رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أن تمت مناقشة قانون المالية في المجلس الوطني التأسيسي في الفترة الأخيرة، الذي أثار موجة من الاستياء العام لدى كافة الطبقات والفئات الاجتماعية، انفجرت الأوضاع في مختلف المدن التونسية، لاسيَّما في الولايات الفقيرة والمهمشة تاريخياً، تنديدا واحتجاجاً على قانون ميزانية الدولة للعام الحالي وبسبب غلاء المعيشة وانهيار القدرة الشرائية للمواطن. فقد اجتاحت موجة من العنف والمواجهات بين المحتجين وقوات أمن غالبية المدن التونسية يوم الأربعاء 8 يناير الجاري، خلال احتجاجات شعبية على ضرائب جديدة فرضتها الحكومة التي تقودها حركة "النهضة" الإسلامية.
لقد انطلقت حركة الاحتجاجات الشعبية، خلال الأسبوع الماضي، من مدينة القطار في ولاية قفصة في جنوب غربي تونس، حيث أقدم عدد من شبان المنطقة على إحراق العجلات وإغلاق مداخل الجهة احتجاجا على غلاء المعيشة وعلى التعيينات الأخيرة في "شركة فسفاط قفصة"، وهي أكبر شركات استخراج الفسفاط في شمال إفريقيا.
ثم عمت الاحتجاجات بقية المدن التونسية، من الشمال الغربي، إلى الأحياء الشعبية والفقيرة المتاخمة لتونس العاصمة، مرورا بمدينة القصرين في الوسط التونسي، التي انطلقت منها شرارة الثورة التونسية قبل ثلاث سنوات، حيث خرج المحتجون في مسيرات غاضبة، حاصروا مقر حركة "النهضة" الإسلامية، ثم تمكنوا من اقتحامه وحرقه بالكامل.
ورغم أن قوات الأمن كانت تحمي هذا المقر، واستخدمت القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي لإبعاد المتظاهرين، فإنها لم تتمكن من الصمود أمام الحشود الغاضبة، حيث انسحبت من المكان قبل أن يتم اقتحام المقر وحرقه.
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد، أن حرق مقرات حركة "النهضة" الإسلامية تكرر خلال الأشهر الماضية في عدد من المدن التونسية، وذلك تعبيراً على غضب المواطنين من أداء هذه الحركة التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد.
ففي معظم المدن التونسية المنتفضة، كان المتظاهرون يشتكون من تواصل تهميش الولايات الفقيرة وعدم تخصيص اعتمادات في ميزانية التنمية للعام 2014 لبعث مشاريع تنموية تشغل الناس العاطلين عن العمل، إضافة إلى مطالبتهم بإلغاء الضرائب المقررة والتخفيض في الأسعار، وتوجيههم الاتهام لحركة "النهضة"، بإقرار ضرائب تعجيزية للمواطنين في إطار إيجاد موارد لـ"صندوق الكرامة"، الذي استحدثته حركة "النهضة" لتعويض مساجينها السياسيين.
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل القائد للرباعي الراعي للحوار الوطني، والحاضن الاجتماعي تاريخيا لكل أطياف المعارضة التونسية من أقصى اليسار إلى الإسلاميين مرورا بالقوميين، قد وضع كل ثقله في هذه الاحتجاجات، عندما أصدر بياناً يوم الأربعاء 8 يناير الجاري، أكد فيه رفضه لميزانية العام الحالي، معتبراً أنها لا تستجيب لمطالب الشرائح الضعيفة والمتوسطة من الشعب التونسي. كما عبر "اتحاد الفلاحين" أيضا عن رفضه لهذه الإجراءات التي أقرتها الدولة بحق الفلاحين، فارضة ضرائب عالية على صغار الفلاحين، ما أثقل كاهلهم خاصة بعد سنة شحيحة في الإنتاج.
أما "حركة النهضة" فقد ردّت على احتجاج المواطنين ببيان أصدره زعيمها الشيخ راشد الغنوشي، يوم الأربعاء الماضي، حيث عبر عن تفهمه لهذه الاحتجاجات، مشددا على أنها رفض للإتاوات والضرائب.
