رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد أحمد شيخ علي

- سفير جمهورية الصومال الفيدرالية لدى دولة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

462

د. محمد أحمد شيخ علي

«عصى مقديشو».. من ذاكرة الانكسار إلى أفق الإعمار

10 سبتمبر 2026 , 02:00ص

في الثالث من سبتمبر الجاري، نظمت مكتبة كتارا للرواية العربية، بالتعاون مع سفارة جمهورية الصومال الفيدرالية لدى دولة قطر، جلسة نقاشية حول رواية " عصى مقديشو " للكاتب والروائي هاشم محمود. وقد حظيت الرواية بنقاش مستفيض وإشادة من المشاركين، الذين تناولوا مضامينها وأبعادها الأدبية والثقافية، وما تثيره من أسئلة حول الإنسان في مواجهة المحن والاضطرابات التي تفرضها الصراعات السياسية والاجتماعية، وما تخلفه من معاناة ونزوح واغتراب، فضلا عن تحديات الاندماج في المجتمعات الجديدة، وتعقيدات العودة إلى الوطن، وما يرافق ذلك من مشاعر وتجارب إنسانية. كما امتد النقاش إلى عدد من القضايا المرتبطة ببناء الرواية وشكلها ومضمونها، وإلى الأسلوب الذي عالج به المؤلف أحداثها وشخصياتها والقضايا التي تطرحها.

وتتجاوز أهمية هذه الرواية كونها عملا إبداعيا ممتعا، لتكشف عن صلة السرد بتشكيل صورة المجتمعات، سواء في مخيلة أبنائها أم في مخيلة الآخر، وقدرة السرد على إعادة صياغة هذه الصورة وما يرتبط بها من تجارب. وفي هذا السياق تستحضر " عصى مقديشو " ذاكرة الانكسار التي خلفتها الحرب، غير أنها تفسح المجال لسردية مختلفة عن تجربة الهجرة التي فرضتها الحرب، فتقدمها بوصفها مصدرا للمعرفة والخبرة والعلاقات، وتنظر إلى العودة إلى الوطن باعتبارها وسيلة للمشاركة في بناء مستقبله.

وتسعى الرواية، من خلال قصة موسى وعائلته، إلى الربط بين التجربة الفردية ومسار تاريخي أوسع عاشه المجتمع الصومالي خلال العقد الأخير من القرن العشرين؛ فقد أدت الحرب الأهلية التي اجتاحت مقديشو عام 1991 إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفكك أجزاء من النسيج الاجتماعي، وأجبرت أعدادا كبيرة من الصوماليين على مغادرة البلاد واللجوء إلى مناطق مختلفة في العالم، من بينها الولايات المتحدة حيث استقرت عائلة موسى. غير أن الرواية لا تتوقف عند لحظة المغادرة، ولا تجعل الهجرة نهاية القصة؛ فموسى يغادر الصومال تحت وطأة الحرب، ويحمل معه في غربته آثار التجربة التي عاشها، فيواجه في المهجر تحديات الاندماج في بيئة اجتماعية وثقافية جديدة، ولكنه في المقابل يكتسب معارف وخبرات ويبني علاقات جديدة، لتتحول الغربة من مجرد ابتعاد عن الوطن إلى فرصة للتعلم وتوسيع المدارك.

وتجدر الإشارة إلى أن تجربة المجتمع الصومالي في الشتات تكشف عن مسارين متمايزين؛ مسار الاندماج في المجتمعات المضيفة والمساهمة الفاعلة فيها، ومسار العودة إلى الصومال والمشاركة في إعادة إعمارها. فقد انخرط أبناء الجاليات الصومالية في المهجر في مجالات متنوعة، شملت الخدمة العامة والمؤسسات الأكاديمية وقطاع الأعمال وغيرها من مجالات العمل العام، بينما اختار آخرون العودة إلى الصومال حاملين معهم ما اكتسبوه من تعليم وخبرات مهنية ومعارف وعلاقات.

