متسلطا ومقتدرا وباطشا كما خبروه ؛ الخشية هنا أن تدفعهم الحاجة والغفلة إلى مزيد من التردد على رئاسة الوزراء وعلى القصر الجمهوري وعلى مبنى تليفزيون النظام (مهما كانت العناوين) ففي ذلك ما فيه من خسارة الشرعية الجماهيرية بالنسبة لهم بقدر ما فيه للنظام من كسب نقيضها، 5- ويخشى أن تفهم المعارضة أن عملها الوحيد هو ترشيد الثورة والبحث عن حل وعن مكان في الحل، وأن تكتفي بالكلام والتحليلات وفي أحسن الأحوال بالتحريض.. وتنسى أن دورها هو النواة الصلبة التي تقوم بدور المحرض على الثورة والمفعل لأدواتها والمعمم لمفاعيلها والمحصن لمطالبها والرافع لسقوفها والممثل لتضحياتها، وأن عليها دفع ورفع رموز ناضجة منظمة ومؤصلة لرفض النظام وواعية لمحاولاته والتفافاته بما يناسب المرحلة والطموح..
آخر القول: عواجيز حسني " يحاولون إعطاء الانطباع بأن النظام لا يزال قائما، وأنه لا يزال الطرف المهم والمؤثر والمعتمد، وإعطاء الانطباع بأن المعارضة تلهث وراء التواصل معهم.. لذلك فإن على الثورة في مصر أن تعيد الإمساك بالمبادرة وأن لا تتوقف عن إبداع أدوات الضغط ومظاهر التصعيد، وأن تكتسب خبرة في مواجهة هؤلاء العواجيز مماثلة أو زائدة عما يكسبونه هم في مواجهتها، وعلى الثورة أن لا تسمح لهم بمبيت ليلة إلا على خيبة ولا بصحو يوم إلا على خوف.. وأن تضعهم طيلة الوقت بين اضطرارين إما التنازل وإما التصعيد، وإما التنازل الآن أو التنازل عن أكثر منه بعد ساعة.. وآخر القول أيضا: إن على المعارضة أن لا يستخفها نظام العواجيز إلى تصعيد غير محسوب، ولا إلى حوارات عبثية لا توطد إلا سوء ظن بها وأحقية للعواجيز لا يستحقونها..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4281
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2403
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1155
| 28 سبتمبر 2026