رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الثاني من أكتوبر عام 1869 ولد شخص ضحك العالم على مظهره، وسخر المستعمر من قوته، وقتله رفاقه وأبناء جلدته، لأنه نادى بما كان يؤمن به دائماً، إنه المهاتما غاندي الذي ناضل من أجل الأمة الهندية، والثقافة الهندية، والأرض الهندية، وغادر وهو يقول عبارته الأجمل: أريد أن تهب ثقافات كل الأراضي بمحاذاة منزلي، وبكل حرية، لكني أرفض أن أتقلب بهبوب أي واحدة منها.
اليوم نحن في وطن عربي كبير، لا غاندي فيه، ولا رموز تدافع عن هويته، ولا مفهوم الأمة بكل جوانبها، بل إن التاريخ يوضح لنا أن كثيراً ممن لعبوا على وتر الأمة كانوا يستغلونها لأغراضهم الشخصية، كجمال عبدالناصر، فباتت أمتنا العربية اليوم بين صراع بقاء الدولة.. وضياع الأمة.
لا شك أن مصطلح الأمة أكبر وأعم من مصطلح الدولة، فهي لها دلالتها التي يرسمها الواقع من حيث المشتركات بين شعوبها لا بناء على المساحة الجغرافية أو الحدود السياسية لها، وهي أمة ترتبط بما يكونها من دين ولغة وأخلاق وأعراف تستمد منها قوتها التي تفرض من خلالها قوانينها الخاصة التي تعتقد أنها تحكمها وإن لم تكن تأخذ الشكل الرسمي في المعنى والتطبيق، كما أنها ترسم من خلالها توجهاتها الفكرية ومواقفها التي تبدأ في الحاضر وترسخ في المستقبل بناء على حاجاتها ككتلة كبيرة وليست قطعاً أو أفراداً أو مجموعات.
لكن المشكلة الدائمة بين من يميلون للدولة أكثر من الأمة يجعلهم في صراع مع أمتهم، بكل قضاياها، فيفككونها لأنها أساس الترابط، فالأمة التي تختلف على قضاياها الجوهرية تنتهي، وما المشتركات إلا مكملات لقضاياها الجوهرية الكبرى، كأن يتفق العرب على فلسطين، ومحاربة الصهاينة، فإن فككت الآراء واختلفت على أكبر قضية جوهرية تجمع الأمة، فمن السهل حينها تفكيك الأمة وتحويلها لدول مختلفة ومتخالفة.
فكرة الأمة هي شعور إنساني، يجمع الكل في كل أكبر، لهذا فإن المنظرين لفكرة الدولة يروجون دائماً لفكرة الهوية الوطنية، أو للأفكار الضيقة التي تعزز المواجهة مع فكرة الأمة.
عالم الأنثروبولوجيا الشهير أرجون أبادوري قال ذات يوم: إن مفهوم الدولة دخل في أزمة، لأن الهوية الثقافية نفسها هي التي دمرت بسبب التغير الواقع، وطال الشك فكرة الجمع الوطنية القائمة على وحدة اللغة والتقاليد والدين والثقافة.
إن الدولة التي تنفصل عن الأمة وتظن أنها ستحافظ على هويتها مخطئة، لأن وعي الناس فيها يتغير مع تغيرها، وحاجاتهم تبدأ بالاختلاف والتطور من خلال المقارنة مع الغير أو البحث عن الجديد، فتدخل الدولة صراع الحفاظ على الهوية أو القبول بتشكيل هوية جديدة، والوطن العربي بتعدد أعراق شعوبه واتساعه الجغرافي قابل لأن تتغير هويته بشكل كامل سواء كان ذلك لكونه مجتمعاً استهلاكياً مستورداً لكل شيء بما فيها الثقافة والهوية، أو الخوف من السلطة السياسية وإتباع قراراتها فيما تقول حتى لو طلبت منهم الحديث بالعبرية.
إن فكرة تفكيك الأمة العربية التي كانت تسبب ضغطاً للقادة العرب، كانت في الحقيقة تحميهم من اتخاذ كثير من القرارات التي يمكن أن يتعرضوا لها تحت الضغط، لكن قصر النظر السياسي لدى كثير من الأنظمة العربية جعلها تعتقد أن الانفراد بالرأي السياسي أو القرار السياسي في القضايا الكبرى يجعل لها استقلالية أكبر أو مكانة أكبر، حتى وصلنا مرحلة أستفرد فيها بنا خصومنا كل على حدة، وأصبحت الدول العربية اليوم لا تحتاج لضغط حتى ترضخ، يكفي الأمر أن يتذكر القائمون عليها مصير غيرهم فيسلمون بما يريد الغرب، ولنا في الركض خلف التطبيع الحالي مثال.
