رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برحيل الوالد خالد بن عبدالله العطية، فقدت بلادنا أحد أبرز رجالاتها المخلصين الأوفياء الذين تفانوا في خدمة وطنهم وأخلصوا لحكامها الأماجد وشعبها الكريم، وبموته تنطفئ شمعة كانت تضئ الدرب في مسيرة هذا الوطن بما اتصفت به شخصيته من سجايا ارتقت به إلى مصاف الحكماء من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولا غرو في ذلك لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، فالحديث عنه يطول ويطول فهو سليل أسرة كريمة وعريقة قدمت الشهيدين والده وجده رحمهما الله اللذين وهبا روحهما فداءً لتراب الوطن وكرامته وسال دمهما الزكي لذلك الهدف، وبوفاة خالد بن عبدالله كذلك تطوى صفحة ناصعة من صفحات القيم النبيلة والأخلاق السامية التي توجب علينا الوقوف وقفة تأمل وإجلال أمام السيرة العطرة التي تحلى بها في حياته التي امتدت قرابة الثمانية والثمانين عاماً لتستذكر الأجيال تلو الأجيال مآثر الأسلاف وتستلهم الدروس المفيدة والناصعة لترسيخ الولاء للوطن وقيادته.
اختير خالد بن عبدالله لوزارة الأشغال العامة في أول تشكيل وزاري في قطر عام 1970 وقد شرف به المنصب، لكنه رغم ذلك لم يلق بالاً بما يضيفه المنصب الوزاري، وظل على بساطته المعهودة فيه وتواضعه الجم كما يشهد له بذلك كل من عرفه حتى أسموه الوزير الشعبي، وبالرغم مما لهذه الوزارة من طبيعة خاصة لها مشاكلها وعقدها، إلا أنه لم يجعل بينه وبين المواطنين من المراجعين وأصحاب الحاجات وما أكثرهم حجاباً، فازدحام مكتبه بالمراجعين من غير موعد رسمي يدل دلالة كبيرة على رقي هذا الإنسان ومعدنه الكريم في تعامله مع الناس ومن لم يجد فرصة للقائه في المكتب، فالمجلس العامر مفتوح لكل صاحب حاجة، وهي عادة كانت يمتاز بها الفقيد حتى قبل توليه الوزارة واستمرت في أثناء الوظيفة وبعد خروجه منها، وكنت عندما أزوره أشفق عليه من كثرة أصحاب الطلبات وأعجب من صبره وتحمله، حيث يستمع إلى الطلبات برحابة صدر وبشاشة وجه وكذلك الحال حين أسندت إليه في فترة من الفترات إلى جانب وزارته وزارة الشؤون البلدية فزادت الأعباء عليه، لكنه بما أوتي من حكمة الرأي ونفاذ البصيرة كان التوفيق حليفه فيما يهدف إليه، ومن أخلص عمله لله كان الله معه معيناً وميسراً.
خالد بن عبدالله لم تمنعه أعباء الوظيفة الوزارية والتزاماتها من التفاعل مع إخوانه من أبناء وطنه والتواصل معهم وتفقد أحوالهم، وكانت وجهته في الكثير من الأحيان إلى السوق يفاجئ الأهالي في محلاتهم ويسلم عليهم ويتذكر معهم الماضي وما كان يحمله من عبق وما كان يتميز به أهل قطر من محبة وتضامن وتعاون في السراء والضراء منذ الأزل، وقد ساهم هذا كثيراً في تعميق الحب والتقدير لشخصه، وعندما خلا السوق من أصحابه بموت معظمهم الواحد تلوا الآخر، وذهبت ذات مرة لزيارته وسألني عن السوق ومن يرتاده الآن، فقلت له يا أبا عبدالله الجميع مشتاق لك ويترقبون مجيئك إليهم فأنت حين تأتي يفرح بك الجميع ويعتبرون مرورك عليهم شرفا كبيرا، فبادرني بالإجابة ولمن أدخل السوق الآن وقد خلا من أهله من الرجال الأوفياء المخلصين الذين طوتهم المنية وبقيت ذكراهم التي لا تغيب عن مخيلتنا ولم يبق فيه إلا القليل والكثير من الوافدين.
