رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أن تمت مناقشة قانون المالية في المجلس الوطني التأسيسي في الفترة الأخيرة، الذي أثار موجة من الاستياء العام لدى كافة الطبقات والفئات الاجتماعية، انفجرت الأوضاع في مختلف المدن التونسية، لاسيَّما في الولايات الفقيرة والمهمشة تاريخياً، تنديدا واحتجاجاً على قانون ميزانية الدولة للعام الحالي وبسبب غلاء المعيشة وانهيار القدرة الشرائية للمواطن. فقد اجتاحت موجة من العنف والمواجهات بين المحتجين وقوات أمن غالبية المدن التونسية يوم الأربعاء 8 يناير الجاري، خلال احتجاجات شعبية على ضرائب جديدة فرضتها الحكومة التي تقودها حركة "النهضة" الإسلامية.
لقد انطلقت حركة الاحتجاجات الشعبية، خلال الأسبوع الماضي، من مدينة القطار في ولاية قفصة في جنوب غربي تونس، حيث أقدم عدد من شبان المنطقة على إحراق العجلات وإغلاق مداخل الجهة احتجاجا على غلاء المعيشة وعلى التعيينات الأخيرة في "شركة فسفاط قفصة"، وهي أكبر شركات استخراج الفسفاط في شمال إفريقيا.
ثم عمت الاحتجاجات بقية المدن التونسية، من الشمال الغربي، إلى الأحياء الشعبية والفقيرة المتاخمة لتونس العاصمة، مرورا بمدينة القصرين في الوسط التونسي، التي انطلقت منها شرارة الثورة التونسية قبل ثلاث سنوات، حيث خرج المحتجون في مسيرات غاضبة، حاصروا مقر حركة "النهضة" الإسلامية، ثم تمكنوا من اقتحامه وحرقه بالكامل.
ورغم أن قوات الأمن كانت تحمي هذا المقر، واستخدمت القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي لإبعاد المتظاهرين، فإنها لم تتمكن من الصمود أمام الحشود الغاضبة، حيث انسحبت من المكان قبل أن يتم اقتحام المقر وحرقه.
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد، أن حرق مقرات حركة "النهضة" الإسلامية تكرر خلال الأشهر الماضية في عدد من المدن التونسية، وذلك تعبيراً على غضب المواطنين من أداء هذه الحركة التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد.
ففي معظم المدن التونسية المنتفضة، كان المتظاهرون يشتكون من تواصل تهميش الولايات الفقيرة وعدم تخصيص اعتمادات في ميزانية التنمية للعام 2014 لبعث مشاريع تنموية تشغل الناس العاطلين عن العمل، إضافة إلى مطالبتهم بإلغاء الضرائب المقررة والتخفيض في الأسعار، وتوجيههم الاتهام لحركة "النهضة"، بإقرار ضرائب تعجيزية للمواطنين في إطار إيجاد موارد لـ"صندوق الكرامة"، الذي استحدثته حركة "النهضة" لتعويض مساجينها السياسيين.
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل القائد للرباعي الراعي للحوار الوطني، والحاضن الاجتماعي تاريخيا لكل أطياف المعارضة التونسية من أقصى اليسار إلى الإسلاميين مرورا بالقوميين، قد وضع كل ثقله في هذه الاحتجاجات، عندما أصدر بياناً يوم الأربعاء 8 يناير الجاري، أكد فيه رفضه لميزانية العام الحالي، معتبراً أنها لا تستجيب لمطالب الشرائح الضعيفة والمتوسطة من الشعب التونسي. كما عبر "اتحاد الفلاحين" أيضا عن رفضه لهذه الإجراءات التي أقرتها الدولة بحق الفلاحين، فارضة ضرائب عالية على صغار الفلاحين، ما أثقل كاهلهم خاصة بعد سنة شحيحة في الإنتاج.
أما "حركة النهضة" فقد ردّت على احتجاج المواطنين ببيان أصدره زعيمها الشيخ راشد الغنوشي، يوم الأربعاء الماضي، حيث عبر عن تفهمه لهذه الاحتجاجات، مشددا على أنها رفض للإتاوات والضرائب.
بدوره، عقد وزير المالية إلياس فخفاخ، المنتمي لـ"حزب التكتل" شريك "النهضة" في الحكم، ندوة صحفية طارئة، يوم الأربعاء الماضي، عبّر فيها عن استيائه من هذه التحركات، معتبراً أنّ ما يروج عن قانون المالية محض مغالطات.
