رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أدري من صاغ رد الشركة المنشور يوم السبت الماضي، وهل هو على مستوى موظفي العلاقات العامة أو مستوى إدارة الشركة، ولكن أيا كان الرد، فهو اقتصر على نفي كل شيء باستثناء الدعم اللا محدود الذي يحصل عليه المشروع من سمو أمير البلاد المفدى وولي عهده الأمين، وحتى هذه النقطة لم يكد يجزم بها عندما قال: "ولعلنا نصيب إذا قلنا بأنه بدون دعم سمو الأمير وولي عهده الأمين..."
قبل أن أرد بالتفاصيل، انوه بأنه منذ نشر المقال وصلني العديد من الرسائل وتلقيت كثيرا من المكالمات تثني على المقال وكانت إحداها من الزميل أحمد الرميحي رئيس تحرير جريدة العرب، يحيلني الى موضوع نشرته "العرب" نقلاً عن الفايننشال تايمز البريطانية في 1 أبريل 2011، ذكرت فيه ارتفاع أسعار الشراء في اللؤلؤة، حيث تقول فيه الجريدة: "إن الشراء في الدوحة — يقصد اللؤلؤة — ليس صريحاً وواضحاً كما يقول سامي يوسف المدير الإداري في "بيتر هومز" للعقارات، اذ يقول: من بين المشاكل الأخرى هناك توصيل "قطر كوول" للتبريد وهو رسم إضافي يضاف عند اكتمال البناء لتوصيل الماء والتكييف والكهرباء، وقد دفع صديق لي 86 ألف ريال، الأمر الذي مثل صدمة له. وقد فاجأت التكاليف الخفية هيثر النويري وهي مواطنة أمريكية اشترت شقة في اللؤلؤة في عام 2007 بمبلغ 3 ملايين ريال قطري، حيث تقول "إن علينا دفع 7،300 ريال شهريا من أجل الصيانة، وهو ما لم يكن موجودا في الأوراق الأصلية". انتهى كلام الفايننشال تايمز.
وقد أثبت الرد ما قلته في مقالي السابق بأن الشركة المتحدة "أقل المتضررين وأقل المتحمسين لإيجاد حل لهذه المعضلة. وكان التعالي واضحاً في اتهام المستثمرين والمطورين بالفشل، وفي "أن استثمارات الشركة غير مسبوقة ومتميزة يتقاصر عنها اعتى تسونامي وينكسر أمامها ". مع أننا لم نلق كل اللوم على الشركة المتحدة ولكننا أبرزنا مشكلة نعتقد أن الجهود يجب أن تتضافر بين الشركة المتحدة والمطورين والمستثمرين للخروج بحلول وسط تعيد الحياة إلى الجزيرة.
وجاء رد الشركة نافياً لمسألة قيام الحكومة بشراء شبكة الكهرباء في الجزيرة، وكاد يثبتها عندما ذكر مبلغ الـ 1.4 بليون ريال وبأن الشركة لم تتسلم أي دفعات مقابل استملاك كهرماء للمحطات حتى اللحظة". وأنا أجزم بأن المخطط للمشروع كان في تسلُم وصلة الكهرباء الحكومية وشراء الطاقة على بوابة الجزيرة، على أن تقوم الشركة المتحدة بتوزيعها في الجزيرة وبيعها للسكان بمعرفتها وبأسعارها!!
وبعد أن تعثر المخطط لأسباب لا نريد أن نسترسل في ذكرها، استجدت الشركة الحكومة للتدخل وإنقاذها من ورطتها بأن قامت الدولة بشراء المحطات والخطوط في الجزيرة بالسعر المذكور. وأنا أعرف عن هذه الجزئية كما أعرف أن بيدي 10 أصابع.
مشكلة اللؤلؤة التي تتجنب الشركة إقرارها هي عزوف الناس عن الشراء في الجزيرة، ومن اشترى لغرض الاستثمار أو التطوير والبيع لاحقاً تورط في أسعار باتت أعلى من أسعار السوق. وما ذكرته عن ملاحظات المشاركين في معرض العقار السادس عن أسعار البيع وتكاليف ورسوم المعيشة في اللؤلؤة وما ذكرته صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية ما هو إلا إثبات لأمر مؤكد لا ينكره إلا مكابر.