خالد بن عبدالله كان له دور بارز في إصلاح ذات البين والتراضي بين الأهالي عند الخصام ما وجد إلى ذلك سبيلا حكى له رحمه الله مشكلة حدثت وقد سمعت بها، ولكني اطلعت منه على تفاصيلها، تجلت فيها حكمة هذا الرجل وكشفت عن معدنه الأصيل وصدق محبته لإخوانه، فقد روى لي أن أطفالاً من عائلتين قطريتين معروفتين يلعبون معاً وكانوا أصدقاء، ويبدو أنهم يصطادون في البر، فثارت رصاصة بطريق الخطا وأثناء اللعب في أحدهم، وأصابت زميله فأردته قتيلاً، ولما علمت بذلك – والكلام له – وخوفاً من استفحال الخلاف والرغبة في تطويقه وقطع الطريق على من يريد استغلال الحادث تحركت على الفور ومعي أخي المغفور له بإذن الله خليفة بن عبدالله، وكان رجلاً شهماً ومقداماً وصاحب مواقف عظيمة وذهبنا لحل المشكلة قبل أن يتدخل أحد وقبل وصولها إلى القضاء وانتهت برضا العائلتين والصلح بينهما وقمنا بإكرامهم بما يسره الله تطييباً للخاطر وهذا موقف عظيم يسجل لخالد بن عبدالله وشقيقه وينبئ عن مواقف كريمة لهذه العائلة القطرية العريقة.
وهو في فعلته هذه إنما يجسد روح الإخاء والمحبة والمودة التي تجمع بين القطريين كأسرة واحدة، كذلك عندما علم من بعض معارفه أن رجلاً من أهالي قطر ممن عملوا في خدمة الحكام لفترة طويلة قد تضرر من جراء اقتطاع بيته في السبعينيات من القرن الماضي سارع فوراً إلى سمو الأب الشيخ خليفة بن حمد حفظه الله (أمير البلاد آنذاك) وشرح له الموضوع وذكره بمكانة هذا الرجل في قطر فعمل على إنصافه دون أن يعلم ذلك الرجل، وهذا لأنه اتخذ من منصبه وسيلة لخدمة مواطنيه وإيصال مطالبهم إلى المسؤولين.
إن السيرة العطرة للفقيد كذلك تنبئ عن بصمات واضحة في المجالات الخيرية ابتغاء رضوان الله دون منّ ولا أذى، فمن مساجد كثيرة في بلدان متعددة إلى حفر آبار وإنشاء مراكز لتحفيظ القرآن الكريم وطباعة مصاحف وكتب دينية بغية نشر تعاليم الإسلام خصوصاً في المناطق النائية في مجاهيل بعض القارات، ناهيك عن تقديمه مساعدات مادية تعينهم على أداء رسالتهم وتبلسم جراح المحتاجين والبؤساء منهم.
وكان رحمه الله يتميز بشخصية المسلم الوسطي المتسامح المتمسك بدينه وسنة نبيه، ومع ذلك لم ير بأساً في الانفتاح على باقي الديانات والمذاهب، معتبراً أن هذا ربما يؤدي بهم إلى الاقتناع بالإسلام والدخول فيه، ولهذا وجدنا مجلسه في عاليه في لبنان يغص بالعديد من الشخصيات من مختلف الديانات والمذاهب يحاورهم بالحسنى ويظهر لهم انفتاح الإسلام وسماحته.
كنت شخصياً أسعد كما يسعد غيري حين أزوره رحمه الله في مجلسه العامر ونتبادل معه الحديث في التاريخ القطري ورجالات قطر ومواقفهم وما يمتازون به من صفات، وقد أذهلني ما تحمله ذاكرته من معلومات كثيرة، وأعترف بأنني ارتكبت خطأ في أنني لم أسجل منه ما حفلت به تلك الذاكرة وغاب عن ذهني تدوينها، خصوصاً وأنني من المهتمين بسبر أغوار تاريخ بلادنا، لأن مكتبتنا القطرية مازالت تعاني قصوراً في المؤلفات حول قطر، ولهذا السبب كنت أوصي الباحثين القطريين من طلبتنا حين يعدون رسائلهم للماجستير والدكتوراه ممن أشرف عليهم أو اشترك في مناقشاتهم أن يهتموا باللقاءات والمقابلات الشخصية مع الشخصيات التي لها باع طويل في الميدان وممن عاصروا الأحداث والوقائع وتتبعوا المسيرة أن يلجأوا إليهم لطلب المعلومات حتى يمكن تلافي القصور في المعلومات التي لم تدون في الملفات، وخالد بن عبدالله واحد ممن يشار إليهم بالبنان للحديث عن كل شيء وتكون مذكراته بمثابة مرجع يلجأ إليه الدارسون والباحثون ومن مداعباته اللطيفة معي أني كلما زرته في مجلسه أو التقيت به في مكان ما، يبادرني بالسؤال: يابو عبيدان ما هي أخبار الديمقراطية في العالم باعتباري أحد أعضاء لجنة إعداد الدستور القطري وبمثل ما نخوض معه في التاريخ نخوض في السياسة والعلاقات بين الدول، ووقفت بنفسي على شخصية تعرف كيف تحلل مجريات الأحداث، وكيف تتنبأ بما سيحصل، ودائماً نتفق في الرأي على أننا ولله الحمد نعيش في قطر ديمقراطية حقة لا تعرف التكلف ولا المظاهر، فحكامنا حفظهم الله يفتحون قلوبهم ومجالسهم لاستقبال المواطنين، فليس بينهم وبين الشعب حجاب ونتمتع بأسباب العيش الكريم في وضع نحسد عليه.
