رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد الربيع العربي، وما تلاه من تحولات من تغيرات ديناميكية في الحياة الديمقراطية في العديد من الدول العربية،ناقشت بعض الأقلام التجربة النبوية بشكل أعمق، وأوفى سواء في الفترة التي هاجر فيها الرسول (ص) إلى المدينة، ثم في فترة الخلافة الراشدة ، أو أنها لا تريد أن تقول عكس الواقع كما تحقق في ذلك العصر ، وأنها ربما ترفض ذلك لأسباب فكرية وأيديولوجية، والحقيقة أن هذه المقولات ليست جديدة، فقد طرحها العديد من المستشرقين في ظروف كثيرة لأسباب لا تخفى على المتابع الحصيف، وشايع هذا الطرح بعض من أبناء جلدتنا ممن تأثروا بالفكر الاستشراقي، وقد تراجع بعض هؤلاء عن هذه النظرة، ولا يزال البعض يردد هذه المقولة بين الفينة والأخرى،والواقع أن الدولة في العصر الأول الإسلامي قامت ككيان ضمن الاجتماع السياسي الإسلامي الأول في المدينة،ثم أفضى إلى دولة كاملة في أنشطتها المتعددة ، كما تحقق لهذه الدولة العقد الاجتماعي السياسي لهذه الأمة من خلال دستور ( صحيفة) المدينة التي جمعت سكانها جميعا، والذي يؤسس لحقوق المواطنة الكاملة بمقاييس عصرنا، ويحدد الحقوق والواجبات لهذا المجتمع المدني الإسلامي الوليد في ذلك العصر .ولم تقتصر مواد هذه الصحيفة على المسلمين فقط ، بل ضمنت أيضاً الطوائف والتكوينات الأخرى من غير المسلمين كاليهود وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، واعتبرتهم أمة واحدة من دون الناس ، ولذلك نصت هذه الوثيقة الدستورية على اعتبار اليهود المقيمين في المدينة من مواطني هذه الدولة الوليدة ، وحددت مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات، كما تضمنت الصحيفة تنظيما للمسؤوليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتجاهلت هذه الصحيفة نظام القبيلة ضمن بنودها، بما يجعل الجميع أمة واحدة، يتناصرون بينهم وفق رباط هذا العقد الاجتماعي، ولم يميز المسلم وغير المسلم في هذا الدستور، وهو مبدأ رفيع سبق الإسلام كل النظم التي سبقته في تقرير المواطنة دون اعتبار للدين أو القبيلة أو الانتماء العرقي.
والدولة في الاصطلاح السياسي المعاصر، هي مجموعة من الناس تستقر في أرض معينة، أو حيز جغرافي محدد، وتعيش في ظل سلطة منظمة تخضع للقانون، وهذا ما حصل للدولة النبوية الأولى عند قيامها في المدينة، وأن أفرادها كانوا يخضعون للقانون والسلطة تحاسبهم، وهناك الكثير من الوقائع التي مورست فيها تطبيقات التشريع، باعتباره من ممارسات الدولة وسلطتها الآمرة . صحيح أن الإسلام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة، جاء ليقيم الدين في الأساس، وهداية البشر،وتنمية الإنسان على الأخلاق والسلوك والقيم إلخ: لكن هذا الدين ليس عقيدة فحسب،بل إن الوحي الإلهي جاء بتشريع مع هذا الدين ليتم تطبيقه على هذه الأمة، وهذا التشريع لا بد من دولة وسلطة تنفذه وتطبقه، لتنظيم العلاقات بين الناس ، والفرد في هذا المجتمع المسلم الذي يضمه مع بقية الإفراد الآخرين لا يمكن أن تنظم حياتهم دون سلطة سياسية قاهرة تقوم بالضبط الاجتماعي،وهذه السلطة القانونية لابد لها من نظام سياسي من خلال دولة، وهذه التشريعات المنظمة تعددت في مجالات كثيرة،مثل جرائم الحدود ،وإنفاذ الأحكام الشرعية المنصوص عليها في القرآن الكريم أو في السنة ، أو في الإجماع كنظام المواريث والأسرة ومبادئ التعامل من رضا واختيار ونحوهما . وطرق الإثبات والقضاء ، ونظم السلم والحرب ، ونحو ذلك مما يتصل بالتزام واجتناب النواهي ،واحترام مبدأ الشورى والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والوفاء بالعهود والعقود والالتزامات ، والحفاظ على الحقوق ، وتحقيق الأمن ، ودفع الأذى والضرر ومنع الظلم وجهاد الأعداء ، وسد الذرائع إلى الفساد ، وحماية الأنفس والأموال والأعراض الخ:. إذن الدولة في ظل هذه النظم والتشريعات تعتبر ضرورة لازمة، تستلزم تأسيس دولة،وهذه الدولة نمت وتوسعت بنمو دعوة هذا الدين وانتشاره وتوسعه في الآفاق ، وتعتبر هذه الدولة أقدم صورة معروفة إلى اليوم في تاريخ الإنسانية باعتبارها صورة تاريخية ، من صور المجتمع السياسي . وذلك بفضل تميزها عن غيرها من المجتمعات السياسية التي سبقتها في الوجود ، أو التي كانت معاصرة لها بتقرير مبدأ الشرعية ، أي مبدأ خضوع الدولة للقانون ، ذلك أن الدولة باعتبارها صورة من صور المجتمع السياسي ، كما يشترط لقيامها توافر العناصر المادية الثلاثة ( الشعب ـ الأرض ـ السلطة ) فإنه يشترط لكي يعد مجتمع ما " دولة " ، أن يتوافر كذلك عنصر معنوي هو أن تكون السيادة في هذا المجتمع للقانون . بمعنى أنه كما يخضع الأفراد للقوانين التي تصدرها السلطة المختصة في الدولة ، فإن مؤسسات الحكم والإدارة تخضع كذلك للقوانين ، وتتحمل تبعة الإخلال بها ،كما يتحملها الأفراد سواء بسواء.
