رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب مصدر السلطات هو قاعدة بناء الأمم وبقائها، وليس شعارا يرفعه البعض حسب الهوى وكأنه فضل منه، فمؤسسات الدولة بالأساس أدوات للوفاء بالمسؤوليات ومهام في حياة الدول، وتمنح لها السلطة وفق معايير يحددها العقد الاجتماعي (الدستور) والقوانين المكملة له، والتي تمكنها من أداء مسؤولياتها لضمان الحياة والتقدم نحو المستقبل.
عندما يخرج الشعب ـ والذي هو مصدر السلطات ـ على نظام الحكم، فهذا ليس ضد طبيعة العلاقة بين الشعب والسلطة ولكنه استرداد لحقه وإرادته، والخروج الشعبي في مراحله الابتدائية يكون محاولات توجيه بإعلان مطالب يرى الشعب حاجته إليها، ويتحول الخروج المطلبي إلى ثورة عندما يرى أن سلطة الحكم غير مؤتمنة على إرادته وحاجاته والمسؤوليات التي انتدبها للقيام بها، وحولت حالة التفويض الممنوح لها إلى حالة ملكية، تتخذ من الاستبداد والعنف والتآمر سبيلا لاستمرارها في سلطة الحكم.
الثورات في تاريخ الشعوب ليس فعلا انتقائيا، ولا يخضع لإعادة تعريفه وتوصيفه بادعاء الحكمة بأثر رجعي، فالثورات تهدم أسس السلطة، وإن ظلت بقاياها والمنتفعون ركاما يجب إزالته، ومن طبيعة الأمور أن يقاوم هؤلاء دفاعا عن مصالحهم التي لم يقبل بها وكانت استنزافا للوطن اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ومهما علت أصواتهم فهي إلى نهاية محتومة بالسقوط كما النظام الذي أتاح بيئة وجودها على حساب الشعب.
الثورة الشعبية فعل جماعي يتم في زمن محدود ولكن لشعبيته فإن إتمام عملية التغيير في المجتمع لما ترتب على حكم النظم السابقة هو ما يحتاج إلى زمن ورؤى ومهام ورجال.
فقد نظام حسني مبارك قدرته على مواجهة الثورة الشعبية لأنه مع كافة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأنه استبدل الوطن بخريطة التوريث، وألفت كلمة التوريث بين الشعب والقوات المسلحة، وتجاوز الشعب العجز السياسي للأحزاب وعناصر النخبة.
وفقد نظام الإخوان مبرر استمراره لأنه استبدل خريطة الثورة بخريطة الجماعة السرية، وسعى إلى تفكيك الدولة، وتجاهل الوطن وعاش وهم الخلافة، واستبدل وحدة الشعب التي حققتها ثورة يناير إلى تقسيمه بين مسلم وكافر، وتآلف مع الجماعة كافة التنظيمات الدينية بلا استثناء، وأيضا كانت حركة الشعب متجاوزة الحياة السياسية والحزبية، وكان للجيش دوره وحسم الصراع لصالح الشعب.
هنا يلزم النظر إلى الفترة بين 30 يونيو و26 يوليو 2013 والتي كشفت طبيعة المواجهة وعمق اتساعها، فهي لا تقتصر على الداخل ولكنها ترتبط بأمريكا والغرب، ولم يعد الغرب حكومات ولكنه حلف الناتو، وهي مواجهة لا تتوقف عند السياسة ولكنها تذهب إلى الأساطيل، وأن هناك جماعات وأفرادا جرى استدعاؤها وتمكينها من بؤر آمنة ومسلحة وممولة، وعقيدتها القتل، واتضح أيضاً أن المواجهة تتصاعد إلى استحلال دم كل الشعب وليس مواجهة مع سلطة، وأن المواجهة تشمل كافة التنظيمات الدينية. كان شعار الهجوم (شرعية الصندوق) في مواجهة الانقلاب العسكري، وتغاضي الخارج ومعه قطاع غير قليل في الداخل من النخبة والجمعيات الحقوقية عن حقيقة أن المواجهة بين شعب وجماعة وأن القضية هي هوية وطن ودين واستقلال وطني.
لقد كشفت هذه الفترة أنه كما استحدثت أمريكا عبر المخابرات المركزية الأمريكية فكرة الجهاد ضد الجيش السوفييتي الملحد في أفغانستان، وأنتج مشروع الجهاد الأفغاني تنظيم القاعدة، فقد استعملت أمريكا جماعة الإخوان ومن والاها في مواجهة الثورات الشعبية ضد الاستبداد، وعلى ذات القاعدة (المؤمنون في مواجهة الكفر والإلحاد)، والملحدون هنا ليسوا جيش احتلال شيوعي، ولكن الملحدون هنا هم الشعب.
