رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ الاحتلال الصهيوني الأول للجزء الأكبر من الأراضي الفلسطينية عام 1948, انتهج "فرض سياسة الأمر الواقع" في فلسطين وعلى أمتنا العربية.
هذه السياسة ما زالت مُنتهجة إسرائيليا حتى اللحظة، بدورنا كأمة عربية أدمنّا هذه الحقائق الصهيونية, فبعد أن كان الهدف تحرير فلسطين أصبح تحرير المنطقة المحتلة عام 1967 مع إمكانية المساومة على تبادل للأراضي، الشعار الصهيوني يظل واحدا.. أما شعاراتنا فقابلة للتقزيم بين المرحلة والأخرى!. نعم, "إسرائيل" تصنع حقائقها وتفرض الفهم الذي تريد "ليهوديتها".. والعديد من سياسيينا ومحللينا وقانونيينا في مقالاتهم وتعليقاتهم على الفضائيات.. "يلتهون" بالتفسير اللفظي واختراع الفوارق ما بين تعبيري: يهودية "إسرائيل" و"إسرائيل" كـ"دولة الشعب اليهودي"! وكأن فرقا هناك؟ . أمريكا وفرنسا وغيرهما اعترفت بيهودية "إسرائيل" منذ مدة طويلة وفقا للفهم "الإسرائيلي" لها! البعض من المحللين والقانونيين والسياسيين ينكر ذلك متحججا, بالقانون الدولي، القانون الدولي في عصر الغاب الذي نعيش، هو ما يفهمه الأقوياء. ثم إن "الحق" إن لم تسنده قوة, يصبح في عرف الأقوياء المتحكمين بالعالم "ظلما", ولا يلتفت إليه أحد, والظلم يصبح "حقا". كأن البعض منا لا يفهم هذا الأمر, أو لا يريد أن يفهمه، مقدمة لابد منها.. وهي رد موضوعي على نقاشات عديدة جرت ولا تزال!.
صادقت حكومة الكيان الصهيوني السابقة (23 نوفمبر 2014), على مشروع قانون سيجري عرضه في الكنيست الحالي (في أقرب فرصة) للتصويت عليه بقراءات ثلاث, ليصبح قانونا يجري تطبيقه رسميا. حتى من دون تصديق القانون, فإن الواقع يؤكد تطبيق تداعياته منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة. مشروع القانون سيجري إقراره حتما, لأن التحولات في "إسرائيل" في العقود الأخيرة من القرن الزمني الماضي والحالي, وكما تشير استطلاعات كثيرة تنشرها الصحف "الإسرائيلية" بين الفينة والأخرى وكما أثبتت الوقائع في انتخابات دورات الكنيست الأخيرة الثلاث, تتصاعد بخطى متسارعة باتجاه المزيد من الفاشية والتطرف.
من أجل تأكيد كل ما سبق, أرى من الضروة بمكان استعراض هذا الأمر منذ بدايات طرحه وصولا إلى اللحظة الحالية, هذا أولا. ثانيا, انطلاقا كذلك من تأكيد الوقائع وحقائقها الدامغة, إليكم ما يلي:
قبل إنشاء الكيان في مؤتمر كامبل بنرمان الذي عقدته الدول الاستعمارية الأوروبية واستمرت جلساته المتباعدة بين عامي 1905 – 1907 وفي أحد قراراته نصّ على إقامة دولة في فلسطين تفصل شطري الوطن العربي في آسيا وإفريقيا، على أن تكون صديقة لأوروبا وعدوة لسكان المنطقة. دولة لليهود، لم يكن ذلك بمعزل عن بدء ظهور القوميات في أوروبا, وما صاحبه من انتقال من عهد الإقطاع إلى الرأسمالية, الأمر الذي فتح عيون بعض القيادات اليهودية على أهمية تشكيل "القومية اليهودية" التي بدأت إرهاصات تحولاتها في الانتقال من "الصهيونية الدينية" إلى "الصهيونية السياسية", تبلور التحول فيما بعد, في ظهور الحركة الصهيونية.
جاء وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 ليؤكد على "أهمية إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين". قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر عام 1947 نص على إنشاء دولتين في فلسطين "دولة يهودية" ودولة عربية. ذلك يظهر الخلفية التي انطلقت منها الدول الغربية والاستعداد المبكر لها للاعتراف لاحقا بيهودية "إسرائيل".
عند إنشاء الدولة "الإسرائيلية" رسمياً في عام 1948, ونحن عشنا قبل ما يقارب الشهر ذكرى إقامتها القسرية وفي بيان الإعلان عن إقامتها, تم التأكيد على عدة مبادئ من بينها: "الدولة اليهودية" و"قانون العودة", وبموجب هذين المبدأين، فإن "إسرائيل" ملتزمة بلمِّ شمل اليهود من مختلف أنحاء العالم, ومن يتهودون كذلك, وهؤلاء لهم الحق في العودة, والحصول على الجنسية, والعيش في "إسرائيل" كمواطنين "إسرائيليين".
هذا إضافة إلى الاستمرار في الترويج لمفهوم "الشعب اليهودي" و"القومية اليهودية" و"الأمة اليهودية".
منذ تلك اللحظة فإن "إسرائيل" تسعى لتحصين "يهودية دولتها". وإبّان تسلم تسيبي ليفني لحقيبة الخارجية, عملت على إعادة إحياء هذا الشعار القديم الجديد (هذه التي يعتبرونها من جناح الحمائم في الكيان, وإمعانا في التغطية على سياساتها, صوتت ضد مشروع القرا).
