رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما نتذكر مجازر دير ياسين وعصابات الهاجانا وأشتورن ومجازر قانا وغيرها، ونشاهد ما يجري لأهلنا في عدن وما حواليها وما يجري بتعز والحديدة وصنعاء وهمدان وغيرها على يد عصابات إيران المسماة بالحوثية على يد الحرس الجمهوري كان التعجب كثيراً، فهذه العصابات تاريخها أسود منذ دخول الهادي إلى اليمن وهو من أصل إيراني في منطقة اسمها رس في إيران وهرب إلى المدينة وسمى الجبل بجوارها الرس وهو غير الرس في القصيم. ثم جاء اليمن ومعه عدد من الطبريين من طبرستان وسفك الدماء واستباح الأموال والأعراض وهو تاريخ أسود ولحقه أحفاده من بعده كعبد الله ابن حمزة الذي أباد القرى والأشجار والثمار ولم يرحم طفلاً ولا شيخا مسنا، وادعى هؤلاء أنهم من آل البيت مستغلين جهل الناس واستمروا يحكمون باسم الحق الإلهي كذباً وزوراً وظلماً. فكم من مدن وقرى تعرضت لهجمات هذه العصابات الإجرامية، والتي استطاعت أن تلتحق بالأحزاب وتلعب على كل التناقضات واستغلت النسب الشريف كذباً وزوراً حاشى لآل البيت أن يكونوا كذلك وهم الذين طهرهم الله من الظلم والعدوان.
واستمر هؤلاء يعدون وفق مخططات مع إيران وحزب الله نيابة عن إسرائيل، فهم يقتلون ويسفكون. ما يجري في عدن يتنافى مع أبسط معاني قواعد الأخلاق والإنسانية فضلاً عن المبادئ التي جاء بها الإسلام. إنها أكبر مجازر التاريخ مثلما يجري في العراق وسوريا. يا للهول في زمن يتحدث الناس فيه عن الحضارة وحقوق الإنسان وتصمت المنظمات الدولية والغربية عن هذا الذي يجري وتتفرج وتطالب بضبط النفس والسلام، وكأن هذه الأنهار من الدماء والمجازر الإنسانية لا تساوي شيئاً لسبب واحد وهو أن هؤلاء يقدمون نيابة عن إسرائيل في قتل وتدمير الأمة وتفريقها وتمزيقها باسم الطائفية والعرقية وتدمير بنيتها التحتية وقدراتها الاقتصادية.
لاشك أن ما يراه الإنسان يدمي القلب حتى المدنيين الهاربين لم يسلموا من مدافعهم من الأسلحة التي أخذوها من أموال الشعب المسكين المحروم أو من أموال العراق التي نهبتها إيران لتنفذ بها أجندتها.. لا شك أن هذه الأحداث التي يصمت عليها الكثير دون أي مسؤولية سوى مواقف المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون التي تعبت لإنقاذ اليمن وأهلها رغم الحملات المغرضة المزورة والتي تتسم بالخداع والكذب. فما يقوم به الحوثيون وقوات المخلوع المحسوبة عليهم أعمال إنسانية وخدما؟ فذلك أمر لا يقبله عاقل وعلى أهل اليمن أن يدركوا أنه لولا عاصفة الحزم لأصبح اليمن كله في حال أسوأ مما نتوقع. وهي لتحرير اليمن لأن إخواننا أهل دول مجلس التعاون يعرفون أنهم مستهدفون ولا يمكن أن يقفوا مكتوفي الأيدي عما يجري وأن المنطقة كلها مهددة، وحرصت القيادات اليمنية بمختلف أطيافها والأحزاب لحقن الدماء ولكن كان ذلك على حساب المواطنين واستغل هؤلاء ضعف الناس ورغبتهم في الحوار، وهؤلاء الحوار عندهم أن يخضع الناس لهم ويقبلوا أيديهم وأرجلهم ويتحولوا عبيداً لهم.
آن الأوان لأبناء اليمن بمختلف آرائهم وتوجهاتهم بأن يتحدوا أولاً لأن الوطن والقتلى والمدنيين أمانة بأعناق الجميع ولا يجوز الإقصاء والتفرقة ويجب التكاتف والتحالف لتحرير الوطن وإنقاذه والقضاء على هذه العصابات. كما يجب أن يعمل كل في مجاله الثقافي والإعلامي والسياسي والديني لتوعية الناس وتحصينهم، كما يجب دعم المقاومة الشعبية وكذلك يجب توثيق الجرائم بحق الإنسانية التي تتنافى مع قوانين وأنظمة حقوق الإنسان فضلاً عن حق المسلم على المسلم مثل الاعتداء على البيوت وانتهاك الأعراض. ولذا فإن السكوت على تقديم هؤلاء للمحاكمة لا يجوز، يجب الآن الإعداد لقوة وجيش وطني ولاؤه للدولة ويجب إصلاح الأمن وكذلك التنمية الذاتية ومراجعة الأخطاء كقضايا التعليم ومحاربة الأمية لأن الجهل هو سبب المصائب. يجب نشر التعليم والثقافة الصحيحة وتصحيح الثقافة الدينية البعيدة عن استخدام الدين لأغراض طائفية إسلامية.