حرق الأرض والمراحل هو سمة ما بعد 26 يوليو 2013.
جماعة الإخوان السرية وامتداداتها الخارجية تسعى إلى إعدام يوم 30 يونيو 2013 وحرقه من خريطة الزمن، ولأنه لن يتحقق، فليحرق الوطن والشعب وكافة المؤسسات. وأخطر ما نتج عن 30 شهر السابقة على يونيو 2013 هو ذلك التوافق المشوه بين موقف الجماعة وحركات يسارية وحقوقية وبعض من الشباب الذي مازال يئن تحت أحداث ووقائع مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية، هذا التوافق على خصومة مع الجيش، تتعدد الأسباب ولكنها خصومة في لحظة مواجهة بالقتال مع تنظيمات إرهابية واحتمالات مواجهة قادمة من أمريكا والناتو.
ومن ناحية أخرى فخريطة الطريق تكاد تحرق أهم مرحلة من مراحل الثورة وهي مرحلة "التطهير"، وأكثر من ذلك يخرج من الحكومة ومستشاري الرئيس المؤقت دعوات للمصالحة، وكأن الحكمة هبطت على هؤلاء الأفراد (وأعني كلمة الأفراد) الذين جاءت بهم الصدف غير المفسرة حتى الآن، ومنحتهم الحكمة حق حرق 30 يونيو بل ويتجاوز البعض إلى حرق 25 يناير 2011.
أنتجت الحرائق المشتعلة ستارا من الدخان الكثيف يترنح بين إطلاق مقولات "نكسة يناير"، "المصالحة وعدم الإقصاء"، "الاعتذار"، "رموز الثورة"، وهذا الدخان يزيد النار اشتعالا في وقت يجب أن تزداد اللحمة بين الجيش والشعب وأيضا الشرطة، حتى لا يجد العنف شروخاً في البناء الوطني يستطيع النفاذ منها.
وكي يتقبل الشعب ثمن العنف يجب أن يرى المستقبل دون نظامين ثار عليهما "مبارك والإخوان"، ودون كل من تغيرت وتبدلت ألوان جلده طوال الفترة من 25 يناير (الثورة) و30 يونيو (استرداد الدين والدولة والثورة)، و26 يوليو (الاستقلال الوطني).
إن مهمة التطهير أعمق مما يطلق عليه العدالة الانتقالية، فالمهمة بعد 30 يونيو 2013 تضاعفت فهي تواجه:
1. نظام مبارك والحزب الوطني وقياداته.
2. جماعة الإخوان السرية والجماعات الموالية لها والأحزاب التي أنتجتها.
3. مؤسسات الدولة التي ينتشر في داخلها سرطان الفساد وزاد عليه ما أضافته فترة حكم جماعة الإخوان.
وذلك على التوازي مع مواجهة الإرهاب والعنف الذي أطلقته الجماعات الدينية في كل المجتمع.
الإقصاء والعزل السياسي ركن أساسي في الثورات، والإقصاء للرؤى والأساليب يعني إقصاء للأدوات سواء كانت تنظيمات وأحزابا أو أفرادا. والإقصاء والعزل للحزب الوطني يعني حل كيان الحزب وكل مؤسساته والعزل السياسي لكل من أسهم في الفساد السياسي (وليس الجرائم)، وهو أمر بالأساس سياسي، وهي مهمة للثورة يجب تحقيقها، ولا يصلح استخدام قوانين ما قبل الثورة، وإلا فإننا نعيد تسليم الأمور لنفس النظام، وهذه مهمة يجب أن تسبق إجراء أي انتخابات نيابية أو رئاسية، وغير هذا فإننا نلتف على الإرادة الشعبية.
التفريط في مهمة التطهير في المرحلة السابقة تجاه نظام مبارك، أدخلنا في دوامة إقرار التطهير تجاه فترة حكم الإخوان.