بدوره، عقد وزير المالية إلياس فخفاخ، المنتمي لـ"حزب التكتل" شريك "النهضة" في الحكم، ندوة صحفية طارئة، يوم الأربعاء الماضي، عبّر فيها عن استيائه من هذه التحركات، معتبراً أنّ ما يروج عن قانون المالية محض مغالطات.
المتابع للأوضاع التونسية، يلمس بوضوح أن هذا البلد العربي الذي فجر ربيع الثورات العربية في شهر يناير 2011، لا يزال يعيش حالة من الغليان الثوري على الصعيد الاجتماعي، والسبب في ذلك أن حكومة حركة "النهضة" التي استلمت السلطة في شهر نوفمبر 2011، استمرت في اتباع نهج الليبرالية الاقتصادية الذي كان سائداً في مرحلة ما قبل الثورة.
فإلى جانب الثروات التي جلبتها العولمة الليبرالية، التي انخرطت فيها تونس منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، والتي استفادت منها الطبقة المتوسطة الاستهلاكية بسبب التوسّع في سياسة الإقراض لشراء السيارة والمنزل، حلّ في المقابل الفقر والبطالة ليهمّشا محافظات تونسية بأكملها من جراء انتهاج سياسات تعمق حجم الاختلال التنموي بين الجهات والمناطق.
وكان نظام بن علي البوليسي يفاخر دائماً بأن الطبقة المتوسطة تبلغ 80 في المئة من مجموع الشعب التونسي، لكن دراسة للبنك الدولي تحدثت عن 47 إلى 48 بالمئة باعتبارها نسبة الطبقة المتوسطة من مجموع الشعب. وهذا الرقم (47 – 48 بالمئة) ليس رقماً سلبياً على أي حال. ويأتي توسع وتضخم هذه الطبقة المتوسطة الاستهلاكية التي تمثل نصف البيئة الاجتماعية التونسية، في سياق انخراط تونس في إطار العولمة الليبرالية، والدعم الغربي القوي للتجربة التونسية من خلال تدفق القروض على تونس من بنك الاتحاد الأوروبي، وكذلك تسارع رؤوس الأموال الغربية والخليجية على الاستثمار في تونس، الأمر الذي أسهم في زيادة معدلات التنمية في تونس أعلى نسبيا مما هي عليه في البلدان العربية المجاورة.
وإذا كانت فترة الليبراليّة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، قد خلقت بضعاً من طبقة متوسّطة استهلاكيّة، فإنها فشلت في تحقيق قفزة في النموّ الاقتصاديّ، لدرجة أنّ معدّلات النموّ كانت وسطيّاً أعلى في الفترة التي سبقتها. وإن كانت هذه الفترة قد فاقمت البطالة والفقر في الولايات المهمشة في الشمال الغربي، والوسط، والجنوب التونسي، وعمقت الفوارق الاجتماعيّة، لدرجة أنّ هناك ناسا يموتون في قوراب أو شاحنات بحثاً عن هجرةٍ إلى الشمال. ليسوا فقط فلاّحين قحلت أرضهم، بل أيضاً جامعيّون. وإذا كان أهمّ إيراد للطبقات الفقيرة هو تحويلات العمّال المهاجرين، فماذا يمكن أن تقدّمه حكومة حركة النهضة الإسلامية الحاكمة إلى الشعب التونسي عامة، والولايات الفقيرة خاصة، في زمن أزمة تشتدّ استعاراً؟
في زمن الثورة، الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة لها الأولويّة، وهذه الحقوق لا تُعطى، بل تؤخذ عبر النضالات على الأرض، من قبل من تردّت كثيراً أوضاعهم الاجتماعيّة، وأيضاً ذلك الجزء من الطبقة المتوسّطة الذي يخسر اليوم ما أكسبه إيّاه زمن الانفتاح. وهذه النضالات تتطلّب إمكانيّة، بل حريّة التظاهر والإضراب والاحتجاج، ولكن كذلك هذه الحريّات لا تمنح، بل تؤخذ.
تونس تعيش بوادر انتفاضة اجتماعية جديدة تنخرط فيها معظم الطبقات والفئات الاجتماعية الشعبية على خلفية مناهضة قانون الميزانية الجديد، وتدهور القدرة الشرائية للمواطن. فها هو البعد الاجتماعي الذي كان المفجر الرئيسي للثورة التونسية، يعود من جديد في زمن حكم الإسلاميين.