كما أن الدولة في العصر الأول الإسلامي، مارست كل مجالات الاجتماع السياسي،ولم تترك شيئاً مما تمارسه الدولة اليوم ، أو كانت تمارسه الدول في القديم إلا مارسته، كما يشير د/ محمد سليم العوا ، فقد حاربت وسالمت، علمّت وقوّمت وهذبت، جمعت الضرائب والأموال أو جمعت الزكاة والصدقات ووزعتها على المحتاجين.بَنَت للمنكوبين، أرسلت البعوث تبشر بما تدين به من عقيدة، واستقبلت البعوث من الملوك والأمم المجاورة لها تسمع رأيها وكلمتها. لم تُبقِ شيئاً من وظائف الدولة إلا مارسته، ومع ذلك فقد امتازت عن كثير من الدول التي عرفت بعدها، إلى أن اكتشف الناس سبب هذا التمييز فاقتبسوه منا وجعلوه شعاراً لذلك الكيان الاجتماعي الذي نسميه الدولة, ذلك الامتياز كان مصدره قاعدة عجيبة في ذلك الوقت هي قاعدة تقيد الدولة بالقانون. أما مسألة أن الإسلام لم يؤسس نظرية للدولة، فهذا الرأي مردود عليه، لأن عدم ذكر الدولة في النصوص القرآنية، أو الأحاديث النبوية،فهذا ما أراده الإسلام، ولحكمة ندركها إذا ما نظرنا إلى قضايا عامة ذكرها القرآن لكن لم يحدد طريقتها أو تطبيقاتها، لتكون محل تطبيقات الأمة الإسلامية وفق الظروف والتغيرات الحياتية، مثل مبادئ العدل والشورى وغيرهما من المبادئ العامة ، فلو حدد الإسلام، شكل الدولة والنظام السياسي، فهو بهذا يكون قد جّمد حركة الحياة وتجّددها ،مع تغير الظروف ومعطياتها في حياة الناس،وربما سيعتبر النمط المحدد من النظام السياسي للدولة والسلطة في الدولة الإسلامية في مقام التقديس، وهذا النمط المحدد من النظام السياسي سيديره بشر، مع ما يعتريهم من نقص، وأخطاء وأحيانا تعسف وتجاوز، وسيقود هذا التدبير البشري لكيان الدولة إلى تطبيقات معصومة ، وكأن هذا الفعل البشري مقدس وإلهي لا يجوز رده أو الاختلاف حوله، وهذا ما يجعل ممارسات وتطبيقات ( أولي) الأمر، وكأن أفعالهم مقدسة لا يجوز نقدها أو مراجعتها، وهذا كله سيحسب على الإسلام قطعا عندما تكون هناك أخطاء من هذه الدولة ، وهذه هى الحكمة الإلهية من عدم تحديد شكل الحكم والنظام السياسي المحدد بعد ظهور الإسلام، ولأن الإسلام جاء لهداية البشر في المقام الأول، وهذا ما هدفت إليه رسالات السماء ، فالدولة هي مجرد وسيلة لتحقيق وتنظيم حياة المسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون بينهم، فالإسلام حدد الفرائض والواجبات والوفاء بالحقوق ـ أما الدولة فهي ممارسات بشرية وفق المرجعية الإسلامية، وليس لها صفة التقديس أو التوجيهات السماوية . ولعل أصدق تعبير في هذا الصدد، ما قاله المفكر العربي د/ برهان غليون في كتابه [ نقد السياسة.. الدولة والدين] إن "دولة المسلمين ، بما تشمل الدولة من مبادئ التنظيم المدني وطرائقه ووسائله ، وتكوين السلطة (الطاعة ) وتنظيمها وتوجيهها ، أي الدولة كإطار للتنظيم والانتظام الأخلاقي العام ، لم تكن شيئاً آخر في الإسلام إذن سوى الدين نفسه ، وهذا هو مصدر الشرعية التاريخية للنبوة وتفوقها على السياسة كما كان ينظر إليها ، وكانت تمارس بالفعل .بل إن د/ غليون في هذا الكتاب ينتقد الذين يطلبون الملمح الثابت للدولة الإسلامية، فيرى أنه :من المستحيل أن لا تنطوي حضارة كبرى مثل الإسلام إلا على شكل واحد للدولة رغم تغير الظروف السياسية والتاريخية وتطور الوعي والعقائد والمجتمعات والقوى الفاعلة ، وتبدل حاجات الدولة والمجتمع وتغير التوازنات المحلية الداخلية والإقليمية والعالمية ، وتقدم المدنية الإسلامية ونضجها ، وتطور الوظائف السياسية وغير السياسية للدولة ، والدخول في الأزمات المتعددة التي نقل لنا التاريخ الكثير من أحداثها . لقد عرف الإسلام في الدولة ، الخلافة، والملك والسلطنة، والإمارة، والإقطاع،(..) إن الإسلام لم يخلّف نظرية في الحكم السياسي المدني،كما لم يخلّف نظرية في الفيزياء.وما كان من الممكن أن يفعل ذلك،إذ لو فعل لكان معناه إلغاء فكرة التطور في وسائل الحكم والإدارة وجعل المجتمع الإنساني شيئا جاهزا وثابتا ونظاما ميتا لا يتحول،بل كان معناه إلغاء التاريخ نفسه".. وللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10464
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3498
| 22 أكتوبر 2026