الأمر في حالة جماعة الإخوان مركب، نواجه تنظيما سريا (نظام الخلايا "الأسر")، وله ارتباطات خارجية. تنظيم عقائدي (جماعة ربانية كما وصفها مرشدها العام)، علاقات تنظيمية أساسها السمع والطاعة (تنظيم حديدي)، وبداخله تنظيم خاص (تنظيم مسلح سري على أعضاء الجماعة أنفسهم). والجماعة التي جرى حلها عام 1954، استعادها السادات وعاد في نهاية أيامه يعلن خطأه على السماح لهم باستعادة نشاطهم، وتعامل معهم نظام مبارك، ووصل الأمر بالجماعة أن تقبل بالتوريث مقابل استمرارها. وأنتجت الجماعة في مواجهة المجتمع ما سمي بالذراع السياسية للجماعة (حزب الحرية والعدالة)، وصمت الساسة وإدارة المرحلة الانتقالية ولجنة الأحزاب ووصلوا إلى حد الموالسة.
هناك فارق بين الكفاح المسلح في مواجهة محتل غاصب، وبين عقيدة العنف لدى التنظيمات الدينية كعقيدة وجود وبقاء تقدم بالأساس على رفض المجتمع وليس مجرد السلطة، وعقيدة العنف والسلاح هي الحاكمة لكافة التنظيمات الدينية، تستعيض عن الدعوة بالرصاص، وعن المسؤولية تجاه المجتمع بالانعزال عنه والتمايز بالإيمان عن مجتمع يتهمونه بالكفر.
وهناك فارق أيضاً بين الإقصاء والاحتواء، وفارق بين الخداع بالاعتذار من جماعة سرية وبين الابتزاز للمجتمع بالاعتذار.
وهناك أيضاً فارق بين التطهير بالأمن والتطهير بالثورة، مهمة الأمن مواجهة العنف، ومهمة المجتمع المواجهة السياسية، يقول البعض المواجهة بالعقل والقانون وليس بالعضلات، ولكن اللحظة تحتاج إرادة الثورة ووضوحها سواء كانت بالعقل أو العضلات.
هكذا يقع الشعب الذي هو صانع الثورة وهو الذي استخلص إرادته وهو الذي قدم الشهداء وصبر حتى اللحظة، وهو مصدر السلطات، يقع الآن في كمين مزدوج أو بالأحرى ثلاثي الأبعاد، التطهير والإرهاب وأمريكا، وهو مطالب أن يذهب من جديد إلى صناديق الانتخابات ليختاروا، والمعروض عليهم بالأساس مرفوض.
وكأن مصر مازالت دون الوجود، أن يخرج من بين شبابها من يرى نفسه رمزا للثورة، وتكرر الحديث عن رموز للثورة، والثورة عندما تنتج رموزها، تجدهم شهداء أو فاقدي البصر، أو مصابين بلا مقابل، أو تجدهم يحملون مشروع الثورة للشعب بمهام يشاركهم فيها، ويسمح هؤلاء لأنفسهم باسم أنهم الثورة أن يعرضوا لمهام الوطن بشكل من الرعونة والتسيب دون إدراك لحقيقة اللحظة التي يمر بها الوطن.
إن المتحدثين عن كونهم رموزا للثورة، أو الذين جاءت بهم الظروف إلى مناصب في الرئاسة والوزارة، يجب أن يدركوا جميعهم أن الشعوب لا تستخلص إرادتها المرة تلو الأخرى ليفرطوا هم فيها أو يصنعوا بها أمجادا شخصية.
الفضائيات لا تصنع رموز الثورة، وختم الحصانة الذي يحمله أي شخص شارك في أحداث الثورة، ومهما كانت تضحياته، ليس مبررا له أن يخادع نفسه ويشيح بوجهه عن مسؤوليات المرحلة لمجرد أن ينال وجودا له مقابل أو بدون مقابل.
أيقونة الثورة هو الشعب والشهداء وأبناؤهم وأهلهم، ورمز الثورة هو الشعب، ومستقبل الثورة بيد الشعب.
ما يجري فوق الأرض المصرية سوف تتكشف أوراقه كاملة، من يتحمل التضحية حتى بلقمة العيش كما الدم، ومن يتعايش على آلام الشعب ودماء أبنائه، وعندها لا يلومن أحد غير نفسه.
هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟
قد تنجح مؤسسة في تنفيذ خطتها التدريبية بنسبة مائة في المائة، وتحقق العدد المستهدف من البرامج والمتدربين والساعات،... اقرأ المزيد
231
| 10 أغسطس 2026
مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد أهم ركائز الاقتصاد، فهو المحرّك الرئيس للنمو، والشريك الأساسي في... اقرأ المزيد
441
| 10 أغسطس 2026
قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة
تعكس الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين دولة قطر وسلطنة عمان، حرص القيادة الحكيمة في كلا البلدين، على... اقرأ المزيد
144
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8403
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4875
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1113
| 09 أغسطس 2026