رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ريب أن التحرك الصهيوني منذ اندلاع الثورة السورية سلمياً طلباً للحرية كان حاضراً وبقوة عند الساسة الإسرائيليين والمفكرين والحاخامات بهدف إخمادها مهما طال الوقت على يد من صنعتهم وسلمتهم الحكم في سوريا كحافظ أسد وابنه فكيف لا يسخن حراك هؤلاء الصهاينة بعد عسكرة الثورة مضطرة للدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات حيث بات ذلك واجب الوقت ولا يزال، مما زاد في تشبث الصهاينة بالتمسك بالجزار بشار لأنه الأقدر بمعونة روسيا وإيران ومالكي العراق وحزب الله على حراسة إسرائيل دواماً، ومهما اختلفت الأساليب والسيناريوهات فإن المهم في النهاية إدراكها حق اليقين أنهم لن يحيدوا عن تحقيق أهدافها قيد أنملة، ومن خبر الحقائق وعرف الوثائق حول ذلك لم يستغرب ما يحدث مقارنة بما حدث في القرن الماضي، وأن سيل التصريحات التي أكدها كبار بني صهيون مازالت أكبر دليل على هذا ومن أواخرها تأكيد نتنياهو أن بقاء الأسد مصلحة إسرائيلية وفرحه قبل أيام بانتصار ما يسمى محور المقاومة والممانعة لدى اللانظام السوري وحزب الله على الإرهابيين والتكفيريين في بلدة القصير الإستراتيجية إذ إن إسرائيل شدت في هذا الاتجاه كثيرا ووجهت حلفاءها في العالم إلى عدم غمز نظام الأسد مؤكدة وجوب جر المعارضة السورية إلى مؤتمر جنيف 2 بلا أوراق توازن قوى مع نظام الاستبداد والاستعباد ولذلك جاءت التهديدات الأمريكية لائتلاف الثورة والمعارضة أنكم إذا رفضتم حضور المؤتمر ولو احتجاجاً على غزو حزب الله القصير بل سوريا فإن شيئاً من المدد من السلاح لن يصل القصير وستسقط لنحقق الذي نريد، وأكد عاموس جلبوع الصهيوني في 3/6/2013 أن الشيطان المعروف خير لإسرائيل من الثعالب الصغيرة وأن الأفضل لإسرائيل هو الأسد الجريح من الثعالب التي لا تتحدث مع أحد ولا تريد إلا العض، ولاشك أن قوات الأسد الوفية لإسرائيل هبت مباشرة بقضها وقضيضها لاسترداد معبر القنيطرة الحدودي معها بعد سيطرة الجيش الحر عليه عدة أيام بل السيطرة على مدينة القنيطرة كلها وهكذا يقدم الأسد الطاعة لأسياده بغية حمايتهم وإلا سقط سريعاً والدليل أنه صرح لإسرائيل أمس أن الدبابات السورية في القنيطرة إنما هي لمحاربة المعارضة لا إسرائيل.
وبالمناسبة ولأن المستبد أشد خطراً من المحتل فإن الصهاينة لما دمروا القنيطرة في حرب 1973 لم يدمروها على رؤوس ساكنيها كما فعل الأسد ونصر الله في القصير، طبعاً لابد من ذلك وإلا فما معنى المقاومة والممانعة بالمعجم الطائفي الهستيري؟! وطبعاً فإن معادلة تسليم الأسد دمشق لقاسم سليماني القائد الثوري الإيراني وتسليم القصير لحسن نصر الله الطاغوت قائد حزب اللات اليوم ما هي إلا مسامير حبكة جنديته لإسرائيل، وما اقتراح بوتن ولافروف روسيا إحلال قواتهم ضمن جنود الأمم المتحدة في حدود الجولان بعد أن سحبت النمسا قواتها منها إلا جارياً في هذا السياق فالكل يعمل لصالح أمن إسرائيل والغرب وعلى رأسه أمريكا في منتهى الضلوع في ذلك وما هم إلا دمى لديها، أما بلاد العرب والمسلمين فلا تسأل عن ذواتهم التي فقدت الغيرة على نفسها وأخواتها إلا ما رحم الله! ولا ريب أن الأسد الصغير أصبح يصغر أكثر وأكثر بعد الوصاية الإيرانية والروسية التي تنفذ أهداف الصهاينة وبات بشكل أوضح أنه دمية لهم كما كان أبوه حقيقة ودعك من الشعارات العدائية وبنيات