رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما زالت السيناريوهات المتوقعة والتي يمكن أن تحدث خلال الفترة المقبلة في التعامل مع ملف الأزمة السورية تتعقد وتتشابك، ورغم مرور قرابة الشهر على إعلان نظام الرئيس السوري بشار الأسد،(على مضض)، موافقته على خطة السلام السورية التي أطلقها كوفي عنان المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، والمرتكزة على ست نقاط لإنهاء الصراع المستمر منذ عام في سوريا بين نظام الأسد والمعارضة، إلا أن أعمال العنف ما زالت مستمرة في زعزعة استقرار البلاد خاصة مع الانفجارين الكبيرين اللذين ضربا مؤخرا دمشق وحلب، في حين ما زالت هناك تقارير حكومية سورية تتحدث عن الاعتداءات المتكررة على الجيش السوري في مختلف المناطق السورية.
وأثارت الهجمات الأخيرة الكثير من الجدل حول إمكانية إيجاد حل للمشهد الدموي للانتفاضة السورية ذات الأربعة عشر شهرا عبر التركيز على الحل السياسي والدبلوماسي، وعلى ضوء عدم وجود أي بادرة لإنهاء الأزمة، سواء عبر التحركات السياسية أو الجولات الدبلوماسية، بما في ذلك خطة الوسيط الأممي كوفي عنان، لم يعد على طاولة الدول العربية والمجتمع الدولي سوى خارطة طريق واحدة لا غير، وهي اتخاذ موقف أكثر تشددا حيال هذا النظام، يتضمن الحل العسكري لإنهاء الأزمة. لقد أظهرت الإجراءات الحالية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد في قمعه للاحتجاجات المناهضة له، تجاهلا سافرا لأحد أهم بنود خطة عنان، وهو وقف إطلاق النار والانسحاب من المناطق المشتعلة، بالإضافة لعدم تنفيذ السلطات السورية لكامل تعهداتها وفق بنود الخطة، وبذلك وضح جليا أن النظام السوري لا يفي بالالتزامات التي أخذها على نفسه حيال خطة كوفي عنان، ولا نية لديه للتنفيذ. فماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟
وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن الأوضاع في سوريا قد وصلت إلى "مرحلة لا تطاق" وأنه سيتم الإسراع في نشر مراقبين من الأمم المتحدة، في هذه الأثناء أعلن وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أن فرنسا ستطلب من الأمم المتحدة التفكير في القيام بإجراءات أخرى تتضمن عملا عسكريا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إذا ما فشلت خطة السلام الدولية لوقف العنف، اصطفافا مع موقف الولايات المتحدة بشأن هذه القضية.
ولكن، ورغم كل هذا الحديث حول التدخل العسكري، فإن المجتمع الدولي لم يتخذ سوى القليل جدا من الإجراءات، وحتى قرار فرض منطقة حظر طيران فوق سوريا، وهو أضعف الإيمان وأقل الحلول قسوة من بين جميع الخيارات العسكرية ضد سوريا، قد أثار الكثير من ردود الفعل المتباينة من قبل الكثير من الدول.
كذلك أعلن حلف الناتو عدة مرات أنه لا يعتزم التدخل في سوريا، وجاءت تأكيدات الأمين العام، أندرس فوج راسموسن، في أكثر من مرة، باستبعاد التدخل العسكري لحل الأزمة السورية لاختلافها عن الحالة الليبية، ولعدم وجود تفويض مباشر من الأمم المتحدة، وأنه في حالة ليبيا كان هناك تفويض واضح من الأمم المتحدة وكان هناك تأييد من الدول الأعضاء في الحلف، وهو ما ليس متوافرا في الحالة السورية في الوقت الراهن، فضلا عن أن سوريا - حسب راسموسن - بلد أكثر تعقيدا، لذا فإن أي عملية عسكرية هناك يمكن أن تؤدي إلى صراعات كبرى ربما تقود إلى حرب أهلية، ولذلك يجب أن يكون هناك حل سياسي مع دور قوي لدول المنطقة.