المتابع للأوضاع التونسية، يلمس بوضوح أن هذا البلد العربي الذي فجر ربيع الثورات العربية في شهر يناير 2011، لا يزال يعيش حالة من الغليان الثوري على الصعيد الاجتماعي، والسبب في ذلك أن حكومة حركة "النهضة" التي استلمت السلطة في شهر نوفمبر 2011، استمرت في اتباع نهج الليبرالية الاقتصادية الذي كان سائداً في مرحلة ما قبل الثورة.
فإلى جانب الثروات التي جلبتها العولمة الليبرالية، التي انخرطت فيها تونس منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، والتي استفادت منها الطبقة المتوسطة الاستهلاكية بسبب التوسّع في سياسة الإقراض لشراء السيارة والمنزل، حلّ في المقابل الفقر والبطالة ليهمّشا محافظات تونسية بأكملها من جراء انتهاج سياسات تعمق حجم الاختلال التنموي بين الجهات والمناطق.
وكان نظام بن علي البوليسي يفاخر دائماً بأن الطبقة المتوسطة تبلغ 80 في المئة من مجموع الشعب التونسي، لكن دراسة للبنك الدولي تحدثت عن 47 إلى 48 بالمئة باعتبارها نسبة الطبقة المتوسطة من مجموع الشعب. وهذا الرقم (47 – 48 بالمئة) ليس رقماً سلبياً على أي حال. ويأتي توسع وتضخم هذه الطبقة المتوسطة الاستهلاكية التي تمثل نصف البيئة الاجتماعية التونسية، في سياق انخراط تونس في إطار العولمة الليبرالية، والدعم الغربي القوي للتجربة التونسية من خلال تدفق القروض على تونس من بنك الاتحاد الأوروبي، وكذلك تسارع رؤوس الأموال الغربية والخليجية على الاستثمار في تونس، الأمر الذي أسهم في زيادة معدلات التنمية في تونس أعلى نسبيا مما هي عليه في البلدان العربية المجاورة.
وإذا كانت فترة الليبراليّة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، قد خلقت بضعاً من طبقة متوسّطة استهلاكيّة، فإنها فشلت في تحقيق قفزة في النموّ الاقتصاديّ، لدرجة أنّ معدّلات النموّ كانت وسطيّاً أعلى في الفترة التي سبقتها. وإن كانت هذه الفترة قد فاقمت البطالة والفقر في الولايات المهمشة في الشمال الغربي، والوسط، والجنوب التونسي، وعمقت الفوارق الاجتماعيّة، لدرجة أنّ هناك ناسا يموتون في قوراب أو شاحنات بحثاً عن هجرةٍ إلى الشمال. ليسوا فقط فلاّحين قحلت أرضهم، بل أيضاً جامعيّون. وإذا كان أهمّ إيراد للطبقات الفقيرة هو تحويلات العمّال المهاجرين، فماذا يمكن أن تقدّمه حكومة حركة النهضة الإسلامية الحاكمة إلى الشعب التونسي عامة، والولايات الفقيرة خاصة، في زمن أزمة تشتدّ استعاراً؟
في زمن الثورة، الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة لها الأولويّة، وهذه الحقوق لا تُعطى، بل تؤخذ عبر النضالات على الأرض، من قبل من تردّت كثيراً أوضاعهم الاجتماعيّة، وأيضاً ذلك الجزء من الطبقة المتوسّطة الذي يخسر اليوم ما أكسبه إيّاه زمن الانفتاح. وهذه النضالات تتطلّب إمكانيّة، بل حريّة التظاهر والإضراب والاحتجاج، ولكن كذلك هذه الحريّات لا تمنح، بل تؤخذ.
تونس تعيش بوادر انتفاضة اجتماعية جديدة تنخرط فيها معظم الطبقات والفئات الاجتماعية الشعبية على خلفية مناهضة قانون الميزانية الجديد، وتدهور القدرة الشرائية للمواطن. فها هو البعد الاجتماعي الذي كان المفجر الرئيسي للثورة التونسية، يعود من جديد في زمن حكم الإسلاميين.
فقد أبصرت الثورة قبل ثلاث سنوات النور من الريف التونسي، وتحديداً من المحافظات المحرومة والمهمشة تاريخياً التي تقع في الوسط الغربي (سيدي بوزيد والقصرين) باعتبارها كانت تمثل تاريخياً مركز القبائل العربية (الهمامة والفراشيش وماجر)، التي أطاحت البربر في القرن الحادي عشر، وفجرت ثورة شعبية قادها علي بن غذاهم ضد نظام «الباي» المتسلط في سنة 1864. وعندما أدرك الباي قرب انتهاء سلطته أعلن رضوخه للمطالب، ولم تكد الحركة الشعبية تتراجع حتى أرسل الباي الجنرال زروق لتصفية الثائرين، وأعدم القيادي علي بن غذاهم.
