رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وسط انشغال الحكومات العربية والخليجية بشؤونها العامة وعلاقاتها الخارجية فإنها تغفل أو تتغافل ما يحدث في الداخل من مشكلات اجتماعية وأزمات ثقافية ومعضلات اقتصادية يعاني منها الناس وتتحمّلها الشعوب دون حكوماتها أو بالتحديد تتحمّلها أغلب فئات الشعب في المجتمع باستثناء الطبقة المخمليّة فيه التي تقترب من دائرة الحكم وصنع القرار أو طبقة التجّار والأثرياء الذين جاوزوا حد الغنى إلى الفحش في الثراء لأمرين اثنين في الغالب، إما لكونهم ممن ينافقون ويمدحون السلطة أو الحاكم بأقوالهم وأفعالهم وأموالهم، ليلاً ونهارا وسرّاً وجهارا، وإما لكون السلطة أو الحاكم يريد أن يعزّز بقاءه لأطول فترة ممكنة من خلال شراء الذمم والضمائر وتكوين صفوف من الطابور الخامس المدافع دائماً وأبداً عن أي قرار تتخذه الحكومات وأي قانون تضعه السلطات، ولهذا فهم – أي الأثرياء – في الغالب من الذين حققوا مكاسب ما كانوا ليحصلوا عليها لولا رضا السلطة عنهم ولولا غض الطرف عنهم حال اختراقهم للقانون ولولا الاستثناءات التي منحتها لهم السلطة أو الحاكم وفي الوقت نفسه ما كان للسلطة أو الحاكم أن يحقق ذلك الهدوء العام في المطالب والحقوق من قبل الشعوب لولا جهود هذه الفئة في وأد كل محاولة للمطالبة بالمزيد من المطالب، لأن مطالبهم – أي الشعب – تعني تقليص مساحة نفوذ ومعدّل ربح طبقة التجار والأثرياء، ناهيك عن دورهم في تلميع صورة السلطة دائماً وأبداً في أحاديثهم وتصريحاتهم، بل وأثناء مخالطتهم لعموم الناس، هذا إن خالطوهم أصلاً، ليشعر الناس عندها أن (العيب فيهم) لا في الحالة الاقتصادية أو الوضع الاقتصادي الذي تسببت السلطة في تكوينه وتشكيله وأسهمت بشكل مباشر وغير مباشر فيه، ليعود المواطن البسيط إلى نفسه يجرّ أذيال الخيبة ويلوم نفسه أحياناً، لأنه ولد في طبقة كادحة أو متوسطة، بل ويتعدّى الأمر في أن يلوم والديه لأنهما أنجباه في هذه الطبقة، حتى يقتنع هو وأبناؤه وأحفاده من بعده – بعد أن تزداد فجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء – بأن هذا الأمر عائد إلى الصفات الوراثية أكثر منه إلى الفرص والإمكانات المتاحة والتي في الغالب توجدها السلطة، بل وتتحكم فيها، جملة وتفصيلا.
إن من يفترش الأرض ليبيع مجموعة من البضائع زهيدة الثمن – كحال أغلب الباعة المتجوّلين في كل دول العالم – إنما يمارس حقّه الطبيعي في تحسين حالته المادية وبالتالي تعديل وضعه الاجتماعي، وهو بذلك يمارس حقاً لا تملك السلطة أن تمنعه منه إلا إذا تجاوزت السلطة حدود الحرية إلى القمع وانتهاك الحقوق، فهذا شيء آخر، أمّا إذا مارست السلطة دورها الطبيعي المتمثل في المراقبة وحفظ الحقوق، فهذا شيء طبيعي وضروري ومهم لحفظ الحقوق، كما أسلفنا وللحفاظ على اقتصاد قوي جاذب للاستثمار الأجنبي، رغم التحفّظ على هذا المصطلح قليلاً إذا ما قابله – على النقيض تماماً - طرد المستثمر المحلي ابتداءً أو إحلاله بالأجنبي أو تفضيله بمعنى آخر (عين عذاري.. تسقي البعيد ولا تسقي القريب).
نعم قد نعذر السلطات إذا ما منعت الباعة المتجوّلين أو أصحاب الدكاكين والمحلات الصغيرة من بيع بعض (الماركات) مثلاً بحجة أن وكيلها والمرخّص لها قد دفع مبلغاً من المال في مقابل اختصاصه ببيع تلك (الماركة) رغم تحفّظي كذلك على تجارة الماركات أساساً، ناهيك عن رواجها والترويج لها، فقد نعذر من وضع القوانين بأنه بذلك يحمي حق التاجر الكبير من أن (ينافسه) التاجر أو البائع المتجوّل و(يخرب بيته!) أو بالأحرى يخرب قصره أو قصوره الفخمة، نعم قد نفهم أن الحكومات أو السلطات لا تريد خراب قصور التجّار، ولكننا لا نفهم لماذا تمنع السلطات أو الحكومات في دول العالم الثالث أو العربي، مواطناً أو بائعاً متجوّلاً، يبيع بضاعة بسيطة أو يبيع مأكولات ومشروبات بسيطة لا (ماركة فيها ولا علامة تجارية)، فهذا إنما يندرج تحت باب تأصيل الاحتكار وقمع الحريّات، لا تفسير له غير ذلك.