اليمن اليوم بحاجة إلى تقييم شامل لما يجري وما جرى سابقاً. وأن وحدته لا تقوم باتفاق أوراق أو قرارات أحزاب وقادة يقررون مستقبله ويلغوا ذلك عند تنازعهم. لابد من ثقافة ووحدة فكر وسلوك وإخوة تقوم على المبادئ. واليمن اليوم على باب تحديد مستقبله بعد هذه المجازر والكارثة والحرب التي مكنت أعداء الأمة من تدميره وإدخاله في دوامة وأزمة. لذا يجب القضاء على عوامل هذه الحرب. ومن ذلك أن يتنازل الجميع لمصلحة الوطن والأجيال من خلال أن يفكروا جيداً بمعاناة مواطنيهم بوضع آلية يتم الاتفاق عليها ومن ذلك أن اليمن سوف يخرج من الحرب بخسائر كبيرة، وهناك فرصة ليصبح عضواً بمجلس التعاون الخليجي ويتم إعادة بنائه ، ولذا لا بد من القضاء على الأسلحة وجعلها بيد جيش وطني فيجب إعادة هيكلة الجيش وتثقيفه وكذلك الأمن وعدم جعلهم يوالون أشخاصا بل الوطن فقط وسحب الأسلحة من جميع الميليشيات ومحاربة تجارة الأسلحة والاستفادة من دول ذات خبرة في هذا البرنامج، وكذلك شجرة القات والقضاء عليها وتجارة المخدرات، وإعداد برنامج للتنمية الذاتية بالتعاون مع البنك الإسلامي وصناديق التنمية وبرامج الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، يجب أن نبدأ من الآن هذه الدراسات، والنظر إلى الجوانب السلبية، والتوقيع على ميثاق شرف في محاربة الطائفية والعنصرية. كما يجب مناقشة آلية تأهيل اليمن ليقوم بدوره الوطني، ومسؤولية دول مجلس التعاون كبيرة في هذا الإطار، فاليمن بوابة مجلس التعاون ولابد من إعادة النظر في السياسة السابقة ودراسة منهج إيران في اليمن ثم المخططات التي تستغل جوانب الضعف، وعدم حصر إعادة الأمل والبناء في القضايا الآنية وإنما تأهيل اليمن ثقافياً وفكرياً وتنموياً وعسكرياً وأمنياً وفتح الجامعات وتأهيل العملة اليمنية وحماية موانئه وتأهيل الحدود البحرية والثروة السمكية والمشاريع الاستثمارية. كما أن مجالس للخبراء والمختصين سيكون لها أثر كبير، لأن مثل هذه المجالس ستقوم بدور كبير ويتم الاستفادة منها.
ويجب أن يكون تعاون خليجي وعربي مع اليمن في إعادة بسط نفوذ الدول اليمنية لأهمية ذلك، وعدم التهاون والتنازل للميليشيات والجماعات الإرهابية ومن يقف وراءها، والتخلص من هذا الميكروب والبكتيريا التي لو بقيت لازدادت وعادت.
مجزرة دير ياسين اليوم تحتاج منك ذلك فهي تبين وجه التشابه بين إسرائيل وإيران التي تقوم بالحرب بالوكالة عن إسرائيل في سوريا والعراق واليمن وليخرس وليصمت المخدوعون بشعارات الزيف للمسؤولين الإيرانيين وغيرهم، ولن يحل مشاكل المنطقة إلا أهلها، وآن الأوان لأن يستيقظ الجميع للخروج من بحار الدماء والظلم والقهر الذي حل عليها من أعدائها. ولذا فإن الحكومة اليمنية الحالية تقف أمام تحد كبير وهي تواجه أكبر مسؤولية وطنية وعليها أن تمد يدها للجميع من المخلصين وتطرق كل الأبواب، وتستفيد من كل المخلصين وتقدم لوطنها سفينة الجناة وتبطل كل الشعوذات والتهريج الذي يعيق بناء يمن جديد. وجرى الله إخواننا العرب خيراً على مواقفهم وبالأخص حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ودول مجلس التعاون الذين لـن ننسى لهم هـذا الـموقف الشجـاع أمام العدوان الإيراني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4341
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3156
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1209
| 28 سبتمبر 2026