رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثورة في رحم الغيب، ومرارة الفطام، وآلام النزع الأخير
من الدروس الكامنة في أحداث أرض الكنانة، ثورة في رحم الغيب، ومرارة الفطام، وآلام النزع الأخير، سبحان الله يتساءل الناس، في الشرق والغرب، كيف جرت هذه الأحداث؟!!، كيف وقعت؟؟!!،أجهزة المخابرات في إسرائيل، تتوجه إليها لائمة اللائمين، كيف لم تستشرف هذا الغليان الذي طفح به الشارع ؟؟، وكذا المخابرات الأمريكية، غيَّبها الله تعالى،وأعمي جنودها ، وطمس بصائر عيونها حتى وقع الأمر
لا تقل عما جرى كيف جرى فكل شيئ بقضاء وقدر
عندما بدت في الأفق لوائح هذه الثورة العارمة وخرجت بواكيرها، أين كانت أجهزة المخابرات، لترفع تقريرا صادقا، من منطلق الدرس الذي لقنه لهم هدهد سليمان عليه السلام، "وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ "النمل{22}لو أنها مشغولة بالحق، لو أن ولاءها للوطن، لو أن إنتماءها للحق، ولكن ليس الأمر هكذا وليس الشأن هذا، إنها مشغولة بملاحقة ومطاردة المناوئين لباطل النظام،الناقمين لغطرسته،الناهين له عن مآثمه، المنادين عليه بالكف عن الانغماس في المعاصي والسيئات والسوءات، لعله يحجزه عن ذلك كله تُقَي أو يردعه عنه نُهَي، أو يَكُفُّه تَحَرُّج، أو يَدْفَعُه تَوَرُّع، "وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"
"وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40)
إلى الحزب الوطني على ما بدا من فساده وإفساده، واستبداد وضياع للبلاد والعباد، ومثله الحزب الديمقراطي في تونس، وسائر هذه الأحزاب في وطننا العربي الكبير، جعلك الله تعالى ممن اجْتُثَّ من فوق الأرض أصله، وانْتُزع من جوف الأرض جذمه، واقتلع الثرى من بين عروقه، وأُتي بنيانه من القواعد فَخَرَّت جدرانه من الصواعق، واقْتُلعت من رأسه أوتاده، فكأنها أعجاز نخل منقعر. لقد جمع الباطلُ من هذه الأحزاب ألفافا، وحوى منهم أحلافا، نسأل الله تعالى أن يُتِيح لهذه الأحزاب والأنظمة - الباغية الظالمة الطاغية – من أوليائه مَنْ يُفرِّق ما جمعت، ويَضَعُ ما رفعت، ويُخَضد ما زرعت، ويُصْلح ما أفسدت، ويُلِم ما شعَّتت، ويَرُم ما شعثت، ويَرْأَب ما صَدعت، ويَجْمع ما اضطر إلى الشتات في -المعمورة- والله محيط بالظالمين
أيها النظام الغابر وحزبه الخاسر، لقد كانت لك صولة وجولة في خَوَالي الدهور، وَمَوَاضِي الشهور، وسَوَالِف العصور، وفَوَارِط الأيام، وذَوَاهِب الأعوام ، تلك الفترة والحقبة التي امتدت إلى ثلاثين عاما، عاث فيها الحزب ونظامه في البلاد فسادا، ارتكب العظائم، واقترف المآثم، وأَسَرَ الأموال، واستبدَّ بالأعمال، وما كان ذلك لولا الظلام الذي أدبر، وانقرض