رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى أن إطلاق إستراتيجية التنمية الوطنية يدشن حقبة جديدة في تاريخ قطر الحديث ستمتد إلى عام 2030، وهي حقبة ستشهد تنفيذ عدد كبير جداً من المبادرات والمشروعات التي تحقق رؤية قطر الوطنية التي تمت صياغتها وإطلاقها في عام 2008. وتضع الإستراتيجية في صلب اهتماماتها الموازنة بين الخيارات المتاحة، لتحقيق أهداف الرؤية الوطنية، وبما يساعد على التغلب على التحديات التي رصدتها الرؤية الوطنية. وأقدم في مقال اليوم ملخصاً لأهم ما تضمنته وثيقة الإستراتيجية من توقعات بشأن الاقتصاد القطري حتى عام 2016:
1- تفترض الوثيقة أن سعر برميل النفط سيكون 86 دولارا للبرميل في المتوسط، بينما سيكون سعر الغاز عند مستوى 9.60 دولار للمليون وحدة حرارية. كما تفترض أن إنتاج النفط سينخفض عما كان عليه في عام 2009، أو أنه سيبقى بالكاد دون تغير، بينما سيظل إنتاج الغاز ثابتاً من دون زيادة بعد عام 2011 وحتى نهاية عام 2015 على الأقل. وبناء على ذلك فإن نمو الصادرات القطرية من السلع والخدمات سيتباطأ بشكل حاد بعد عام 2012 ليصل إلى معدل 1% فقط بحيث يرتفع إجمالي الصادرات من 89.4 مليار دولار عام 2011 إلى 100 مليار دولار عام 2016. وسترتفع نسبة رصيد الحساب الجاري (أي صافي الصادرات والواردات من السلع والخدمات) إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 24% في الفترة 2011 – 2012 ثم تنخفض إلى 15% عام 2016، وهذه النسبة تظل رغم انخفاضها مرتفعة بالمقارنات الدولية.
2- من المتوقع أن يسجل الاقتصاد القطري نمواً حقيقياً بمعدل 15.7% في عام 2011، ثم ينخفض إلى 7.1% في عام 2012، ثم يهبط المعدل إلى 4.7% في العامين التاليين، ثم يرتفع قليلاً في عام 2016 إلى 5.1%. أما بالأسعار الجارية للناتج المحلي الإجمالي، فإن المعدل سيصل إلى 11.7% في عام 2011 ثم ينخفض إلى ما بين 7.2-7.8% سنوياً حتى عام 2015 وإلى 2.1% في عام 2016، ليصل الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية إلى 775 مليار ريال. وستؤدي هذه التغيرات إلى تراجع أهمية مساهمة قطاع النفط والغاز في إجمالي الناتج المحلي من 46% عام 2009 إلى 42% عام 2016.
3- سيكون قطاع الخدمات هو المحرك الرئيس للاقتصاد بعد عام 2011. وقد تنمو قطاعات النقل والاتصالات والأعمال والخدمات المالية بقوة خلال هذه الفترة. كما أن الأنشطة المرتبطة بكأس العالم 2022 من شأنها أن توفر فرصا جديدة في قطاع السياحة وفي المجالات الأخرى أيضا. ويتوقع أن يوفر مطار الدوحة الجديد مركزا نشطا للنقل الجوي،كما أن التعديلات على قانون الاستثمار الأجنبي المباشر التي تمت في أوائل عام 2010 -والتي تسمح بالملكية الأجنبية للمشاريع والشركات بنسبة %100 في قطاعات ذات الصلة بالخدمات -ربما تسهم في نمو قطاع الخدمات، بحيث قد ترتفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام2016 إلى %40 مقارنة بـ 36% عام 2009.
4- سينمو قطاع الإنشاءات بشكل محدود بحيث ترتفع أهميته النسبية من 7% عام 2009 إلى 8% عام2016، بينما سيستفيد قطاع الصناعة التحويلية من التوسع في صناعة الأسمدة الكيماوية والبتروكيماويات، ومن مبادرات السياسة المقبلة التي تركز على إنشاء المشاريع وترويج الصادرات والابتكارات في العلوم والتكنولوجيا.