وفيما يواصل المجتمع الدولي انقسامه بشأن اتخاذ إجراءات عسكرية حاسمة ضد النظام السوري لإنهاء الصراع في سوريا، فإن المئات من المواطنين السوريين ما زالوا يُقتلون يوميا، حيث تقدر الأمم المتحدة عدد ضحايا الانتفاضة في سوريا بنحو 9000 شخص، بحسب آخر إحصائية لها في نهاية مارس الماضي، بينما يوجد في لبنان وحدها حوالي 24000 لاجئ سوري نزحوا بسبب القمع الدموي من قبل السلطات السورية، كما تسببت المأساة الإنسانية في سوريا في نزوح الآلاف من اللاجئين عبر الحدود مع تركيا التي أضحت ملاذا آمنا لنحو 25000 من اللاجئين السوريين، ومثلها في الأردن، وقدرت جماعات حقوق الإنسان والمنظمات الخيرية بأن أعداد القتلى واللاجئين تتجاوز هذه الأرقام بكثير، وسوف تستمر في الزيادة في ظل عدم وجود حل حاسم لنهاية الأزمة السورية.
ومع عدم وجود تباشير حل ملموس تلوح في الأفق، كم هي كمية الدماء المطلوبة لتسفك وأرواح مواطنين أبرياء لتهدر في كل دقيقة، حتى يستيقظ المجتمع الدولي؟ وحتى يتخذ إجراءات عسكرية ضد النظام في سوريا؟ هل ينتظر المجتمع الدولي حدوث مجزرة أخرى مماثلة لتلك التي حدثت في كوسوفو، حينما كانت تتم عمليات اغتيال وارتكاب مجازر وأعمال قتل وتعذيب بشعة وإبادة جماعية وحشية لألبان كوسوفو على يد القوات الصربية، قبل أن يتخذ حلف شمال الأطلسي في نهاية الأمر قراراً بشن ضربات جوية في عام 1999 بعد فشل محادثات السلام؟
إذا ما المطلوب من الشعب السوري المغلوب على أمره؟ هل يواصل ثورته ضد النظام القمعي باعتبار أن انتصاره أمر محتوم ومؤكد؟ وأن الحرية للشعب السوري قادمة لا محالة ولكنها تحتاج إلى المزيد من الشهداء لأن أعداد من قضوا خلال الانتفاضة لا تكاد تكفي ثمن الحرية؟
إن تردد المجتمع الدولي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية يضع على عاتق هذه المنظمات الدولية كامل المسؤولية عن آلاف الأرواح السورية التي تم إزهاقها، لأنها - رغم جاهزيتها - لا تزال تراقب تفاقم النزاع في سوريا والذي سيودي بها إلى أتون حرب أهلية. إن غسل أيديهم في إناء القضية السورية ليس خيارا أخلاقيا، طالما أن أياديهم ما زالت ملطخة بدماء عدد كبير من السوريين الذين قتلوا خلال الانتفاضة.
بجانب ذلك، فإن حق النقض الفيتو الروسي - الصيني بشأن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي دعا الأسد إلى التنحي، وهذه المواقف المتباينة إزاء اتخاذ إجراءات عملية للتدخل العسكري ضد سوريا، لاسيَّما من جانب الدول الغربية القوية النفوذ، يمكن تفسيرها بأن هذه الدول منشغلة حاليا بقضايا الانتخابات الداخلية، فالولايات المتحدة على وشك إجراء انتخابات رئاسية، في حين أن بريطانيا قد أنهت مؤخرا انتخاباتها المحلية، كما انتخبت فرنسا للتو رئيسا جديدا لها هذا الأسبوع خلفا للرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي كان من الداعمين لخيار العمل العسكري في ليبيا، والذي يعتبره الجميع حلا سحريا مكن الشعب الليبي من انتزاع حريته وخلاصه من النظام الدموي البائد رغم الخسائر في الأرواح. وكان الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا فرانسوا هولاند قد صرح خلال حملته الانتخابية أنه يؤيد القيام بعمل عسكري ضد سوريا، طالما أنه يقع ضمن إطار الأمم المتحدة. يبقى علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كان فعله سيطابق قوله ووعده.