وكان قلبه الكبير يمتلئ بالمحبة الصادقة، واتضح لي ذلك عندما كنت أتأخر عليه في الزيارة، فيقول للحاضرين: يا جماعة اشهدوا أن بيننا وبين العبيدان أخوة وعلاقة راسخة بناها الآباء والأجداد، واشهدوا إذا تأخروا علي في الزيارة وأنا أحبهم، فسوف أطلب معهم الاحتكام لشرع الله لمعرفة السبب والحكم عليهم، فأي مشاعر أعظم من هذه التي يحملها قلبه النقي الذي يفيض محبة وعطفاً وحناناً، قال لي العم سلطان بن يوسف العبيدان رحمه الله ذات مرة، يا ولدي إن خالد بن عبدالله يخجلنا في حبه لنا بأخلاقه وتواضعه وسؤاله ولا أدري كيف نرد له الجميل والواحد منا يريد فداءه بالروح وهو ابن الكريم، ولم تقتصر علاقات خالد بن عبدالله على محيط القطري فقط، وإنما تجاوزت الحدود، فارتبط بعلاقات صداقة حميمة مع حكام المنطقة ومع رؤساء الدول العربية والإسلامية، وقد روى لي شهود عيان كيف كانت منزلته عند هؤلاء وما يحظى به لديهم من إجلال وتقدير.
هذا هو خالد بن عبدالله، وهذه أخلاقه ومناقبه ولا نزكي على الله أحدا، والحديث عنه يطول ويطول، لكن عزاءنا أن الفارس ترجل ليلحق بإخوانه القطريين البررة ممن سبقوه، يرحل ليترك في النفس حسرة وفي القلب لوعة في وقت نحن أشد ما نكون في حاجة إلى أمثاله حكمة ورأياً وستخلده أعماله العظيمة كما قال الشاعر:
درب الخلود وإن أودى بصاحبه
يبقى على الدهر ذكر الصيّد والصيد
ففقد "أبو عبدالله" رزء كبير، لكن عزاءنا أن سيرته ستظل ماثلة في الأذهان بما انطوت عليه من مثل وقيم ستذكرها الأجيال محفورة في الذاكرة.
نعم خالد بن عبدالله نموذجاً للمؤمن الصالح الذي استوعب فلسفة الحياة فلم يعبأ بمظاهرها، ولم ينخدع بزخارفها فقدم لنفسه في حياته من الأعمال الصالحة والصدقات ما تنفعه في الحياة ويرجى ثوابها بعد الوفاة، فليهنأ فقيدنا الغالي بما أعد الله للصالحين من أمثاله، ولا نزكي على الله أحداً، وكل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة.
وبعد فإن الموت هو النهاية ولن يفر منه أحد والآجال مكتوبة ومحدودة، ولكل أجل كتاب، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وكما قال الشاعر:
نهاية العيش موت سوف ندركه
فنحن من ذين في رسل وفي وخد
عمر الحياة مسافات محددة
والعمر للقيم المثلى إلى الأبد
نحسب أن خالد بن عبدالله قد طيب الله له الموت، فأحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، ولله ما أخذ وأعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، ونسأل الله أن يجبر مصيبتنا جميعاً ويعوضنا في فقده خيراً وإنا لفراقك يا أبا عبدالله لمحزونون.
ولا يسعني وقد نفذت مشيئة الله إلا أن ندعو الله أن يرفع مقامه ويضاعف حسناته ويجزيه خير الجزاء على ما قدم لدينه ووطنه وإخوانه، وأن يجعل الموت راحة له من كل شر وأن يجمعنا به في واسع جنانه.
ونتوجه بصادق العزاء والمواساة لإخوانه وأنجاله وكافة العائلة الكريمة في فقيدنا جميعاً سائلين الله أن يحفظهم من كل سوء ولا مكروه.
"إنا لله وإنا إليه راجعون".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2754
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1176
| 28 سبتمبر 2026