رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل سبعة عشرة عاماً لجأتُ إلى أرض الغرب الواسعة وأعلنت خروجي على نظام القذافي. كان عمري عند قيام انقلاب القذافي في سبتمبر 1969 ثلاث عشرة سنة. انخرطت كمراهق (دون وعي سياسي يُذكر) في التظاهرات الشعبية المؤيدة للانقلاب التي عمت أنحاء ليبيا: مدناً وبلدات وقرى.. وجدتني شغوفا بالقومية العربية وأفكار التحرر العالمي والعدالة الاجتماعية. استهوتني الأدبيات الماركسية لكني لم أكن لأتحزب لها تنظيمياً. فمن تحزب خان في دولة "الأخ العقيد" وحيث الخائن جزاؤه الإعدام.
ولسنوات (من 1969 إلى 1984) اعتقدت أن الانقلاب ثورة حقيقية والقذافي قائدها الفذ. كتبتُ مقالات مؤيدة (منذ 1980) لـ"الثورة وقائدها" حتى عندما انتابتني الشكوك في صدقية ما اعتقده وأكتبه. في العام 1984 هاجم مجاهدو "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا" معسكر "باب العزيزية" بهدف القضاء على القذافي. فشلت المحاولة وقُتل العديد من المهاجمين وقبض على العديد الآخرين الذين تعمد القذافي عرض اعترافاتهم على شاشة تلفزيونه الثورجي من أقبية تعذيبهم.. ثم تعمد شنقهم في شهر رمضان في الساحات العامة وعرض عمليات الشنق على شاشة التليفزيون متقصداً أن يكون توقيت العرض بعد أذان المغرب مباشرة بحسبانه وقت ذروة المشاهدة بغرض ترويع الليبيين. عند تلك اللحظة المأساوية أستقر وعيّ على قناعة راسخة بأن "الأخ القائد" ليس سوى قائد عصابة من القتلة. لكني كنت خائفاً كغيري من غالبية الليبيين كي أفصح عن موقفي المعارض علناً. أمضيت السنوات من 1984 إلى 1994 لازماً تكتيك منافقة النظام عند اللزوم لضمان السلامة الشخصية والمهنية كشاعر وكاتب وصحفي. في نهاية العام 1994 حسمتُ قراري. قلتُ لنفسي في مواجهة مفصلية: أما أن أظل في جماهيرية القذافي الصاخبة في هذيانه العظامي شاهد زور سواء كتبُ أو صمتتُ، أو أن أتسق ضميرياً وفكرياً مع ما أؤمن به وما أريد أن اعبر عنه. وحيث أني أجبن من أنبس ببنت شفة معارضة للقذافي ونظامه وأنا في جماهيرته، خرجت منها وعليها نهاية العام 1994 لاجئاً إلى ألأرض الغرب الواسعة. العام 2000 ظهرت في برنامج الاتجاه المعاكس بـ"الجزيرة" وصحت في وجه القذافي عبر فضاء شاشة "الجزيرة":" حلّ عن سمائنا" مطمئناً لأمني الشخصي بوجودي في قطر بشعبها الطيب كحليب النوق وشهامة أميرها الجريء. في اليوم التالي سحب طاغية "الجماهيرية" الكافكاوية سفيره من قطر احتجاجا على ظهور معارض لنظامه وسحب مني جنسيتي الليبية.. والآن، في الأسبوع الثلاث من تأريخ ثورة أحفاد عمر المختار، تواصل ثورة 17 فبراير الشبابية، المدعومة بشعبها، دينامكية تفاعلاتها المتصاعدة فعلا بفعل في مسار استحقاقها المنشود: الخلاص من القذافي ونظامه بقضه وقضيضه شرطا شارطاً للحصول على ليبيا كما يريد لها شعبها أن تكون: بلاد حرة وموحدة كاملة السيادة وديموقراطية بمعناها ومبناها.
قبل 17 فبراير بأسابيع تدفقت على إيميلي، كغيري من إيميلات المعارضين في الخارج، مئات الرسائل الإلكترونية الداعية إلى الثورة. شككت في أن شبيبة ليبيا سوف يتمكنون فعليا من تنزيل ثورتهم من واقع الانترنت الافتراضي لتصير ثورة حقيقية في الواقع الواقعي. المفاجئ أن الليبيين لم ينتظروا الموعود المضروب يوم 17 إذ خرجت في مدينة بنغازي مجموعة معارضين صغيرة يوم 15 فبراير ليلاً احتجاجاً على اعتقال المحامي والناشط الحقوقي فتحي تربل. وفي عصر 16 فبراير ناضل شبيبة البيضاء وفجروا الحالة الثورية في عاصمة إقليم الجبل الأخضر معقل "سيدي" عمر المختار. فكانت ثورة شباب 17 فبراير ثورة أحفاد عمر المختار بجدارة. كان القذافي وأبناؤه وكبار أعوانه على معرفة مسبقة بما يعد له شبيبة ليبيا الفيس بوكيون. لكنهم سخروا منهم وما ينوون على طريقة سخرية الفرعون مبارك وولي عهده جمال من ثورة شبيبة 25 يناير التي تحولت من افتراض إنترنتي إلى حقيقة تاريخية يعيشها الشعب المصري متحرراً بإرادة ثورته الشبيبية. الأمر نفسه يحدث في ليبيا. ولكن على نحو مختلف في شكل التحولات. القذافي أعلن على الشعب الليبي الحرب بالأسلحة الثقيلة فتحولت الثورة الليبية إلى حركة كفاح مسلح ضد القذافي ومرتزقته الأجانب الذين هم في منزلة الغزاة. مبدئيا ثورة الشعب الليبي ثورة شبابية. قام الأولاد الرائعون على إنزالها من الواقع الافتراضي إلى الواقع الواقعي بخروجهم إلى الشوارع بأجسادهم الشبيبة العارية مرددين:" الشعب يريد إسقاط النظام" شعار ثورة العرب الكبرى التي تفجرت في تونس وقفزت على ليبيا إلى مصر فأستدركها شبيبة ليبيا كي يربطوا حلقة الثورية العربية بين تونس ومصر في منظومة مترابطة في آلية سقوط أنظمة الاستبداد والتبعية على نسق تداعي أحجار الدومينو. صحيح أن ثورات العرب الناشبة لا تواصل تنظيمي وتخطيطي بينها في تونس ومصر وليبيا واليمن (والبقية تأتي) لكنها، في جوهر الفعل التاريخي، متساوقة في الأسباب والغايات بغض النظر عن التباينات الشكلية. وليس من الأسباب الجوهرية القول بالفقر والبطالة والفساد، وغير ذلك من ظواهر الأمور الرائجة. على أهميتها. إنها، في جوهر الفعل التاريخي، حركة ثورة العرب الكبرى الأصيلة (نافية إكذوبة الثورة العربية الكبرى بقيادة لورانس العرب وعملاء آل البيت). إنها ثورة العرب الكبرى كونها تستهدف أصل داء الاستبداد العربي المختزل في منظومة منطق المستبد العربي التليد:" إنّي لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها...".. وعليه فإن منطق ثورة العرب الكبرى المتوالية من تونس إلى مصر عودة إلى ليبيا بينهما هي في الجوهر التاريخي ثورة على المنطق المعاوي ثقافة وسياسة فإجتماع لأجل دخول العرب في حقيقة العصر الحديث بما هو عصر الدولة الحديثة بلا سيف دولة ولا سوط شرطة ولا لسان وزير إعلام أكذب من غوبلز.
farag-asha@hotmail.com
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
126
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
90
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
81
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4038
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
3690
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1458
| 13 مايو 2026