الليل وتَهَوَّر، وأَفَلَت النجوم، وانفلق الفجر واستطار، وأسفر الصبح، وانتشر الشعاع حين أقبل نهار الثورة،وما أن انبهر النهار، إلا وقد ظهر أفراد النظام والحزب، وانكشف عنهم الغطاء ؛ فتسمع عن لِصٍّ خابث، أو قاطع عائث، أو سارق خارب، أو سلال سالب، أو مريب ظِنين، أو متهم موصوم، شيطان ليطان، حقير نقير، قبيح شقيح، خبيث نبيث، ضائع سائع، شَقِيٍ لقي، بعيد من الخير، صفر اليدين، سبحان الله ؟؟!! كأن هذا النظام وحزبه كانوا في هذا الشعب كأنهم سباع عادية، وذئاب ضارية، وعقبان كاسرة
لقد أورد هذا الحزب نفسه بل وأرض الكنانة كلها مشارع البَوَار، وحَمَلَها على مَطَايا التَبَار، وأقامها على شَفَا جُرُف هار، ووقفها على رَجَا حُفْرة من النار، وأهداها إلى مدارج الذلة والصغار
لقد أراد الحزب والنظام الحاكم خلال الحقبة الماضية بمعاداته للصحوة الإسلامية، وإيمائه أو إيحائه للغرب الكافر الحاقد أنه الحصن الواقي منها، والسد المنيع دون السيل الجارف لهذه الصحوة، فحاول أن يَدرُس آثار الدين، ويَطْمِس أعلام المهتدين، ويُعْفِي سنة الصالحين، ويُعْمِي مناهج المتقين، ويَهْدِم منار الراشدين، ويَرْدِم شرائع العابدين،ويُوْصِد رِتَاج التائبين، ويُهِدَّ أركان الديانة، ويَصُكَّ آذان الأمانة، ويَنْسخ شرائع الإسلام،، ويَسْلخ النور من الظلام، ويُنْسى مواعظ الذكرى، ويُنْسل لباس التقوي، ويُخْبِي مصابيح القرآن، ويُطْفِئ نور سراج الإيمان، ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون" فرفع المُلحد، ووضع المُوَحِّد، وآنس البيعة، وأوحش المسجد
ولو أنه فاء واعترف، وأسرع إلى الإجابة، وأظهر التوبة والإنابة، وأقصر عما جر واجترم،، وتاب من ذنبه، وكف من حوبه، ونزع عن جرمه، وورع من ظلمه، وخيانته وجريرته وجريمته، لكان ثمة مندوحة لأن تمحو إنابته مساوي عيوبه،ومعرة ذنوبه، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا"أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزي
وقد كان المتوقع منه، بعدما أقر بتزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بدليلين أولهما يوم افتتاح برلمان مجلس الشعب في جلسته الأولى حيث ألمح إلا أنه قد شابت انتخاباته شوائب، وحينها لم ترق في نظره المائل، إلى درجة وجوب التعديل وتصحيح المسار، وأسف - ساخرا - حينها لعدم تمكن المعارضة من تحقيق النجاح المطلوب،وما سر وسبب عدم نجاحها إلا زبانية الحزب وأزلامه، وثاني الدليلين مناداته اليوم بقبول طعون القضاء الإداري في عضوية أعضاء من هذا المجلس، وطلبه اليوم ذلك. لماذا الآن ؟؟ !!! ولماذا اليوم ؟؟ !!! أقول قد كان المتوقع منه وقد تنادي بضرورة تقويم ما اعوج من مواد الدستور، حتى تبدو عليه أمارات التغيير والصلاح، أن يفسح المجال لكفاءات أخري في البلد ليس هو بأحرص منها عليها، وليست بأغنى منه عن خدمتها، ولها في رقابهم ما لها في رقبته، حتى يقال إن الرجل فاء واعترف، وندم على ما جنى واجترح، ولو أنه أقدم على هذه الخطوة مبكرا، لحقن الدماء، وأبقى للأنفس عصمتها، ولما أوسعته جماهير الشعب بكافة أطيافها وحرفها ومهنها لوما وذما، وعتبا وتأنيبا، وتقريعا وتبكيتا،فسفهت رأيه، وقبحت فعله، وقرصته ألسنة الملامة، وقطعته مناشر الذم، واللوم، لأنه وبمضي الأيام والليالي عبر عقود ولايته، بل خلال الثورة الشعبية بدا وكأنه كالمستولغ الذي لا يبالي الذم، ولا اللوم، ولا المعاقبة في الدنيا قبل الآخرة،بدا وكأنه الشاطر الذي أعيا أهله خبثا، والخليع الذي لا يردعه توبيخ، ولا يقذعه تأنيب، ولا يلفته تقريع، ولا يبالي ما صنع
ولكن ماسر توالي نصائح الغرب، ووصاياه، أبعدما انكشف الغطاء،وانكشط الغماء، وانتهك الستار، وسفر الخمار، وكشف القناع، ونزع اللباس، وأسفرت الظلمة، وزال الارتياب، وبرح الخفاء، سبحان الله، أخمل الله ذكره، وخفض قدره
وعلام المنة بالأعمال في الحرب والسلام، وما التوفيق إليها إلا بالله، والقبول مشروط بالتقوى، "إنما يتقبل الله من المتقين" ولا سبيل لتزكية النفس بها "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا" "فلا تزكو أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"، أهي غزوة بدر ؟؟!! التي بها امتاز أصحابها وأهلها عن سائر الصحابة، حتى صدر فيهم القول النبوي المعصوم " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ؟؟؟ ثم ما أدراك أن هذه الأعمال قد قبلت، والمنة بالأعمال، تُعرِّضُها للإحباط، ويتعرض صاحبها للإسخاط فلماذا تعرض أجرك للإحباط، وتتعرض من ربك للإسخاط.قال تعالى :" والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" وفي الحديث بيان سبب وجف الذين توجل قلوبهم، إنهم الذين يصلون ويصومون، ويتصدقون وقلوبهم وجلة هل قبلت منهم هذه الأعمال أم لا؟!!
ولماذا تأخر الإعلام والإفصاح عن عدم الرغبة في الترشح لفترة رئاسية جديدة أذلك من باب "مكره أخوك لا بطل" بعد هذا الضغط الشعبي وبعد هذا الزخم من الداخل والخارج صرح بعدم النية فى التجديد والتوريث سبحان الله سبحان الله .!! أكان شعب أرض الكنانة يقبل أن يسام الخسف ؟؟؟!!! صرح عما في نفسه وأفصح عما في قلبه، وأعرب عن ضميره، وباح بذات نفسه وأخبر عن نيته، ونشر عن طويته، وكشف عن سريرته أين ومتى كان هذا التصريح؟؟!!، وحديث البادي والحاضر والغادي والرائح عن مخطط التوريث، منذ سنين عددا.أبعدما افترت الأمور عن حقائقها ودقائقها، وانجلت عن مصادتها، وأسفرت عن جليتها.