الطريق وليس خافياً أن حزب الله الذي يقول أكثر الناس اليوم إنه كشف عن وجهه الحقيقي فإن الأمر ليس كذلك أبداً فوجهه الحقيقي معروف للمطلعين والباحثين والعالمين بخفايا السياسة وارتباطات مثل هؤلاء، وإنما الذي كشف أكثر إنما هو عورته الأخيرة حيث سقط في حرب القصير وعموم التراب السوري ولا يزال وليس الأمر بالنسبة له دفاعاً عن مقدسات شيعية كما يزعم ولا رداً على مجموعات تكفيرية أو إرهابية في خطابه العلني ضد ما يسميه نظام المقاومة والممانعة الذي يجب أن يحمي ظهره، وإنما ظهر مربط الفرس ويظهر في الالتزام قولاً واحداً بطاعة الولي الفقيه في إيران وهو اليوم علي خامنئي النائب عن المهدي الذي سيظهر، وليس طاعة ولي الأمة الذي قال به الرئيس الإيراني خاتمي أي إن الولاية للأمة لا للفقيه الذي يعتبرونه معصوماً حتى عن السهو فهذا أصل من أصولهم، وقد صرح نصر الله بعظمة لسانه أنه ملتزم بطاعة الولي الفقيه ولن يعدوها وطالما أن نظام الأسد علوي ويعتبرونه جزءا من الشيعة، وقد وصل إلى مرحلة الخطر الحقيقي بعد سيطرة الجيش الحر على معظم التراب السوري ودكه قصر الجزار في دمشق بالصواريخ فلا بد من إنقاذه باسم المقاومة ولذا أوعزوا إلى ذراعهم في لبنان حزب الطاغوت بالحرب، ولابد من الالتزام فإن المسألة مسألة نصوص آمرة وإن غلفوها بسواتر من سراب خدعة سياسية وتقية مذهبية هي تسعة أعشار دينهم على أن علينا كباحثين واعين ألا نفهم أن دخول القصير من قبل حزب الله معزولاً عن طبيعة زيارة السفير الروسي لحسن نصر الله مؤخراً وما جرى في دهليز التآمر على شعب سورية واحتلال القصير لتكون مدخلاً إلى مدينة حمص فطرطوس فالساحل وتأمين البقعة التي يخططون أن تكون لهم دويلة علوية وقد بات هذا المخطط التقسيمي أمراً واقعاً ولكنهم يعملون أشد العمل على استرداد ريف دمشق والعاصمة لتبقى الدولة كلها ملكاً لهم وإذا لم يتمكنوا حتى بمعونة إسرائيل ومعظم المجتمع الدولي المتآمر فلا أقل من ضمان الجغرافيا الصغيرة لدويلتهم حيث إن عقل الجزار بشار لا يحتمل بتاتاً ألا يكون رئيساً نظراً لمراهقته العمرية والسياسية وللحفاظ على مصالح إيران وروسيا وإسرائيل ومناطق الشيعة التي ستعترف بالدويلة سريعاً، ولقد جاء حزب الله الغبي الذي أضر بلبنان منذ سنوات بسبب خطواته الجنونية التي دمرت اللبنانيين ويسرع اليوم إلى سورية بأمر أسياده الملالي ليدمر البلدين معاً وباسم المقاومة ونحن نسأل هل استطاع أن يسيطر ولو على موقع إسرائيلي واحد من أول تأسيسه إلى الآن، وهل جر على لبنان إلا الخراب ولجوء حوالي نصف مليون آواهم السوريون في القصير ودمشق وكل ذلك من أجل أسر جنديين إسرائيليين لا شك أنه يستمد بقاءه من جهل أكثرنا السابق بحقيقته وقد نصب إسرائيل شماعة لمقامراته ومغامراته فيا للعار له ولأسياده المفضوحين ويا للعار لكل من فقد الغيرة على أهلنا في القصير والشام فهل حين يوشك الجزار على الانهيار تشاركون في إنعاشه بشكل مباشر أو لا مباشر؟! لكن قناعتنا أن صمود أسودنا في القصير حتى الرمق الأخير لهو النصر بعينه وستبقى راية الله فوق كل الرايات ويده سبحانه فوق كل الأيادي:
شرف الوثبة أن ترضي العلا غلب الواثب أم لم يغلب
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5982
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5772
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1770
| 13 مايو 2026