رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتجاوز الأستاذ الدكتور حسين دشتي حدود الصورة الخاصة في كتابه الصادر حديثاً عن دار الأمير في بيروت 2024، ليفتحها مع العصر الرقمي بطريقة يحكي فيها عن قصة حياة مُستخلصة من أفراح وأتراح بحنين العمر الحاضر في كل لحظة تحوّلت مع الزمن إلى ماضٍ التقط فيه فوتوغرافياً مرئيات لا يمكن إدراك قيمتها بالكلمة، وإن تحكّمت البلاغة على التصوير الضوئي، إلا أن للعادات والتقاليد والعمارة القديمة قيمة عصر مضى حافل في حياة «الرجل الذي كانت رحلته الرائعة من الطفولة إلى التقاعد مليئة بلحظات من الانتصار الهائل والشدائد العميقة»، فبعد أن كانت ألبومات الصور القديمة هي ذاكرة العائلة؛ أصبحنا اليوم نلتقط الصور عبر عدسة خلوية يُمكن أن تحذف بسهولة، ويضيع أثر الإنسان الذي يُشكل حكاية قد تضيف بعض اللحظات التي تؤرشف لقصة إنسان حيّ تطوّر من الطفولة إلى الشيخوخة، واستطاع أرشفتها وتحويلها إلى «صورة معبّرة عن واقع الفرد وحياته»، عاداته وتقاليده ولباسه، أكله ومشربه، وسنوات الدرس حتى التخرّج، وحتى الأماكن والأحداث المهمّة في الحياة، كالمرض والزيارات خارج دولة الكويت، حتى السيارات ووسائل التنقل، كالصورة مع ابن أخته جعفر في منطقة شرق في الستينات من القرن الماضي التي يظهر فيها بالدشداشة العربية وخلفه نوافذ الأبنية في حي شرقي من منطقته التي حفرت في ذاكرته لحظة التقطتها عدسة فوتوغرافية، وأعادت إلى الذاكرة قيمة لا تقل أهمية عن صورة له في دوار سينما الفردوس في ستينات القرن الماضي، ومعه محمود عباس ذوالفقار حيث يظهر التليفون القديم مع لوحة قديمة، واللباس المختلط ما بين الكويتي والبنطلون والقميص، فماذا عن صورة في تاج محل أكرا - دلهي؟ فهل حنين ألبومات الصور القديمة ستتحول مع الزمن إلى كتب ورقية تحمل بصمة إنسان عاش مختلف اللحظات التي تتيح له تشكيل حرية ابتكارية مكونة من سيرة ذاتية بلغة الصورة الفوتوغرافية؟ وهل لكل صورة تعبيرها اللغوي الخاص الذي يعكس أسلوب الدكتور دشتي وشخصيته؟
يقع الكتاب الذي صممّه وأخرجه الفنّان القدير أسامة عزيز عيسى في 596 صفحة من القطع الكبير في طبعة فنية فاخرة تتميز بطباعتها الملونة عالية الجودة، لكن أحد الجوانب الأكثر متعة في هذا الكتاب المصوّر عن سيرة حياة حافلة بالذكريات هو الفصل الرابع والطفولة واليتم والأحداث المتعلقة بحضوره لفيلم هندي (كنكا وجمنا) في دوار سينما الفردوس؛ ليُعاقب بعدها على حضوره الفيلم والبكاء من أحداث الفيلم أكثر من الضرب، ومن مفارقات الزمن كان زيارة بطل الفيلم «ديليب كومار إلى الكويت سنة 1998، وكان سفير الهند حاضراً فتحدثت عن الواقعة التي حصلت لي قبل 30 عاماً فضجّ المكان بالضحك. وقلت للممثل ديليب كومار: لقد كنت أنت السبب في ذهابي إلى الهند وبكائي عند الضرب...» فتخليد وجوده مع بطل فيلم كنكا ديليب كومار وهو يبتسم في حضور يجمعه مع الممثل في مصافحة ومحادثة هي التعبير الفني لشهادة ملموسة على الحياة السينمائية وتأثيرها بين الماضي والحاضر على تكوين شخصية الإنسان وما يتبقى في الذاكرة من لحظات لا تُنسى.. أو الأحرى؛ ما امتلأت به الذاكرة ما بين الطفولة والشباب، وتستعيدها الذاكرة عبر الصورة كشاهد حيّ على أحداث بليغة في حياة الإنسان. فهل البُعد الإنساني في هذا الكتاب هو عاطفي أخلاقي يبدأ بصورة مع الحفيد وجملة من جد لحفيده ذهبية بامتياز «عندما تكبر سأجعلك صديقي، وعندما أكبر تعامل معي على أنني أحد أطفالك، ولكن إياك أن تشعرني بذلك!!!»؟ أما عبر الفصل الخامس وعنوانه «بالعلم والأخلاق.. تلتقي وتتقدم الأمم» وماذا عن مسيرته العلمية؟ وماذا عن صورة تجمع طلبة المدرسة في الخمسينيات من القرن الماضي؟