5- من المتوقع أن ينمو إجمالي سكان دولة قطر بمعدل 2.1% تقريبا خلال الفترة 2011-2016 حيث يرتفع إجمالي عدد السكان من حوالي 1.64 مليون نسمة مع نهاية 2010 إلى قرابة من 1.9 مليون نسمة عام 2016. وهذه الافتراضات تعتمد على حدوث زيادة في نسبة الوافدين من ذوي المهارات العالية والأجور المرتفعة، ولكن إذا استمر نمط الأجور المنخفضة، فإن عدد السكان سيكون أكبر وسيعمل موضوع تنظيم كأس العالم باتجاه زيادة السكان أيضاً.
6- سيصل مجموع الاستثمار المحلي الإجمالي إلى 820 مليار ريال خلال الفترة 2011- 2016 (347 مليار ريال من استثمارات الحكومة المركزية + 85 مليار ريال من قطاع النفط والغاز + 389 مليار ريال من القطاع الخاص غير الهيدروكربوني). وسيأخذ الاستثمار الخاص دوراً قياديا في دفع عجلة النمو بتحفيز من شركات ترتبط بالحكومة مثل بروة والريان وقطر للألمنيوم وبنك قطر الوطني، وسيؤدي ذلك إلى مضاعفة نسبة استثمار القطاع الخاص إلى الناتج المحلي إلى 15% بحلول عام 2016. وسيصل الإنفاق على البنية التحتية إلى ذروته في عام 2012، وسيستقر نموه بعد ذلك عند معدل 5% سنويا.
7- تتنبه وثيقة الإستراتيجية إلى احتمال انخفاض سعر برميل النفط إلى 74 دولاراً للبرميل، وفي هذه الحالة ستنخفض معدلات النمو الاقتصادي المشار إليها في البند (2) أعلاه بمقدار نقطتين لكل منها، وسينخفض فائض الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 4% عام 2016 بدلا من 6% في السيناريو الأساسي.وهناك افتراضات أكثر تشاؤما تفترض انخفاض سعر النفط دون 74 دولاراً للبرميل؛ حيث يتحول الفائض في الموازنة إلى عجز. وتشير الإستراتيجية إلى أن هناك احتمالا أن ينخفض سعر الغاز بنسبة %30 إلى 6.9 دولار للمليون وحدة حرارية، وسيكون لذلك تأثير قليل على الموازنة العامة التي تعتمد أكثر على إيرادات النفط، ولكن الانخفاض المذكور سيؤثر سلباً على الدخل أو على أرصدة الصندوق السيادي للحكومة بحيث تنخفض بما مجموعه 357 مليار ريال طيلة الفترة حتى 2016.
8- سيواصل الدين الخارجي نموه باضطراد ليرتفع من 62.3 مليار دولار في عام 2011 إلى 91.3 مليار عام 2016، وسيشهد الدين العام(الحكومي فقط) تراجعاً محدوداً خلال الفترة إلى 8.7 مليار دولار في عام 2016 مقارنة بـ 9.9 مليار دولار عام 2011. وأما مجمل خدمة الدين الخارجي فسيتضاعف من 1.8 مليار دولار عام 2011 إلى 5.5 مليار دولار عام 2016.
9- يمكن أن يكون لاستضافة كأس العالم في المدى القريب أثر كبير على التداول التجاري والنشاط الاستثماري بهدف المضاربة. ولكن ستكون الآثار مؤقتة، وستقوم الحكومة بمتابعة المستجدات لضمان منع إساءة استخدام عوامل السوق ولحماية الصالح العام ومصالح الجمهور.
ومن منظور طموحات التنويع الاقتصادي فإن للاستضافة فوائد من قبيل أنها توفر شراكة بين القطاع الحكومي والخاص في بعض المشاريع، وإمكانية تشكيل تحالفات إستراتيجية مع الشركات الخارجية والعمل على نقل التكنولوجيا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4194
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2631
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1635
| 29 مايو 2026