فقد أبصرت الثورة قبل ثلاث سنوات النور من الريف التونسي، وتحديداً من المحافظات المحرومة والمهمشة تاريخياً التي تقع في الوسط الغربي (سيدي بوزيد والقصرين) باعتبارها كانت تمثل تاريخياً مركز القبائل العربية (الهمامة والفراشيش وماجر)، التي أطاحت البربر في القرن الحادي عشر، وفجرت ثورة شعبية قادها علي بن غذاهم ضد نظام «الباي» المتسلط في سنة 1864. وعندما أدرك الباي قرب انتهاء سلطته أعلن رضوخه للمطالب، ولم تكد الحركة الشعبية تتراجع حتى أرسل الباي الجنرال زروق لتصفية الثائرين، وأعدم القيادي علي بن غذاهم.
وتنسج سلطة القبائل هذه الموروثة من تاريخ تونس الطويل، حتّى قبل الوجود الفرنسي في البلاد (1881-1956)، شبكة من العلاقات الاجتماعية في مناطق مختلفة. وقد كان لهذه الشبكة القبلية فعلها في الثورة التونسية الحديثة التي انطلقت من محافظتي سيدي بوزيد والقصرَين وتالة.
هذا الأمر مفهوم، لأن النخبة السياسية - الإدارية المسيطرة على مجموع الدولة- الحزب الواحد بقيادة الحبيب بورقيبة، والتي نقلت تونس من حكم القبائل إلى الدولة الحديثة، لم تكن نخبة ثورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم تتحرر هي أيضا من منبت "عصبيتها" الساحلية، إذ ركزت التنمية في المناطق الساحلية الشرقية مثل (المنستير وسوسة والمهدية، وصفاقس)، كما في الشمال (بنزرت)، أي في المناطق ذات التقليد التجاري الكبير، حيث تترجم في المقابل أسماء العائلات والانتماءات الاجتماعية الدور الرئيسي للروابط المهنيّة القديمة. وأهملت السلطة التونسية العديد من المحافظات الداخلية الواقعة في الوسط الغربي، والجنوب.
إنها الخاصية التي تتميز بها تونس المنقسمة مناطقيا (جهويا)، والخاضعة لقانون التطور اللامتكافئ على صعيد التنمية، وعلى صعيد التوزيع غير العادل لفوائد النمو والتنمية، بين المناطق الشرقية، الواقعة على الشريط الساحلي، والمناطق الداخلية، إذ ظل هذا التفاوت الموروث من فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (1956 – 1987) يتعمق طيلة العقدين الماضيين. وبهذا المعنى نفهم لماذا انطلقت هذه الثورة الاجتماعية غير المسبوقة من الوسط الغربي، وانتشرت أساسا في المناطق المحرومة التي تُعاني من التهميش. وفي أجواء الشعور بالحيف الجهوي والغبن الساري بين أبناء تلك المحافظات المنسية، ترعرعت مُسوغات التمرد الجماعي، الذي لم يكن ينتظر أكثر من عود ثقاب، سرعان ما قدحه الشاب بوعزيزي بإقدامه على فعل تراجيدي شديد الرمزية، مكثف الدلالة، بعيد الصدى.
الولايات الفقيرة والمحرومة التي انطلقت منها الثورة، هي نفسها التي انطلقت منها الجماهير الشعبية الغاضبة في عهد حكم "النهضة"، لاسيَّما جماهير الفلاحين الفقراء المستائين من عدم تشريكهم في حلحلة الوضع السياسي في البلاد في أكثر من مناسبة والذين يتهمون حكومة "النهضة" بممارسة سياسة الإقصاء ضدهم رغم أنهم كانوا وقودا للثورة بالجهات المحرومة وحرصوا على تزويد البلاد بالمواد الغذائية في أصعب فترات الثورة ومازالوا.
وتتمثل مطالب الفلاحين من الحكومة بالزيادة في الأجور، لأن رزقهم على الله ولم يطلبوا امتيازات جبائية اعترافا بمجهوداتهم الجبارة قبل الثورة وأيام الثورة كما أنهم حريصون على المطالبة بحقوقهم بطرق سلمية، لاسيَّما منها تسوية ملف المديونية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5202
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2733
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2352
| 02 يونيو 2026