رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اتفقت القيادات الفلسطينية في القاهرة مؤخرا على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات فلسطينية. وبحيث تبدأ إجراءات التنفيذ كما أعلن بإصدار مراسيم رئاسية تحدد الآليات والمواعيد. وهو اتفاق يُرحب به بطبيعة الحال ويُرجى له مصيرا أفضل من الاتفاقات التي سبقته. السطور التالية تُناقش مسألة الانتخابات الفلسطينية وضرورة التأمل في "كيفية وآلية" القيام بها. وتدعو إلى "هندستها" مسبقا حتى لا تأتي بنتيجة تعيد الأمور إلى المربع الأول. وجزء من هذه الأفكار أوردتها في مقال نشر منذ عام تقريبا وعقب اتفاق آخر بين فتح وحماس على إجراء الانتخابات. وأعيد اقتباسها هنا. ابتدء يتوجب التوكيد على فكرة أساسية وهي أن المحافظة على الانتخابات الدورية في أي نظام سياسي هو أحد علامات سلامة وصحة ذلك النظام. بل وأساس ديمقراطيته. والديمقراطية هي أفضل "آلية" توصلت إليه المجتمعات الحديثة كي تتخلى عن منطق الاحتكام إلى القوة لفض الصراعات والتنافسات الداخلية. وهي مرة أخرى مجرد "آلية" وليست أداة سحرية لحل المشكلات والمعضلات التي تواجه المجتمعات. وهذه نقطة أساسية في فهم الديمقراطية (والانتخابات أيضا). ذلك أن كثيرا من الفهم السائد للديمقراطية خاصة في مجتمعات الانتقال الديمقراطي. أو مجتمعات الاستبداد. يخلع على الديمقراطية إمكانات لا تدعيها. فتحقق الديمقراطية ووفقا التصور التخيلي عند البعض سوف يجلب حلولا سريعة وقاطعة لكل المعضلات ودفعة واحدة: الفقر. البطالة. الفساد. العدالة الاجتماعية. مواجهة التدخلات الخارجية. الخ. وهي بهذا تتحول إلى "برنامج سياسي" أو أيديولوجية مطلوب منها تحقيق قائمة طويلة من المطالب التي تراكمت في عهود وعقود الاستبداد المنقضية.
وواقع الأمر أن وظيفة الديمقراطية هي غير ذلك ولا تتجاوز توفير الأجواء الصحية والسلمية للبرامج السياسية والأيديولوجيات المختلفة كي تتنافس في ما بينها وتصل إلى السلطة. ووقتئذ. أي حال تسلم الظافر منها السلطة. يصبح مطلوبا منه تطبيق البرنامج السياسي الذي يريد من خلاله معالجة المعضلات التي تواجه المجتمع. وفي هذه المرحلة. أي مرحلة ما بعد الانتخابات. فإن دور الديمقراطية يتحول إلى تعزيز المحاسبة وترسيخ مجتمع الشفافية وإسناد القضاء المستقل والإعلام الحر بهدف محاصرة السلطة بالرقابة الدائمة وقطع الطريق على أي سوء استغلال للسلطة. يحدث ذلك في سياق سيادي دستوري ومستقل وضمن سيرورات سياسية طبيعية. وذلك كله مختلف عن الوضع الفلسطيني.
فلسطينيا. تتم الانتخابات تحت سقف الاحتلال الإسرائيلي وفي غياب سيادة تامة. وفي ظرف تاريخي ما زال الشعب الفلسطيني يناضل فيه من أجل التحرير والحرية والاستقلال. وبهذا فإن "المشروع الديمقراطي" في فلسطين يواجه معضلات بنيوية هائلة لا يواجهها ذات المشروع في البلدان الأخرى التي تمر بعمليات انتقال ديمقراطي اعتيادية. لا يعني ذلك وبأي حال من الأحوال التسويغ لإدارة للديمقراطية والعملية الانتخابية في فلسطين. إذ رغم كل المعوقات الناشئة عن الوضع غير الطبيعي تبقى ممارسة "نصف ديمقراطية" أفضل ألف مرة من غيابها كاملة. لكن الوضع غير العادي يستلزم مقاربة مختلفة وغير عادية للديمقراطية وللانتخابات التي هي مكونها الأساسي.
لا يتحرك الفلسطينيون في فضاء حر يستطيعون فيه ممارسة حرية الانتخابات وتخويل صندوق الانتخابات للقيام بحسم الصراع والتنافس السياسي الداخلي بطريقة طبيعية كما يحدث في أي وضع عادي آخر يتسم بالسيادة والاستقلال. العالم كله يقف على أطراف أصابعه إذا نظمت انتخابات فلسطينية. وكل طرف يستعد للانقضاض على النتيجة: إسرائيل. الدول الإقليمية. الولايات المتحدة. أوروبا. الأمم المتحدة. وهكذا. يصبح "صندوق الانتخابات الفلسطيني" كأنه صندوق عجائب. يخضع للمراقبة الدولية ونتيجته تؤثر في معادلات وسياسات وقد تقلب أمورا كثيرة رأسا على عقب. ما افرزه هذا الصندوق عام 2006. بفوز حماس في الانتخابات. قاد إلى حصار إسرائيلي قاتل لقطاع غزة لمدة سبع سنوات. ثم شن حربين عليها. وداخليا تسبب في انقسام فلسطيني مدمر. السبب الجوهري في ذلك أن العملية الديمقراطية وانتخاباتها تمت تحت الاحتلال وفي ظل غياب السيادة والتحرر.