لدينا مشكلة قيادة حقيقية في الوطن العربي، وهذه المشكلة تجعلنا نواجه المجهول، فالواقع يظهر أنه لا أمل لنا في الحكومات ولا الساسة في قيادتنا نحو طريق يمكن الاعتماد فيه عليهم، أو طريق يمكن القول إنه الطريق الصحيح الذي يقودنا للنهاية السليمة، فعدم القدرة على موازنة الأمور واختلاف الرؤى والتوجهات السياسية بداية من إدارة الحكم الداخلي ومروراً بالفردية المطلقة في حكم كل دولة تعتقد أنها هي الوحيدة فقط التي على صواب وليس نهاية بإعادة تعريف الأخ والصديق والعدو تجعلنا في منطقة لا مستقبل لها إلا من خلال من يديرون خيوط اللعبة من خارج منطقتنا.
هذه المشكلة تمتد للاقتصاد، فبعد أن كانت دولنا فقيرة معدمة مستعمرة، تحولت بفضل الاستقلال والبترول والمعادن لدول غنية فجأة، لكنها لم تحسن لليوم الصرف من مواردها، ولا إدارة أصولها، وباتت عرضة لأي ضغوطات اقتصادية من الخارج، بل بلغ الأمر أن دولنا تتعرض أحياناً لضغوط اقتصادية من بعضها البعض من أجل اتخاذ موقف لصالح دول الضغط، وأحياناً ضد دول عربية.
ورغم كل هذه السنوات لا نزال شعوباً مستهلكة، لا منتجة، وهذا يجعلنا تحت ضغط قادة الاقتصاد، وعندما نقول هذه الكلمة فإننا بالتأكيد لا نعني الدول التي تقود اقتصاد العالم، بل الشركات التي أصبحت تقود مصير العالم والأفراد الذين يقودون توجهاته السياسية، ولعل أكبر مثال ينطبق على ذلك هو ما قاله الفيلسوف الأمريكي ورائد العملانية ريتشارد رورتي: "لدينا طبقة عولمية من أثرى الأثرياء، تصنع القرارات الاقتصادية الكبرى، وهي تصنعها باستقلال تام عن تشريعات أية دولة، وعن إرادة أي ناخبين".
ولعل خير مثال يتجسد في قدرة الشركات العابرة للقارات أن تسيطر على مصير العالم تلك الفضائح التي تكشف عن قيام شركات أدوية بشراء براءات اختراع لعلاج الكثير من الأمراض الكبيرة وطمسها، لأن العلاج قد يقضي على حاجة الناس للدواء، أو ضغط الدول الكبرى على منع دول معينة من القيام بتصنيع منتجات معينة تجعلها حكراً عليها، رغم أن هذه الدول الممنوعة من التصنيع هي التي تمتلك المواد الأولية لها، ويمكنها بأرخص الأثمان أن تبدأ هذه الصناعة ولكنها تمنع وتتحول لمستهلك بأعلى الأسعار.
إننا أمام تحد حقيقي كشعوب عربية في بقائنا كأمة، فلا اللغة ولا الدين قادران في المستقبل على حماية مقدراتنا ولا ترابطنا، ويكفي توجيه وسائل الإعلام لتضليل العقول وتغييب الوعي وتحويل الأمة العربية إلى دول.. وربما ليست عربية.
a@abdulaziz.qa
خذلان النخب لغزة
في الأزمات الكبرى، تتجلى المواقف على حقيقتها، فتسقط الأقنعة، ويظهر الصادقون من المدّعين. وعندما تكون الأزمة بحجم المجازر... اقرأ المزيد
873
| 05 مارس 2025
سقف ترامب
منذ دخوله الساحة السياسية، برع دونالد ترامب في استخدام إستراتيجيات تفاوضية غير تقليدية، تجمع بين التهديدات القصوى والانسحاب... اقرأ المزيد
816
| 18 فبراير 2025
يوم رياضي واحد
يُعتبر اليوم الرياضي في دولة قطر من المبادرات الرائدة التي تعكس التزام الدولة بتعزيز الصحة العامة ونشر ثقافة... اقرأ المزيد
1110
| 11 فبراير 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4272
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2181
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1143
| 28 سبتمبر 2026