لكن الشعب الذي ولاه، الشعب الذي انتخبه وانتجاه هو هو الشعب الذي نبذه اليوم وقلاه وفي الحديث "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون الله لهم ويدعون الله لكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" أقول لقد كان حريا به وقد بادهته الجماهير بمشاعرها، وصارحته بلواعج وجدانها وجوانبها، هذه الجماهير قد خرجت تغلي فى قلوبها مراجل العداوة، وتلتهب نار البغضاء، لما أثقل كاهلها من أعباء ومظالم ومفاسد، قد كان خليقا به أن تكون له أسوة في كل من زعيم جنوب أفريقيا، نيلسون مانديلا، وجوهرة السودان سوار الذهب، ولكنه عاج في سيره، وعرج في مشيه، وعوج في قيامه، وانفرج في طريقه،وحاف في حكمه،وجار في قضائه، وصغا إلى كبره وحار إلى هواه، وزال عن استقامته، وانعطف إلى ضده، وتزاور عن يمينه، وقرض عن شماله
لقد كان تلك قرائن منه وأمارات على أن شمسه قد تضيفت للغروب، وصغا نجمه للأفول، ومال طائره للسقوط.فقد ضل عن سواء السبيل، وترك منهج الأمانة، وسلك مدرج الخيانة، وأكثر بحزبه في الأرض الفساد، وظهر منه العناد، واستعلى المراد
لقد أراد الله تعالى بهذه الثورة المباركة إن شاء الله تعالى أن يضع حدا لهذا الخراب والدمار الذي لحق بأرض الكنانة، أراد أن يضع حدا لهذا الظلم الذي حاق بخير أجناد الأرض،، لقد كان من حدائنا منذ حين من الزمن، " طهر الله تعالى منهم البلاد، وأنقذ منهم العباد، وأصلح ما أفسدوا، وأهلك من طغى وعند، وجذ أواصر من سعى فى الأرض فسادا، وأظهر فيها تعنتا وعنادا، ليقر الأمر الصالح مقره، ويجتث من الشر عناصره ؛كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار
لا زلنا نوالي استلهام الدروس واستخلاص العبر من الأحداث الجارية، نعم من أعظم وأبلغ الدروس، "مُرُّ الفطام"،قيل لأحد الولاة بعدما عزل من ولاية، كيف وجدتها ؟!! قال "وجدتها حلوة الرضاع مرة الفطام"، يعز على من أمضي سنين عددا في الولاية والحكومة أن يُعزل، ولا سيما إذا جاءه العزل على غير توقع، "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {26}آل عمران.
هذا وانتهاء ولاية الحاكم بواحد من أمور ثلاثة: 1-إما موته، 2- أو خلعه لنفسه ؛ فلا يبقي فى منصبه مكرها رغم إرادته، 3- أو عزل الأمة له لتغير حاله، بأمور منها جرح عدالته بارتكابه لمحظور، أو قيامه بمنكرات، أو انقياده للأهواء والشهوات، في تسييره لأمور الأمة، أو إخلاله بواجباته الشرعية، فتغير حاله على هذا النحو، يسقط حقه في وجوب مناصرته، وطاعته،بل يسوغ تسويغا شرعيا لمثل هذه التظاهرات.وما دامت الأمة هي التي تملك حق التعيين فهي مالك حق العزل
لم يكن هناك من سبيل إلا بتر هذا الحزب سيئ الصيت، فقد أعضل الأمر، وأفظع، واستشرى الشر بين القوم، وفاض ضره، وفشا شره، وأبادته بوادره، وأثخنته مخالبه، وشمله شره،وأنكاه كيده، ومكره، قد اضطرمت البلاد بفتنه، واشتعلت النواحي بعينه، وتلظى البلد بعناده، والتهبت بفائض شره، وفائر ضره، فانتشر بغيه، وغمر أذاه، ودامت فتنته، وعظمت محنته، واتصلت مكارهه، واستمرت بوائقه، وفاضت أمواج جهالته،ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، والله لا يحب المفسدين
لكل ولاية لا بدّ عزل .. وصرف الدهر عقد ثم حلّ
وأحسن سيرة تبقى لوال .. على الأيام إحسان وعدل
