رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لدينا مثل شعبي يقول «عومة.. مأكولة ومذمومة» – فالأمثال الشعبية دائماً تعكس بيئة الإنسان المحيطة ومكوناتها الحاضرة في الحياة اليومية، وهذا المثل المستمد من البيئة البحرية يتكلم عن العومة وهي أسماك السردين الصغيرة فالبعض يأكل العومة على صغرها وبعد ذلك ينتقدها مظهراً عيوبها ووفقاً للمثل الشعبي فهو ينتقد من ينال فائدة الشيء ثم يعيبه وقد ذكرني هذا المثل بعلاقة الجمهور مع شركات التأمين فقد طالعنا الإعلامي البارز الأستاذ عبدالعزيز محمد بتغريدته اليومية متسائلاً «يا ريت حد يخبرنا حالات الاحتيال في الحوادث المرورية على شركات التأمين حلال ولا حرام؟ لأن وايد ناس مستسهلين الشغلة» وفوراً انهالت عليه تعليقات الجمهور وقد هالني حجم الغضب غير المبرر والقائم للأسف على عدم الفهم لطبيعة عقد التأمين وطبيعة صناعة التأمين وعمل شركات التأمين الوطنية وبالرغم من مشاركتي السابقة في محاولة رفع الوعي التأميني بالكتابة في هذا الموضوع في كتابي «صناعة التأمين – الفرص والتحديات» والمتضمن فصلاً كاملاً عن تأمين السيارات تحت عنوان «تأمين السيارات والمركبات – ما له وما عليه» فإنني كممثل لسوق التأمين القطري أرى من واجبي أن أوضح الكثير من الحقائق الغائبة عن هذا الجمهور الغاضب:- العلاقة بين الجمهور وشركة التأمين علاقة تعاقدية يربطها عقد تأمين السيارات ومقابل سداد الاشتراك أو قسط التأمين على المركبة تستوجب مسؤوليات وهي على كلا الطرفين المؤمن (شركة التأمين) والمؤمن له (مالك السيارة) ويلتزم كل منهما بشروط واستثناءات هذا العقد ولا يعني التأمين لدى شركة التأمين أن على شركة التأمين الوفاء بكل متطلبات المؤمن له حتى لو لم تكن متضمنة في نطاق التغطية التأمينية أو تندرج تحت أياً من استثناءاتها ففي النهاية شركة التأمين ليست صندوقا خيريا بلا رقيب أو حسيب فإن شركات التأمين الوطنية شركات مساهمة قطرية، ومساهموها مقابل أموالهم يتوقعون تحقيق أرباح في نهاية كل عام بعد أداء الخدمة لعملائها والوفاء بالتزاماتهم قبلهم. تأمين السيارات عموماً وليس فقط إقليمياً بل عالمياً ومنذ نشأة مفهوم وصناعة التأمين ما بين عامي 1500 و1700 ميلادياً يعد من فروع التأمين الخاسرة أو على أقل تقدير من الفروع ذات الربحية الأقل هو مع التأمين الطبي ولولا وجود فروع تأمين أخرى في المحفظة التأمينية لشركات التأمين مثل تأمينات المساكن والمباني وتأمين المشروعات والمسؤوليات وغيرها والتي تعوض الخسائر المحققة من تأمين السيارات ما استمرت صناعة التأمين مطلقاً ولكن تأمين السيارات يعد خدمة مقدمة من تلك الشركات لعملائها ويتم تعويض خسائرها من الربحية المحققة في فروع التأمين الأخرى في محفظة شركات التأمين لأن شركات التأمين امتداداً لدورها في خدمة المجتمع تقدم خدمة تأمين السيارات تواؤماً مع القوانين المدنية المحلية التي تعتبره إجبارياً لتقديم الحماية للاقتصاد الوطني من ناحية وتقديم الحماية والدعم للجمهور المتضرر من حوادث السيارات سواء مالك السيارة أو المتضررين من الطرف الثالث سواء كانت وفاة أو عجزا كليا دائما. تخيل لو لم يكن هناك تأمين وشركات تأمين تنبري - طبقاً للقانون – بالحلول محل المؤمن له في تحمل المسؤوليات القانونية والمدنية الناجمة عن تأمين السيارات فمن أين سيتم للبعض ممن تحول أوضاعهم المالية دون الوفاء بالمسؤوليات الناجمة قبل الغير بذلك؟ كتبنا قبل ذلك متسائلين لو لم يكن هناك تأمين فكيف ستكون الصورة بالنسبة للكثير من أصحاب رأس المال لأن التأمين ليس فقط تأمين سيارة والمسؤوليات الناجمة عنها سواء للسائق أو المتضرر من العامة سواء مواطنين أو مقيمين إن كان ذلك تعويضاً مادياً للممتلكات أو تعويضاً للوفاة أو العجز الكلي الدائم وما يستتبعه من تعويضات تفوق تحمل الغالبية من متسببي الحوادث، ولذلك كان القانون المدني ممارساً لدوره في حماية الأمن المجتمعي بفرض وجوبية التأمين الإجباري على السيارات ولكن هناك أيضاً مشاريع وشركات مساهمة لها دور فعال في عملية الاقتصاد القومي وبرؤوس أموالها الوطنية المشاركة في تلك المشاريع تحتاج إلى الحماية لو -لا قدر الله - تعرضت تلك المشاريع إلى الخسارة سواء كان ذلك نتيجة لطبيعة المشروعات أو الكوارث الطبيعية فمن سيبادر بتوفير الحماية لرؤوس الأموال تلك إن تحققت الخسارة لو لم تكن هناك صناعة التأمين الوطنية التي تبادر بمد العون والدعم وتعيد لعجلة الاقتصاد القومي أحد تروسها فالتأمين يقدم الحماية لرأس المال الوطني ويقدم الحماية للبنوك الوطنية بتأمين القروض في حالة قدر الله وفاة العميل وعدم مقدرة عائلته على الوفاء بكامل الدين أو تعثر العميل بسبب وضع عملياته الاقتصادية وتعثر هو وغيره من سداد قروض البنوك فماذا سيكون الوضع لو لم تكن هناك شركات تأمين وطنية. للأسف إن الانطباع العام الموجود إقليمياً بسبب نقص الوعي التأميني هو أن شركات التأمين يجب أن تكون المسؤولة عن كل شيء حتى لو كان هذا خارج نطاق عقود التأمين ومسؤوليات والتزامات شركات التأمين وهذا لا نجده في الدول المتقدمة مثل الأسواق الأوروبية والأمريكية لتأهل الوعي التأميني المدرك لأهمية صناعة التأمين لاستقرار الأمن المجتمعي علماً بأن أسعار التأمين في الإقليم أقل كثيراً من مثيلتها في تلك الأسواق. نهيب بالمسؤولين عن أجهزة الرقابة عن صناعة التأمين بمصرف قطر المركزي التعاون مع شركات التأمين الوطنية والمشاركة في عمل ندوات إعلامية متعددة والتعامل مع وسائل الإعلام المحلية المختلفة لنشر ودعم الوعي التأميني لدى الجمهور بالمجتمع القطري للوصول إلى الوعي والفهم الحقيقي لأهمية دور شركات التأمين الوطنية والخروج من جلباب المظلومية وجلد شركات التأمين الوطنية كلما تصادمت المصلحة الشخصية لأحد المتضررين من حادث مع شروط والتزامات عقد التأمين. وأخيراً وليس آخراً فقد أضحت شركات التأمين عند البعض مثل المثل «عومة مأكولة ومذمومة».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1410
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1140
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
963
| 16 مايو 2026