إيهود أولمرت راكم على عملية التحول هذه، نتنياهو وعند تسلمه رئاسة الحكومة "الإسرائيلية" الأولى له (من الأربع) أخذ هذه الفكرة وطورّها إلى ضرورة اعتراف دولي بها.
بالفعل اعترفت بها الولايات المتحدة (اعتراف أوباما بيهودية "إسرائيل", ومطالبة فيليب كراولي للفلسطينيين بالاعتراف بها "يديعوت أحرونوت") وفرنسا ( اعتراف ساركوزي بيهودية "إسرائيل", مايو 2011 أثناء استقباله لنتنياهو على عتبات الإليزيه).
لم يكتف نتنياهو بذلك، بل أخذ يشترط على العرب والفلسطينيين، الاعتراف بذلك مقابل إجراء التسويات (والتي هي حلول "إسرائيلية") للصراع مع الطرفين.
كترجمة عملية لهذا الشعار, بدأت "إسرائيل" في سنّ مشاريع قوانين في الكنيست توضح وتفصّل فيها الأسس الإستراتيجية القانونية للشعار. لقد سارع رئيس كتلة الائتلاف الحكومي السابق (إبان الكنيست السابقة) النائب المستوطن ياريف لفين إلى إعادة إحياء ما يسمى بـ"قانون دولة القومية" (وهو مشروع قرار كانت قد اقترحته الأطراف الأكثر تشدداً في الكنيست آنذاك (قبل السابقة), وبسبب من حل الكنيست (في حينها) لم تتم قراءتاه الثانية والثالثة ليصبح قانوناً)... خلال الكنيست الماضي (وهو الأكثر تطرفاً من سابقه), فإن صياغة القانون تحولت إلى أن "أرض إسرائيل هي وطن الشعب اليهودي". ليس هذا فقط, وإنما تمت صياغة قانون آخر جرى تقديمه إلى الكنيست السابق تحت عنوان "اللوبي من أجل أرض "إسرائيل", لقد جرى سن كل تلك القوانين. في الشرح (المبُهم) للقانون جرى التفصيل بملحق إضافي يحدد بأن "أرض إسرائيل هي أرض فلسطين التاريخية، (التي تعني عمليا كل فلسطين من النهر إلى البحر).
تطور الأمر إلى قانون آخر تم سنّه (أعده النائبان زئيف إلكين من "حزب الليكود" وإيليت شاكيد التي تنتمي إلى "حزب البيت اليهودي").
وجرى سنّه بقراءاته الثلاث، القانون سيقطع الطريق على أي حكومة "إسرائيلية" قادمة, للانسحاب من الضفة الغربية (التي هي بالمفهوم الإسرائيلي يهودا والسامرة).
وبذلك سوف لن تتم إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف.
القانون الحالي ينص أيضا على، أولا دولة "إسرائيل" هي الوطن القومي للشعب اليهودي (في العالم بالطبع) الذي يطبق فيه طموحه لتقرير المصير بموجب تراثه وثقافته وتاريخه". ثانيا، إن تقرير المصير في دولة "إسرائيل" يخص فقط الشعب اليهودي.
جاء القانون بصيغة "إعطاء الأولوية في التطبيق القانوني, للقيم اليهودية".
أي أن المرجعية الأساسية لتفسيرات القوانين "الإسرائيلية" هي "القيم اليهودية" وليس النظام الديمقراطي (الذي تدّعيه إسرائيل).
في التفسير العملي للفهمينْ السابقين يرد في ملحقيهما التوضيحيين: الحق في الحصول على الأرض والمسكن هو لليهود فقط.
كما يدعو القانون إلى شطب اللغة العربية كلغة رسمية ثانية في الكيان الصهيوني.. بالمعنى الفعلي هناك أساس قانوني للشطب، المسألة هي التوقيت المناسب.
المعروف أن الحكومة "الإسرائيلية" برئاسة مناحيم بيجين قامت بتحصين الطابع اليهودي للدولة في القوانين والتعليمات "الإسرائيلية" فيما يتعلق بقرارات محكمة العدل العليا، وذلك بإصدار قانون ينص على ما يلي: "عندما تواجه المحكمة بسؤال قانوني يتطلب قراراً لا يوجد له جواب في القانون الوصفي- قانون الحالة- أو من خلال التحليل, "يتوجب على المحكمة أن تقرر في ضوء مبادئ الحرية, العدالة, المساواة والسلام الخاصة بالتراث اليهودي".
كما يُلاحظ, فإن شعار يهودية الدولة جرى تطبيقه على مراحل, ولم تكن "إسرائيل" متسرعة في إقراره وإنما يجيء التطبيق بعد فرضها لوقائع كثيرة على الأرض, حيث هناك تقبل فلسطيني رسمي وعربي رسمي لوجودها في المنطقة، ولذلك كانت اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة.
جملة القول: إن يهودية "إسرائيل".. جرى ويجري التأسيس لها وتُمارس على الأرض واقعا وسياسات, والخشية كل الخشية أن يعترف الطرف الرسمي الفلسطيني, والرسمي العربي كذلك بـ"يهودية إسرائيل".
رغم كل ما سيعنيه ذلك ورغم كل التداعيات التدميرية المترتبة على هذا الاعتراف على الفلسطينيين والعرب جميعا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2436
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1920
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1719
| 24 مارس 2026