أيها الشباب الثائرون، أماط الله تعالى بكم الأذي عن أرض الكنانة وأهلها، وكف بكم عنها الردي، وكسر أنياب الأشرار عنكم، وقلم منهم الأظفار، وصب عليهم سوط عذابه، وسكب لهم بأس عقابه، وفجر لهم ينابيع أسقامه، وأسامهم في وخيم المراتع، وأذاقهم حرارة بطشه، ومرارة بأسه، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا. عجيب بعد عقود من الزمن، يفهم " فهمتكم..، فهمتكم.." "أدرك معاناتكم.." أقول بعد عقود من الزمن يفهم ويدرك رعاة بلداننا العربية، وحكام أوطاننا حاجة رعيتهم، ومطالبهم، وأشواقهم وتطلعاتهم،وآمالهم وآلامهم، وطموحاتهم،ولكن هيهات أن يأتي الفهم المتأخر والإدراك الدبار الذي أتي بعد فوات الأوان، بعد خراب البصرة، بعد نفاذ القوة، ألا ما أعظم سهو هؤلاء الرعاة، وما أكبر اغترارهم بعدوات الزمان، وما أذكى أعين الزمان عليهم، يحمل أحدهم نفسه على المخاوف والمعاطب، والمهالك، وعلى الأمور الموبقة المردية، في غفلة من قوارع الزمن،ومخبئات الأقدار، حتى تنقبض وسائله وتتصرم علائقه وتنبت أسبابه، ويخلولق ذمامه، وتنقطع أواخيه، "أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"، ساموا رعيتهم خطة خسف، واستذلوها، وأهانوها،، ولسوء صنيعهم وقبيح أفعالهم، وعظيم غفلتهم عن رعاية مصالح رعيتهم، وهت أسباب المودة بينهم وبينها، وتضعضعت دعائمها، وانحلت عراها، ورثَّت حبالها، وضعفت قواعدها، سقمت ضمائرهم، ومرضت أهواؤهم،ونغلت نياتهم، ودويت قلوبهم،وسخمت ضمائرهم، وغلظت أكبادهم، وقست قلوبهم، وفظَّت أنفسهم وجفت
سبحان الله اليوم بعد هذه العقود من الزمن يفيقون من غيبتهم، وينهضون من سباتهم، للشعور بمعاناة شعوبهم، روى النسائي عن أبي الدرداء – رضي الله عنه - عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع). وماذا عساه أن يفيد هذا الفهم والوعي والإدراك، وقد بلغ السيل الزبي، وطفح الكيل، وأظلم الليل على الحياري، وتفاقم الصدع، وجاوز الحدَّ، وبلغت الدلو الحمأة، وانتهى السكين إلى العظم، وانقطع السَّلى في البطن، واتسع الخرق على الراقع، ولم يُعد يجدى نفعا خطاب العواطف، واستجداء المشاعر، واجترار الأحزان، واستحضار سوابق وسوالف الأعمال – التي علم الله وحده قبولها من عدمه، وربما تبعتها أعمال أخري محتها، وأفعال سحقتها، وأحبطتها، المهم أن الشأن الآن جل عن العتاب،، وأعيى على الراقي، وعظم عن التلاقي، فقد بلغت القلوب الحناجر، وكادت الروح تبلغ التراقي، والإفاقة الآن إفاقة شحيح كنود جحود ضيع حق الله وحق خلقه فلما أن أدركه الغرق، وفقد الأمل في البقاء، وأسقط في يده، هرع إلى الجود والسخاء حيث لا نفع ولا جداء،يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة فقال: (أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا)إن هذا التصرف، لا معنى له إلا اليأس، والإفلاس،وشعور المحبط، وحسرة المحرج، وفلتة الذهول،ومعاينة الخلاص، وفي هذه اللحظات لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا،ما الصوارف التي صرفتهم عن الإصلاح قبل أن يبلغ السيل الزبى، ما اللوافت التى لفتتهم عن النظر ؛ والتخطيط الدقيق لمصالح رعيتهم خلال ثلاثين عاما أو انقص منها أو زد عليها، ما الأوافك التى أفكتهم عن تحقيق العدل والعدالة الاجتماعية بين رعيتهم فيما مضى
وقديما قيل: دليل البصر، أوضح من دليل الخبر، إن من مكث عقودا من الزمن، وفاته الإصلاح والتغيير، والسداد، فأني يكون ذلك ؟؟؟؟!!!! وقد ولى العمر وانتزعت الثقة، وشاهد الأحوال، أنطق من شاهد الأقوال، لا برامج ولا خطط، وتزداد البلاد فقرا على فقر وميزانيتها عجزا على عجز، وتنتشر البطالة يوما بعد يوم، حتى حق لبعضهم أن يقول: نحن في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا والشر إلا إقبالا والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا، اضرب بطرفك حيث شئت هل تنظر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدّل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بسمعه عن سماع المواعظ وقرا.