ما زالت الشروط البنيوية المسيطرة على الوضع الفلسطيني ذاتها: احتلال إسرائيل والتغول الدائم لغطرستها. تهديدات الولايات المتحدة. انحياز الغرب. الضعف العربي. إضافة إلى غياب السيادة الفلسطينية والإرادة الحرة التي توفر للفائز بالانتخابات المناخ الصحي والحر لتطبيق برنامجه السياسي. في الوقت نفسه هناك حاجة فلسطينية ماسة للانتخابات لأن الشرعية السياسية للوضع القائم سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة قد تهاوت إن لم نقل انتهت. فترة رئاسة أبو مازن انتهت منذ أمد. وفترة حكم حماس القائمة على شرعية الفوز بانتخابات 2006 انتهت هي الأخرى. وبالتالي هناك ضرورة ملحة لشرعية جديدة. لكن الخطورة هنا أن "صندوق الانتخابات الفلسطيني" قد يأتي بنتيجة تعيد تأزيم الأمور (نظرا للمعضلات البنيوية التي ذكرت) في الوقت نفسه الذي يؤسس فيه لشرعية جديدة. بمعنى آخر. ماذا لو فازت حماس مرة أخرى في الانتخابات. وبقيت مسيطرة على قطاع غزة. فما الذي سيختلف؟ وماذا لو فازت فتح في قطاع غزة. هل ستتخلى حماس عن بنيتها الأمنية وسيطرتها هناك؟ وماذا لو فازت حماس في الضفة الغربية؟ هل تستطيع في هذه الحالة إدارة الأمور والضفة كلها بشكل أو بآخر هي في قلب الحوت الإسرائيلي؟
كيف نعمل إذن على التمسك بالممارسة الانتخابية التي وحدها تمنح شرعية للسلطة القائمة. وتجذر الخيار الديمقراطي ولكن في الوقت نفسه نمنع الانتخابات من توريطنا في مأزق جديد؟ بعض الأفكار المطروحة فلسطينيا تقول بأن السبيل إلى ذلك يتمثل في الاتفاق المُسبق بين القوى المتنافسة. وتحديدا فتح وحماس. على مبدأ المشاركة وليس المغالبة بعد الانتخابات. أي أن يكون في جوهر اتفاق المصالحة توافقا على أن سلطة وحكومة ما بعد الانتخابات سوف تكون سلطة وحكومة ائتلافية تضم كل الأطراف ولا ينفرد فيها فصيل لوحده حتى لو فاز بالأغلبية. وهذه فكرة معقولة تحاول تدجين النتيجة الانتخابية مُسبقا. جانب الضعف الواضح في هذه الفكرة يتمثل في إمكانية عدم الالتزام بها بعد الانتخابات في حال اكتسح أحد الأطراف الانتخابات وأسكرته نشوة النصر. أو فشلت مفاوضات تشكيل حكومة ائتلافية. أو تطورت ظروف وضغوط خارجية تعيق تشكيل الائتلاف الحكومي المتفق عليه.
الخيار الآخر الذي تطرحه هذه السطور للنقاش يبني على فكرة التحالف الائتلافي السابقة ويتمثل في "هندسة" العملية الانتخابية والسيطرة على نتيجتها مسبقاً حتى لا تنفلت بأي اتجاه غير ائتلافي. ويتم ذلك عن طريق خوض الانتخابات بقائمة وطنية موحدة عمودها الفقري فتح وحماس يتم الاتفاق عليها عبر الحوار والنقاش المُسبق. وتوزيع الأحجام والنسب. إذا اتفقت الحركتان على قائمة موحدة وبرنامج سياسي مرحلي يقوم على توافقات الحد الأدنى فإن نتيجة الانتخابات لن تحمل أي مفاجأة إذ ستفوز بها "قائمة الوحدة الوطنية". الاتفاق المسبق على مثل هذه القائمة (وحتى على الحكومة الائتلافية اللاحقة) سوف يوفر الوقت الكافي لدراسة كل عناصر المعادلة السياسية الداخلية والإقليمية وردود الفعل المحتملة من كل الأطراف. والاستعداد لها والالتفاف عليها. وبحيث تتفادى أي مطب مستقبلي سواء من المقاطعة الدولية. أو عدم الاعتراف. أو سوى ذلك. جانب الضعف الأهم في مثل هذه الفكرة أنه يفرغ العملية الانتخابية والديمقراطية من جوهرها التنافسي وربما يعود بالسياسة الفلسطينية إلى ممارسة "المحاصصة". وهو جانب يجب الإقرار به. لكن وفي الوقت نفسه توفر علينا هذه الفكرة التورط في مخرجات انتخابية قد تعيد تأزيم الوضع بدل أن تقدم حلولا له. الانتخابات الديمقراطية الحرة التنافسية هي النموذج الأساسي والصحيح. لكن اشتراطاتها في الحالة الفلسطينية غائبة. وغياب الاشتراطات لا يعني تفادي الانتخابات والتحول الديمقراطي لأن ذلك معناه الاستبداد والسلطوية. ثمة "منزلة بين المنزلتين" هي "هندسة الانتخابات" للاستفادة من شرعيتها. ولكن من دون المغامرة بفلتان نتيجتها في أي اتجاه تأزيمي. إنه حل "نصف ديمقراطي" لكنه يتناسب مع الوضع "نصف السيادي" الذي نحيا فيه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8733
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2826
| 30 أكتوبر 2026