يتيح لنا كتاب «حياتي ذكريات مصورة» للبروفيسور دشتي تحويل المحسوس من الذكريات العالقة في زمن مضى إلى ملموس بصري ولغوي للتذكير بلحظات مشتركة مع الآخرين ممن حوله، وكأن الصورة الفوتوغرافية هي حارسة الذكريات حتى في بطاقة العلامات الدراسية وصولاً إلى خارج الكويت مع الشخصيات المُحببة إلى نفسه الجميلة، ومنها إلى الداخل، والابتسامات المتبادلة مع الأهل والأصدقاء في المناسبات والجلسات الحميمة واللحظات التي منحتنا معنى مختلفا لوجودنا كتلك التي مع الأحفاد وأبناء العمومة والخالات والأخوال، وغير ذلك من التفاصيل التي تُشير إلى تغيّر الإنسان وتطوّره الزمني والفكري والعلمي، والأهم من كل ذلك نضاله الاجتماعي والحاجة المستمرة إلى الإنسانية والفطرة في التواصل مع الآخرين عبر الزمان والمكان التي ترجمها في صفحة 107 وهي بعنوان الرحمة لمصطفى لطفي المنفلوطي وفيها «أيها السعداء، أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، ناهيك عن الدراسات والمقالات الطبية، والاهتمام بصحة الإنسان التي درسها وتعمّق فيها وصوّرها، كي تبقى عبر الذاكرة الحياتية موثقة بعيداً عن التكديس الورقي الذي يتم إتلافه بعد فترة الرحيل الزمنية. فبناء تاريخ حياة الإنسان يُثري حياة الأحفاد وأحفاد الأحفاد، وحتى البلد الذي نعيش فيه؛ وإن تبوأ الإنسان العديد من المناصب المهمّة في حياته؛ يبقى التحدي الأكبر هو القدرة على الاحتفاظ بذكرياته المصوّر منها والمحفور في الذاكرة لإحياء الأيام التي عاش السعيد والحزين منها، وبنكهات مختلفة عابقة بلحظات من حلم تحقّق بعضه أو كله، وبما يرادف حيوات الأصدقاء والأقارب والأحبة. وبهذا نستطيع إعادة بعض ما حذفته الذاكرة، ومن ثم نستعيده بواسطة صورة فوتوغرافية مهملة أو مخزّنة في صندوق الصور؟ وهكذا تخطى البروفيسور دشتي التكنولوجيا العصرية والعيوب الفنية الرقمية من فقدان الصور في خلوي ضاع أو تمّت سرقته أو أصيب بتلف في ذاكرته عبر كتابه هذا ذكريات مصورة.. فهل يُضفي كل هذا صيغة إنسانية على من رافقونا أو رافقناهم في الحياة وكانت معهم لحظات عشناها ولا تُنسى؟ وهل يعتبر هذا ملكية خاصة عامة وفيه الكثير من الأحداث المهمة التي رافقت مشواره الطويل طبياً واجتماعياً وفنياً وأدبياً وغير ذلك؟ تبقى الإجابة الشافية منوطة بالقارئ لكتابه، لكن الأكيد أن الدكتور الدشتي استطاع في هذا الكتاب الرائد أن يجعل من حياته الزاخرة مادة مصوّرة وموثقة للأجيال، وأن يوجّه لهم رسالة بالصورة مفادها: بأن الإنسان بإرادته وصبره وصدقه يستطيع أن يحوّل المستحيل إلى واقع معيش.. ودليلنا على هذا؛ كتابه الذي بين أيدينا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- كاتبة وإعلامية لبنانية، نشرت عشرات المقالات الأدبية والنقدية والثقافية في الصحف والمجلات اللبنانية والعربية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4929
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3099
| 24 سبتمبر 2026