*يتخرج شباب الأمة عاما بعد عام لا يجدون وظيفة، ولا عملا، فهل من الحكمة الإبقاء على هذا الحال، نعم حقا شاهد الأحوال، أنطق من شاهد الأقوال، هذا أشبه بحال من ظل طول عمره كافرا جاحدا مكذبا فلما أدركه الغرق قال آمنت: قال تعالى:" وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {90} آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ {91} فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ {92} يونس هذا الذي آل إليه مصير فرعون، هو حال كثير من طغاة عالمنا العربي لا يعرفون الله تعالى إلا عند الغرق، فيندمون حين لا ينفع الندم، ويفيقون بعد فوات الأوان، لقد عمروا كثيرا وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم فلم ينتبهوا لإصلاح، ولم تستشرف عقولهم لحال رعيتهم، وغطوا في نوم عميق حتى هبت عليهم رياح التغيير العاتية، فلم تبق لهم باقية وأصابتهم صاعقة المظلومين ,ولاحقتهم لعنات اللاعنين، ويوم القيامة هم من المقبوحين، هذه الريح بعثتهم من نومهم وأقضت مضاجعهم صيحات المنكوبين بهم، وطلبهم البقاء حتى النهاية ورجاؤهم المهلة إنما هو تمكين لهم في ظلمهم، وما هم بمصلحين قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ {37}فاطر. قال تعالى :"بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {28}"الأنعام
الحمد لله الذي أذلّ عزّتك، وأذهب سطوتك، وأزال مقدرتك، وأعادك إلى استحقاقك ومنزلتك، فلئن أخطأت فيك النّعمة، لقد أصابت منك النّقمة، ولئن أساءت الأيام فأبدت صفحاتها بإقبالها عليك، لقد أحسنت بإدبارها عنك؛ فلا أنفذ الله لك أمراً، ولا رفع لك قدراً، ولا أعلى لك ذكراً. الحمد لله الذي كفانا شرّك، ووقانا عُرَّك، وصرف عنّا ضُرَّك، وأذهب عنا فيحك وحرَّك
الحمد لله على ما آلت اليه حالك
إن غزوة الجمال والبغال والحمير أبانت عن معادن وأصناف من قام عليهم هذا الحزب، لقد دلت هذه الغزوة على أن هذا الحزب قد جمع معه أعلام الضلالة، وأشياع الجهالة، وأتباع الغواية وأوباش العماية، وأشابة الشقاوة،وطواغي الفتن، وباغية الشر،، لقد دلت هذه الغزوة، على أن هذا الحزب وأمثاله إنما يحوي ويضم إليه كل جائر وشقي، وحائر وغوي، وخامل ودني، وراذل ودني، وشذاذ البلاد، وأشرار العباد، وندَّاد الهزائم، وعرضة البوار، هذا وبالله التوفيق، وللحديث صلة بحول الله وقوته
هوامش:
الأعراف/164
معجم الطبراني الكبير
النمل:84
رجال من الذهب (2)
كان قد كتب عمروُ بن العاص إلى أمير المؤمنين عمرَ بن الخطّاب يستمدّه بثلاثة آلاف فارسٍ فأمدّه بخارجة... اقرأ المزيد
663
| 04 نوفمبر 2016
رجال من الذهب (1)
في السلسلة الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: 2288 قَال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَالَّذِي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِه: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ... اقرأ المزيد
5095
| 03 نوفمبر 2016
قبض النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل الأمة
في صحيح مسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ — صلى الله عليه وسلم —: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ... اقرأ المزيد
1618
| 21 أكتوبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8940
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4857
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4206
| 23 سبتمبر 2026