وجاء تبجح الشركة في الرد على هذه الجزئية في أن "الرسوم والمصاريف والتكاليف تقل عن كثير من المشاريع المماثلة، وذلك لأن الشركة المتحدة للتنمية تدعمها من حر مالها"!! ونحن نعرف أن مشاريع كثيرة مشابهة في دبي تدفع فيها رسوم أقل من اللؤلؤة. ولكن لا ندري ما مقصد الشركة من "أنها تدعمها من حر مالها"!! أليس هو مال مساهمي الشركة وما حققته الشركة من أرباح بلغت 515 مليون ريال في عام 2009 و617 مليون ريال في عام 2010 والسنوات السابقة، وهي أرباح جاءت من عمليات البيع في الجزيرة ودفع قيمتها المستثمرون والمطورون والملاك؟!! وهل للشركة أموال من مصادر أخرى غير "حر مالها"!! أفيدونا أفادكم الله.
أما ما ذكره الرد بشأن الرسوم التي لا تتعدى الـ 6 ريالات شهرياً على المتر المربع التي تحصلها الشركة، فهذه الرسوم ليست آخر المطاف بالنسبه للملاك، فهناك تكاليف سنوية تقارب 150 ريالا للمتر المربع، تدفع لما يسمى بـ "اتحاد الملاك" الذي تفرض الشركة المتحدة قيامه في كل برج لصيانته والحفاظ عليه. وإن كان هذا الاتحاد يتألف من الملاك لكنه في النهايه يستوجب دفعات مفروضة وملزمة ولا مهرب منها بغض النظرعن مَن المستفيد!. وحسب علمنا فإن اتحاد الملاك الذي تشير إليه "المتحدة" في ردها، اتحاد على الورق فقط، ولم نستطع الوصول إلى أي شخص يتحدث باسم هذا الاتحاد بالرغم من تحدثنا الى العديد من المطورين والمستثمرين والملاك.
وفي ذات الجزئية المتعلقة بالرسوم والمصاريف، سأختار 3 تعليقات من ملاك نشروا تعليقاتهم في موقع Arabian Business.com في يوليو 2009، رداً على اتهامات نفتها شركة قطر كوول — شركة مملوكة 51% من الشركة المتحدة — بشأن ارتفاع تكلفة توصيل التكييف التي تراوحت بين 50،000 و 146،000 ريال. يقول كاتب المقال الكس دلمر مورغن: "يبدو الأمر أشبه بمقولة "انه ليس خطئي". فشركة قطر كوول تلقي باللوم على المطورين، والمطورون يلقون باللوم على قطر كوول، والضحية هم الملاك. ويطالب كيفن مكدونلد بتدخل الحكومة القطرية لإنقاذ المشروع بقوله: "الشركة المتحدة ستخنق المشروع، اللؤلؤة ستموت موتة بطيئة. فالطلب من المالك دفع 150،000 ريال لتوصيل الخدمات المختلفة ليس إلا ابتزازا". والأهم ماقاله آخر على نفس الموقع: "لدي سؤال واحد أود أن أوجهه للشركة المتحدة والمطورين الآخرين وشركة قطر كوول ألا وهو: أتدرون من الذي بمقدوره أن يعمل على إنجاح مشاريعكم أو إفشالها؟ الجواب ببساطة هو العميل". والسؤال الآن: كم عدد العملاء الراضين وغير الراضين عن الوضع والأسعار في الجزيرة؟
كما قلت، فقد غاب عن أصحاب الرد المقصد الأساسي من المقال وهو عزوف الناس عن الشراء أو السكن في الجزيرة للأسباب التي ذكرتها. فالمشروع ليس جزيرة ذكية وأنظمة بيئية فقط وإنما حياة وتعايش طالما سوقت لها الشركة في إعلاناتها وتصريحاتها وموقعها الإلكتروني. فالترويج للجزيرة كان في أنه سيقطنها 41 ألف نسمة حال انتهاء المشروع في 2011. ونحن نعلم أن أول القاطنين سكن الجزيرة في 2009. والسؤال الآن: كم عدد قاطني الجزيرة اليوم مقارنة بالمتوقع؟ وأرجو ألا يأتي الجواب أن هذا ليس من شأنكم وأنكم غير مسؤولين عن عدم سكنى الوحدات التي بيعت.