وتنسج سلطة القبائل هذه الموروثة من تاريخ تونس الطويل، حتّى قبل الوجود الفرنسي في البلاد (1881-1956)، شبكة من العلاقات الاجتماعية في مناطق مختلفة. وقد كان لهذه الشبكة القبلية فعلها في الثورة التونسية الحديثة التي انطلقت من محافظتي سيدي بوزيد والقصرَين وتالة.
هذا الأمر مفهوم، لأن النخبة السياسية - الإدارية المسيطرة على مجموع الدولة- الحزب الواحد بقيادة الحبيب بورقيبة، والتي نقلت تونس من حكم القبائل إلى الدولة الحديثة، لم تكن نخبة ثورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم تتحرر هي أيضا من منبت "عصبيتها" الساحلية، إذ ركزت التنمية في المناطق الساحلية الشرقية مثل (المنستير وسوسة والمهدية، وصفاقس)، كما في الشمال (بنزرت)، أي في المناطق ذات التقليد التجاري الكبير، حيث تترجم في المقابل أسماء العائلات والانتماءات الاجتماعية الدور الرئيسي للروابط المهنيّة القديمة. وأهملت السلطة التونسية العديد من المحافظات الداخلية الواقعة في الوسط الغربي، والجنوب.
إنها الخاصية التي تتميز بها تونس المنقسمة مناطقيا (جهويا)، والخاضعة لقانون التطور اللامتكافئ على صعيد التنمية، وعلى صعيد التوزيع غير العادل لفوائد النمو والتنمية، بين المناطق الشرقية، الواقعة على الشريط الساحلي، والمناطق الداخلية، إذ ظل هذا التفاوت الموروث من فترة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (1956 – 1987) يتعمق طيلة العقدين الماضيين. وبهذا المعنى نفهم لماذا انطلقت هذه الثورة الاجتماعية غير المسبوقة من الوسط الغربي، وانتشرت أساسا في المناطق المحرومة التي تُعاني من التهميش. وفي أجواء الشعور بالحيف الجهوي والغبن الساري بين أبناء تلك المحافظات المنسية، ترعرعت مُسوغات التمرد الجماعي، الذي لم يكن ينتظر أكثر من عود ثقاب، سرعان ما قدحه الشاب بوعزيزي بإقدامه على فعل تراجيدي شديد الرمزية، مكثف الدلالة، بعيد الصدى.
الولايات الفقيرة والمحرومة التي انطلقت منها الثورة، هي نفسها التي انطلقت منها الجماهير الشعبية الغاضبة في عهد حكم "النهضة"، لاسيَّما جماهير الفلاحين الفقراء المستائين من عدم تشريكهم في حلحلة الوضع السياسي في البلاد في أكثر من مناسبة والذين يتهمون حكومة "النهضة" بممارسة سياسة الإقصاء ضدهم رغم أنهم كانوا وقودا للثورة بالجهات المحرومة وحرصوا على تزويد البلاد بالمواد الغذائية في أصعب فترات الثورة ومازالوا.
وتتمثل مطالب الفلاحين من الحكومة بالزيادة في الأجور، لأن رزقهم على الله ولم يطلبوا امتيازات جبائية اعترافا بمجهوداتهم الجبارة قبل الثورة وأيام الثورة كما أنهم حريصون على المطالبة بحقوقهم بطرق سلمية، لاسيَّما منها تسوية ملف المديونية.
الاستيطان نقيضٌ لحل الدولتين
أكد التصويت الأمريكي على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يدين الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تماهي مواقف... اقرأ المزيد
925
| 30 ديسمبر 2016
الاختراق الصهيوني الكبير لتونس
شكلت جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري الذي كان ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية ،وأصبح ينشط لاحقًا مع حركة... اقرأ المزيد
1858
| 23 ديسمبر 2016
هل يكرّس قانون المالية مبدأ العدالة الجبائية؟
لاحديث هذه الأيام في تونس سوى عن قانون المالية لسنة 2017،الذي أثار جدلاً في الشارع التونسي،وانتقل إلى سجال... اقرأ المزيد
1089
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10467
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3495
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2514
| 08 سبتمبر 2026