رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رجال في دولة قطر يشهد التاريخ لهم بالأمانة والتواضع وتحمل المسؤولية
أحمد بن سيف كام مثالاُ للإنسان المتسامح مع نفسه ومع من حوله
الشيخ أحمد يظل علامة فارقة في حُبّه لوطنه وقدرته على تحمّل المسؤولية
عندما يقدّم الكاتبُ شهادته في مسؤول أو شخصية مهمّة في بلده، بعد رحيله، فإن هذه الشهادة تكون صافيةً لوجه الله، لا يهدف الكاتبُ منها، إلا أن يقدِّم حقيقة أو حقائقَ عن هذا المسؤول أو تلك الشخصية.
ولقد فُجعت قطر، والوسط الدبلوماسي على الأخص، برحيل الشيخ أحمد بن سيف آل ثاني، أول وزير دولة للشؤون الخارجية في دولة قطر عام 1978، حيث انتقل إلى جوار ربّه يوم 29 /6 /2019، وعمّت غمامةُ حزن لا حدود لها، كُلَّ من تعاملوا أو سمعوا عن سيرته الراقية، وكان قبل ذلك التعيين قد تسلَّم مهامَ سفير دولة قطر في بريطانيا، عام 1972، وهو موقع مُهم، خصوصاً في مرحلة بناء هياكل الدولة، ومدّ أذرعِها الدبلوماسية إلى دول العالم، تتعامل معها بتحضّر ومسؤولية.
الفقيد يتحدث من على منبر الأمم المتحدة، والهيئات الدولية، في بقاع شتى من العالم، وفي أروقة مجلس التعاون، الذي شهد إنشائه عام 1981. وشهدتُ، أنا، مرحلةَ نشاطه في أواخر السبعينيات والثمانينيات، حيث الحرب العراقية الإيرانية، إنشاء مجلس التعاون، الحرب الباردة، وغيرها من العواصف التي هبّت على العالم. وكنتُ أعمل بعضَ المقابلات مع الوزير الإنسان أحمد بن سيف، وكان يُناديني ( أخي أحمد)، بروح من التواضع النبيل، والتقدير لمهنة الإعلامي، مع احتفاظه بمكنونات السياسة وحتمياتها. تشرَّفت بالسفر معه على ذات الطائرة، في أكثر من مناسبة، فلا يضع حدوداً بينه وبين الإعلاميين، كما أن الابتسامة لا تفارق وجهه، وصوته بالكاد تسمعه، وهذا ينمُّ عن شخصية حنونة في المقام الأول، وإيجابية في المقام الثاني، وذات مسؤولية في المقام الثالث، وإنني لأغمُط أسرتَه على وجوده بينهم، ونيلها هذا التعامل الراقي والهدوء الجميل، والتأني في الأحكام التي تصدر عنه. وفي تصريحاته السياسية، القليلة، كان يحرص على مواكبة مسيرة السياسة القطرية، ولا يجرح السياسات المناوئة، مهما حاول بعضُ الصحافيين (جَرّهُ) إلى تجاوز الخطوط الحمراء.
أحمد بن سيف، كان مثالًا للإنسان المُتسامح مع نفسه ومع من حوله، وهذا لا يتوفر لكثيرين، فهو لا يترفع على غيره، حتى لو كان مذيعاً يافعاً أو صحافياً متدرباً، بل يقابل الجميع بابتسامته العاقلة، وحنوّهِ الواضح، لدرجة أنه يتجاوز ثقافة المسافات Proximity، ليتحدث بدرجة الهَمس مع محدثيه.
ثلاثةٌ وسبعون عاماً قضاها الشيخ أحمد بن سيف مع محبّة الآخر واحترامه، ولم " يغرّهُ" المنصبُ الرفيع، كما أنه يهتم لشؤون المواطنين القطريين، سواء عندما كان سفيرًا في بريطانيا، أم عندما شغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية، وأذكر إنني كتبت مقالاً عن حادثة تعرَّضت لها عائلتان قطريتان، على حدود دولتين في أوروبا، وقد خاطبتا سفارة قطر في إحدى الدولتين كي يُسمح لهما بدخول بلد في أوروبا الشرقية. ولم يحدث ذلك، نظرًا لتأفّف، أحد الدبلوماسيين. وأخبرني أحد موظفي الخارجية آنذاك ( 1979) على ما أعتقد، أن وزير الدولة قد اهتم بالموضوع، وأعطيتهم بعض المعلومات حول الموضوع. وهذه اللفتة لا يُمكن أن تصدر عن وزير يحملُ عبءَ المواطنين على عاتقه، إلا أن يكون استثنائياً.
واصلَ الشيخ أحمد بن سيف تحمّل مسؤوليات بلده ومجتمعه بنيلهِ ثقة الدولة بتعيينه وزيراً للعدل من 1992-1995، وتم تكليفهُ بمهامَ وزير الصحة. كما احتفظ بمنصبه كوزير دولة حتى وفاته، رحمه الله.
هنالك رجالٌ في دولة قطر يشهد التاريخُ لهم بالأمانة والتواضع وتحمّل المسؤولية، وما أكثرهم، إلا أن الشيخ أحمد بن سيف، يظل علامة فارقة في حُبّه لوطنه، وقدرته على تحمّل المسؤولية، إبّان المُنعرجات الخَطرة في عالم السياسة.
إن ما عبّر عنه المواطنون القطريون في الصحف عن مآثر الفقيد، ورسائل النعي، ووسائل التواصل الاجتماعي، يحتّم أن تقوم جهةٌ ( ما) بتوثيق حياة الرجل، في كتاب، يكون لمسة َوفاءٍ لهذا الدبلوماسي الإنسان، الذي عاش يعملُ بهدوء، ودون ضجيج، في وقتٍ كنا نسمع الكثير من الآخرين كلاماً ( لا يُسمن ولا يُغنى من جوع). كما يُمكن أن تقوم وزارة الخارجية الموقَّرة، عبر المعهد الدبلوماسي، بعمل مسابقة للبحوث السياسية تحمل اسم الفقيد ( جائزة أحمد بن سيف للبحوث السياسية)!
أحمد بن سيف، رجلُ مرحلةٍ مُهمّةٍ من تاريخ قطر، ولقد أدّى واجبهُ بكُلِّ اقتدار ومهنية، وتركَ أثرًا طيبًا في الدوائر الدبلوماسية، وفي السياسة الخارجية لدولة قطر.
رحمَ اللهُ الفقيدَ وأسكنهُ فسيحَ جنّاته.
hamsalkhafi57@hotmail.com
حين يصبح الكتاب بابا للحرية
لا تتأطر القراءة في حياة المرأة في مجرد عادة ثقافية أو ترف فكري، ولكنها تصبح مدخلا فسيحا نحو... اقرأ المزيد
147
| 08 مايو 2026
تأثير وسائل التواصل على استقرار الأسرة
أصبحت الآثار النفسية الناتجة عن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي من أبرز التحديات التي تواجه الأسرة القطرية في... اقرأ المزيد
105
| 08 مايو 2026
تكامل لا تفاضل فيه
إلى نسخةٍ قديمةٍ منّي، كانت تقفُ بعيدًا على حافةِ التجربةِ ترتجف، لا خوفًا من تبعاتها، بل من انكشافها... اقرأ المزيد
75
| 08 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4401
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4071
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1902
| 07 مايو 2026