إن السلطة التي بإمكانها أن تتحكم في محصول مزارع وتمنعه من أن يبيع بعض الخضراوات والفواكه على قارعة الطريق أو بجانب مزرعته، رغم أنه يملكها ويملك المحصول كلّه، بحجة أنه لا يملك ترخيصا مثلاً، هي ذاتها التي أعطت آخرين حزمة أوراق تسمى (تصاريح) تؤهلهم للبيع في مكان يسمّى (السوق) أو (ساحة المزاد) رغم أنهم (لا يملكون مزارع ولا محاصيل)، ولكنهم بذلك الحق الممنوح لهم من قبل السلطة أصبحوا يتحكمون في مصير الآخرين، فأصبح من لا يملك يتحكّم في مستقبل من يملك، ومن لا يملك أرضاً أو محصولاً أصبح أقل دخلاً وأبخس أجراً ممن يملك مجموعة أوراق وتصاريح رسمية موهوبة له من السلطة، حتى إذا اعترض المزارع على ذلك الأجر المفروض عليه لا يستطيع بيع محصوله في مكان آخر وإلّا كان التلف مصير محصوله.
وهكذا الأمر يتكرر في شتّى مجالات التجارة والصناعة، فمن بيده سلطة ممنوحة يستطيع أن يأكل حقوق الناس بمباركة من السلطات وبتأييد منها، بل إن سكوتها عن ذلك يعني مباركتها وموافقتها (بخلاف ما ينشره العامّة بكل سذاجة أن رأس السلطة لا يعلم بذلك، لأنه لو علم بتلك التجاوزات لأوقفها)، غير أن الواقع يقول عكس ذلك، فلا شيء يخفى على السلطات في العالم الثالث، إن خافت على أمنها حرّكت جيوش استخباراتها لمعرفة كل صغيرة وكبيرة، فلماذا لا تفعل الشيء نفسه في شؤون العامة، ودفاعاً عن حقوقهم.
إنها العولمة التي جعلت الدول الغنيّة تتحكم بموارد الدول الفقيرة دون أن تملك فيها شيئاً، فالدول الكبرى تحكّمت بقوانينها وسلطاتها في محاصيل آسيا وإفريقيا، رغم أنها لا تملك فيها شيئاً، وإنما تحكّمت بالقانون الجائر وبالقوّة العسكرية التي تدخّلت عنوة بحجّة المساهمة في استقرار تلك الدول، بينما هي في واقع الأمر لحماية مصالحها ولتهديد أمنها.
وهكذا فعلت دول العالم العربي عندما لم (تتشطّر) على الدول الكبرى أو دول الغرب ولكنها استعرضت عضلاتها على شعوبها وبالأخص على أهل الحقوق والضعفاء المساكين منهم، فوهبت السلطات لمن لا يستحقون لا للحفاظ على اقتصادها كما يزعمون، وإنما للحفاظ على كراسي الحكّام ومن يحمونهم ويدافعون عنهم – العساكر والإعلاميون والتجاّر والأثرياء – وبما أن الظلم ظلمات ودعوة المظلوم مجابة ولو بعد حين، لذلك تجد أن معظم مشاريع وموازنات تلك الدول الظالمة والقاهرة لشعوبها تتعطّل وتتأخر وتتعرض للسرقات وللنهب من قبل المقاولين المنفّذين لها، ناهيك عن فشلها وتجاوزها لمدة تنفيذها وميزانياتها الأولية، بالإضافة إلى سرعة خرابها وكثرة صيانتها.. ناهيك عن انتزاع أراضي الناس بحجة إقامة مشروعات عليها للمنفعة العامة، بينما يترك أصحابها ليعانون الشتات وغلاء الأراضي والمساكن، فكان الجزاء والعقاب (الدنيوي)، حيث تأخرت تلك المشاريع وتعطّلت ربما بدعوة مظلوم واحد، فما بالك بآلاف وملايين المظلومين في أنحاء الوطن العربي، كل ذلك ليبقى الحكّام على كراسيهم ولينتفع أهل الفساد بالفوضى المباركة من السلطة ويزيد أهل الثروة ثراءً ويبقى الوضع على ما هو عليه، لا ديمقراطية ولا هم يحزنون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3699
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1668
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1284
| 24 مارس 2026