جاء في رد الشركة تساؤل يلقي باللوم والفشل على الشركات والمستثمرين: لماذا نجح البعض وفشل آخرون في تسويق مشاريعهم؟ والتساؤل لا يحتاج الى "اينشتاين" ليجيب عنه. من نجح كان قد اشترى المتر بـ 7،000 ريال وسوقه بـ 10،000 ريال، ومن فشل كان اشترى المتر بـ 17،000 ريال ولم يستطع تسويقه بـ 17،001 ريال بعد ان ضربت الازمة العقارية السوق وهوت بالأسعار إلى أدنى بكثير من سعر الشراء. فهل هذا يحتاج الى تساؤل من الشركة حتى تفهمة!!
ثم — عذرا — أيها المتحدة، لماذا فشلت شركات لديها خبرة عقارية كبيرة أدارت وسوقت بنجاح الكثير من المشاريع في قطر ودول الخليج وفشلت في اللؤلؤة فقط؟! ودعنا نقر افتراضا أن الشركات والمستثمرين فشلوا في التسويق كما تقولون، هل تستطيع الشركة المتحدة أن ترينا مهاراتها في التسويق وتقوم بالتسويق نيابة عن الفاشلين الآن، وبالأسعار التي اشترى بها الكثير من المستثمرين والملاك. وهل يمكنها التنازل عن الـ 2.5% من قيمة إعادة البيع للآخرين لتحسن من العائد الاقتصادي لعمليات بيع الوحدات مع أن هذا لا يكلفها أي درهم إضافي.
وفي ختام خطابها تدعونا الشركة لزيارة مواقع العمل في الجزيرة، وتتمنى علينا في ردها أن نتأكد من معلوماتنا قبل النشر، وأن "ليس كل ما يلمع ذهباً ". وهذه حقيقة لا نختلف عليها، ونذكرها ايضاً بأن ليس كل ما في البحر لؤلؤاً. وإذا كانت لنا زيارة للجزيرة، فليس لمواقع العمل أو مشاهدة عمارات خاوية، بل للاطلاع على ملفات الشركة ودفاترها حتى نتأكد إذا ما كانت معلوماتنا التي نشرناها صحيحة أم خاطئة. وإذا كانت صحيحة فتأكيدها للمساهمين حق لهم، واذا كانت خاطئة لهم منا اعتذار ينشر على مقدار الصفحة يصحح المفاهيم المذكورة وجزئياتها.
وكلمة أخيرة لمن يهمه الأمر، مشروع اللؤلؤة مشروع وطني في المقام الأول كونه فريداً من نوعه في قطر وواجهتها الحضارية الجديدة. فالجزيرة ليست عمارات ووحدات سكنية وممشى تجاريا فقط، بل يجب أن تموج بحركة تعج بالحياة من سكان ومرتادين لهذا الصرح المميز. ومن قصر النظر الادعاء بأن المشروع بألف خير كما تدعي الشركة المتحدة، في حين أن هناك عددا من القضايا المتشابكة في المحاكم بين المتحدة والمطورين والملاك، وما زالت مئات الوحدات تنتظر سكانها. الوضع يحتاج إلى دراسة ومراجعة للخروج بأفضل الحلول وأنسبها. وليست الملامة كلها على المتحدة، ولكنها ليست في حل من أنها جزء من المشكلة. وإذا أردنا الخير لهذا المشروع فعلى الأطراف كلها أن تضحي من أجله. وإذا خطا المطورون والمستثمرون خطوة في اتجاه حل وسط، فعلى المتحدة أن تخطو خطوتين. فنجاح المشروع أو فشله يقعان في المقام الأول على عاتقها.
نشرت "الشرق" في عددها الصادر يوم الأحد الماضي 10 أبريل 2011 ردا من شركة المتحدة للتنمية على مقالي المنشور في ذات الجريدة يوم 3 أبريل تحت عنوان "تسونامي جزيرة اللؤلؤة".. وجاء الرد خاليا من أي إقرار بأن هناك أي مشكلة في جزيرة اللؤلؤة، وبالعتب على كاتب المقال في إبراز وجهة نظر واحدة "بُنيت على القيل والقال وضرب الأمثال" وعدم الرجوع لسماع رأي الشركة المتحدة، وأننا نسبنا الكلام إلى مجهولين وغاب عنهم أن خطابهم جاء من مجهول بدون اسم أو توقيع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4518
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4065
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2190
| 05 مايو 2026