ومن خلال مواقف الإدارات الحالية لهذه الدول القوية، فإنه يتضح لنا أمران لا ثالث لهما، إما أن تكون هذه الإدارات غير راغبة في اتخاذ مثل تلك القرارات الخطيرة التي ربما أن تعرقل مجهودات ترشحها في الانتخابات الجارية، أو أن هذه الإدارات قد تم انتخابها حديثا وتربعت للتو على قمة هرم السلطة ولم يجف بعد حبر بطاقات ناخبيها وتحتاج إلى وقت لتثبيت دعائم حكوماتها. وطالما أن هذا هو حال الدول الكبرى ذات النفوذ، فإن إمكانية بوادر حل الأزمة السورية، لاسيَّما عبر الخيار العسكري، لن تلوح في الأفق قريبا خاصة أن الإدارات الحالية في هذه البلدان إما أنها لا تزال غير واثقة من إمكانية فوزها في الانتخابات الجارية حاليا، أو أن عليها بذل المزيد من الوقت من أجل تحقيق الاستقرار لحكوماتها المنتخبة حديثا. إنه من المعيب أن نشهد انقساما بين الدول من أجل مصالحها السياسية وأجنداتها المرحلية ومساوماتها على كراسي السلطة ونفوذها السياسي.
ومع كل ذلك، فإن محاولات تجنب إصدار قرار حاسم باتخاذ إجراءات عسكرية لحل الأزمة السورية، من أجل الفوز في الانتخابات، هو عمل تجانبه الحكمة والعقل والشجاعة السياسية والأخلاقية، والطبيعة الديناميكية للأزمة السورية تعني أن هناك "لاعبين" يريدون الاستفادة من الوضع، وفي الوقت الذي ستقرر فيه الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية القيام بعمل عسكري في نهاية الأمر، فإنها ستكون قد وضعت نفسها في وضع حرج وغير موات، إذ سيكون من الصعب عليهم بعد ذلك كسب ثقة واحترام شعوب الدول، ناهيكم عن احترام الشعب السوري، حيث سينظرون إلى هذه المؤسسات باعتبارها غير فعالة وليس لها أي سلطة حقيقية أو أهمية تذكر على أرض الواقع. وفي أثناء ذلك، سيظل السوريون يقدمون المزيد من شهدائهم وسيستمر العالم كذلك في المشاهدة.
إن الحديث عن أن التدخل العسكري في سوريا ربما سيؤدي إلى حرب أهلية يمكن أن يطول أمدها ليس مبررا كافيا لرفض الخيار العسكري لحل الأزمة السورية، لأن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى حرب إبادة شاملة. ولقد أثبت تاريخ الربيع العربي الحديث أن أنظمة القمع التي تقتل شعوبها من أجل نزوة البقاء في السلطة، لم تعد تجدي معها أي حلول أو حوارات دبلوماسية.
مناورات سياسية قبل الانتخابات التركية
ستخوض تركيا انتخابات رئاسية حاسمة في عام 2028. وسيكون السؤال المهم في هذه الانتخابات هو ما إذا كان... اقرأ المزيد
111
| 24 مايو 2026
ذاكرتنا التي سرقها الهاتف
قبل أيام، بحثت طويلًا عن رقم هاتف كنت أحفظه منذ أكثر من عشرين عامًا. رقم أعرف إيقاعه كما... اقرأ المزيد
51
| 24 مايو 2026
غريب في البيت
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك... اقرأ المزيد
81
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1446
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1293
| 19 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1257
| 23 مايو 2026