رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن شئت أن تعرف أسباب ضعف الإنتاج الأدبي العربي الحديث، وانفصاله من طموحات الأمة، فاعلم أن الاستبداد قد أفسد أدبنا وثقافتنا كما سمم حياتنا، وشل طموحاتنا وزاد فقرنا.
فمنذ أعوام قليلة اعترف وزير ثقافة دولة عربية مهمة بأنه يشتري أديباً بوجبة عشاء، ويشتري آخر بمنصب. فماذا نتوقع من أديب يشترى بلقمة سوى أن ينتج قصيدة غامضة يسب فيها أمته ويتطاول على الذات الإلهية، أو رواية ساقطة ليس لها قيمة حقيقية بكل مقاييس الأدب، تتحدى مشاعر المسلمين وتسيء إلى مقدساتهم لأن ذلك يعجب الغرب الذي يتبعه المستبدون العرب.
والأديب الذي اشتراه المستبدون بوجبة عشاء من الطبيعي أن يقطع علاقته بثقافة وطنه، ويحاول أن يبحث عن أسوأ ما في أمته فذلك يرضي أسياده المستبدين الذي يخافون من القوى الإسلامية التي تكافح لبناء مشروع حضاري.
المستبدون يعرفون أن هذا المشروع يكسب كل يوم مزيداً من الأنصار، وأنه يشكل مقاومة شاملة للاستعمار والاستبداد ولذلك فإن المستبدين العرب يستخدمون الأدباء الذي اشتروهم بعشوة طبقاً لتعبير وزير الثقافة لكي يقوموا بإلهاء الجماهير وتزييف وعيها وخدمة صناعة التسلية وتضييع جهد الحركة الإسلامية في مواجهة بعض الأعمال التي تسيء إلى الذات الإلهية أو المقدسات والرموز الإسلامية.
وفي الوقت نفسه يتم تصوير الحركة الإسلامية بأنها ضد الإبداع وتهاجم الأدباء وتريد تقييد حرية الرأي والتعبير، وأن كل ما ستفعله إذا وصلت للحكم هو تقييد حرية الإبداع والثقافة والفكر.
وهذا يعني أن الأدباء قد تحولوا إلى وسيلة يستخدمها المستبدون في تحقيق أهدافهم ومحاربة معاركهم مع القوى التي تحافظ على ثقافة الأمة. ولم يحارب هؤلاء الأدباء دفاعاً عن كرامتهم التي أهانها المستبدون.
بعد أن حصلت على درجة الدكتوراه دعيت إلى مؤتمر في الجمعية المصرية للتشريع لأتحدث عن الرقابة.... وخلال الجلسات التي سبقت الجلسة التي تحدثت فيها كانت هناك مطالبة مستمرة من القاعة بمناقشة مشكلة الرقابة باعتبارها أخطر المشكلات التي تقيد الحرية... وهو الأمر الذي أدى إلى وقوف الأستاذ كامل زهيري ليطمئن الجميع إلى أن المشكلة ستتم مناقشتها في جلسة متخصصة وأنه تمت دعوتي لأقدم الرؤية العلمية.
وكما توقع الأستاذ الكبير كامل زهيري فقد قدمت عرضاً لاستخدام السلطات الاستعمارية والاستبدادية للرقابة منذ عام 1914، وأوضحت كيف أن هذه السلطات قد أعاقت تطور الصحافة ووسائل الإعلام والثقافة، وطالبت الحضور بأن تبدأ مرحلة جديدة من الكفاح ضد الرقابة.
لكن مجموعة من مدعي الثقافة، والذين يصورون أنفسهم بأنهم ينتمون لليسار عبروا عن غضبهم علي لأنهم كانوا يريدون أن أركز على الرقابة التي يمارسها الأزهر باعتباره مؤسسة دينية على الإنتاج الأدبي وتقييد حرية الإبداع، ومنع نشر المواد التي تسيء إلى رموز الإسلام.
وبأسلوب علمي ناقشت الاعتراضات وأثبت أن السلطة هي التي تقيد حرية الأدب والثقافة والصحافة والإعلام.
وأننا نكافح لنحمي حق الأمة في حماية حرية الجميع وليس حماية حرية مجموعة من التابعين للسلطة في الهجوم على الإسلام.
هذه التجربة أوضحت لي الكثير من الحقائق وهي أن السلطة المستبدة والأدباء التابعين لها يريدون الحرية بمعنى محدد هو حرية استخدام التعبيرات الجنسية التي تصدم الحياء الإنساني، والهجوم على المقدسات والرموز الإسلامية.. ولكنهم لا يريدون الحرية للكفاح ضد الاستعمار والاستبداد ولحماية حقنا في تطوير صناعة المضمون الثقافي والإعلامي وبناء مجتمع المعرفة.
وهم لا يريدون أن يكون الأدب وسيلة لتشكيل وعي الأمة، والكفاح لتحقيق الاستقلال الثقافي والحضاري، ولتحقيق الديمقراطية والعدالة ومقاومة الاستبداد.
ولذلك فإن الأدباء الذين اشترتهم السلطة بعشوة يثورون ضد أية محاولة حتى من جانب المؤسسة الإسلامية الرسمية مثل الأزهر إذا طالبت بمصادرة رواية تافهة تسيء إلى الإسلام. كأن هؤلاء قد أرادوا اختزال الحرية في الهجوم على الإسلام وفي استخدام الجنس.
وفي الوقت نفسه كانت السلطات المستبدة تمنع نشر الكثير من الإنتاج الأدبي الملتزم بقيم الإسلام والذي يكافح ضد الاستعمار والاستبداد، ولأن معظم دور النشر الخاصة لا تنشر سوى القليل من الكتب التي تعتقد أنها ستحقق أرقام توزيع كبيرة لأسماء مشهورة، فلم يستطع الكتاب الذين تكرههم السلطات والتي لا تنشر لهم وزارات الثقافة والهيئة العامة للكتاب أن ينشروا إنتاجهم رغم أهميته.
وهكذا سيطرت السلطات على الأدباء ووجهتهم واستخدمتهم لتزييف وعي الأمة واشترت معظمهم بوجبة عشاء... أما الذين حرصوا على كرامتهم وشرفهم وضمائرهم واعترفوا بانتمائهم لأمتهم فقد ظلوا مغمورين. واتجه معظمهم إلى البحث عن لقمة خبز شريفة وهجر الأدب والثقافة.
مادورو على السفينة.. القوة الأمريكية بين الشماتة والهيمنة
في التاريخ السياسي الحديث، نادرًا ما كانت الصورة مجرّد صورة، فهي في لحظات التحوّل الكبرى، تتحوّل إلى خطاب... اقرأ المزيد
174
| 07 يناير 2026
حنا السبب
في زمنٍ لم تعد فيه الشوارع أخطر ما يهدد أطفالنا، ولا الغريب المجهول هو العدو الأول، ظهر عدوٌّ... اقرأ المزيد
246
| 07 يناير 2026
غزة تحت المطر
هل شتاء غزة.. يختبر صبر أهل غزة؟! فصورة الخيام المهترئة التي لا تمنع مطرا ولا تقي بردا مؤلمة.... اقرأ المزيد
126
| 07 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
879
| 07 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
843
| 31 ديسمبر 2025