والمسار الثاني هو الذي اتخذه مؤلف " عصى مقديشو " محورا في سرده؛ فموسى لا يعود إلى الصومال لمجرد استعادة حياة فقدها، وإنما يعود بعد سنوات من التعلم واكتساب الخبرة، وفي ذهنه مشروع استثماري يسهم من خلاله في إعمار وطنه، لتصبح العودة انتقالا من موقع المتأثر بظروف الحرب إلى موقع المساهم في معالجة آثارها والمنخرط في جهود إعادة الإعمار. وتتجسد هذه الرغبة في مبادرة عملية، إذ يؤسس موسى شركة تكنولوجيا بالتعاون مع أصدقاء له من دول القرن الإفريقي، وبتمويل رجل أعمال صومالي، ويفتح من خلالها المجال لكفاءات من خلفيات وأماكن مختلفة، بما فيها الولايات المتحدة.

إن فكرة إسهام الشتات الإفريقي في نهضة القارة ليست غريبة عن تاريخها الحديث؛ إذ ارتبطت بأحفاد الأفارقة الذين اقتلعوا من بلدانهم ونقلوا قسرا إلى الأمريكيتين في سياق تجارة الرقيق عبر الأطلسي، وفي منتصف القرن التاسع عشر، برز في أوساط هؤلاء الأحفاد عدد من المفكرين والنشطاء، وامتد نشاطهم الفكري والسياسي إلى منتصف القرن العشرين، فأطلقوا مبادرات تدعو إلى وحدة الأفارقة ومصيرهم المشترك والدفاع عن حقوقهم، وأسهمت هذه المبادرات لاحقا في تشكيل الأسس الفكرية لحركة الجامعة الإفريقية (Pan-African Movement). ومع مرور الزمن تعززت صلات الشتات الإفريقي بالقارة واتسعت أدواره في خدمتها لتشمل تبادل المعارف والخبرات، وبناء العلاقات والشراكات، والاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وفي هذا السياق، يمكن قراءة مسار موسى في " عصى مقديشو " بوصفه نموذجا معاصرا للعائد الذي يوظف ما اكتسبه في المهجر في خدمة وطنه والمشاركة في إعادة إعماره.

ولعل أبرز ما يميز "عصى مقديشو " محاولتها إعادة رسم صورة المجتمعات التي شهدت حروبا واضطرابات أجبرت شرائح منها على اللجوء إلى مناطق مختلفة من العالم بحثا عن أمن واستقرار، وتندرج هذه المحاولة ضمن الدور الذي يمكن أن يؤديه السرد في تشكيل صورة الأمم والمجتمعات عن ذاتها، وهو ما تناوله هومي ك. بابا في " الأمة والسرد "، من خلال تأكيده أهمية القصص التي ترويها الجماعات عن نفسها في استيعاب ماضيها، واستشراف مستقبلها. ومن هذا المنظور يستطيع السرد الروائي أن يقدم صورا لهذه المجتمعات لا تختزلها في الحرب والفقر والنزوح فحسب، بل تكشف عن جوانب أخرى مضيئة من واقعها وتجارب أبنائها، دون أن يعني ذلك تقديم صورة مثالية للواقع أو تجاهل آثاره السلبية على المجتمع والدولة. وفي هذا الإطار، تقدم الرواية سردية مغايرة للصور الشائعة عن الهجرة والعودة، وتمنح العائدين إلى أوطانهم حضورا مختلفا، بوصفهم أشخاصا يحملون ما اكتسبوه في المهجر من معرفة وخبرة وعلاقات، ويسعون إلى توظيفها في خدمة مجتمعاتهم.

وفي الختام، أقدم الشكر والتقدير إلى إدارة مكتبة كتارا للرواية العربية على استضافة هذه الفعالية، وعلى دورها الرائد في دعم الثقافة والكُتاب والمبدعين، وإتاحة منابر للحوار والتبادل الثقافي، كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى الكاتب والروائي هاشم محمود على هذا العمل المتميز.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية