رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمر الاقتصاد العماني بظروف اقتصادية مثيرة وفي المجموع إيجابية في هذه الفترة بدليل شهادة مؤسسات الائتمان الدولية. تشمل الأدلة الأخرى على سلامة الأوضاع الاقتصادية تسجيل فائض ضخم خلال النصف الأول من السنة المالية 2012 فضلا عن تحقيق نسبة نمو ملفتة في الربع الأول من العام الجاري.
فحسب إحصاءات رسمية تم الكشف عنها حديثا بلغت قيمة إيرادات الخزانة العامة نحو 19.1 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2012 مقارنة مع 14.1 مليار دولار في الفترة نفسها من 2011. وفي الوقت نفسه بلغ حجم النفقات العامة قرابة 20 مليار دولار في الفترة المشار إليها أي تقريبا ضعف ما كان عليه الحال في النصف الأول من 2011.
مؤكداً يمكن اعتبار هذه الأرقام مؤشرا لما قد سيكون عليه وضع المالية العامة في نهاية السنة. وكانت الحكومة قد أعدت ميزانية 2011 بنفقات وإيرادات قدرها 26 مليار دولار و22.9 مليار دولار على التوالي. وعليه تم تقدير عجز مالي يفوق قليلا 3 مليارات دولار للسنة المالية برمتها.
ويعود الأمر بشكل جزئي لافتراض معدل منخفض لبرميل النفط وتحديدا 75 دولارا عند إعداد الميزانية أي أقل من الأسعار السائدة في أسواق النفط الدولية. وتؤكد الأرقام الرسمية أن الدخل النفطي زاد بمقدار 25 في المائة عن المقدر خلال الشهور الستة الأولى وهو ما يعكس حقيقة الوضع في الأسواق الدولية.
المشهور أن أسعار النفط لم تنخفض عن متوسط 100 دولار للبرميل لأسباب أمنية وسياسية لها علاقة بالملف النووي الإيراني والأزمة السورية. نعم تراجعت الأسعار عن حاجز 100 دولار للبرميل لعدة أسابيع بسبب مشاكل لها بأزمة اليورو وبالتالي فرضية تراجع النمو الاقتصادي في دول الاتحاد الأوروبي. لكن من شأن التوترات المختلفة المساعدة في بقاء أسعار النفط مرتفعة نسبيا خلال العام الجاري.
المعروف أيضا عن عمان تبنيها لسياسات مالية محافظة كخيار إستراتيجي كما هو ظاهر من تحاشي العضوية في منظمة (أوبك) بغية الحفاظ على استقلالية خياراتها الاقتصادية. ويلاحظ في هذا الصدد إعلان السلطنة وبشكل واضح عدم رغبتها الانضمام للمشروع النقدي الخليجي لأسباب اقتصادية.
وهناك سبب إضافي آخر لارتفاع الإيرادات النفطية وهو استمرار تعزيز الإنتاج النفطي في إطار خطة واضحة لتطوير القطاع النفطي. فحسب تقرير حديث لمؤسسة (بريتيش بتروليوم) بلغ الإنتاج النفطي العماني 891 ألف برميل في 2011 مقارنة مع 715 ألف برميل في اليوم في 2007. بل تم تسجيل نسبة نمو قدرها 2.8 في المائة في الإنتاج النفطي في 2011.
ويبدو أن للأمر علاقة بخطط تطوير الإنتاج النفطي عبر إبرام عقود شراكة تخدم مصالح مختلف الأطراف ذات العلاقة مع بعض شركات النفط العالمية خصوصا بالنسبة لحقل مخزينة. وكان تحالف بقيادة شركة أوكسيدنتال الأمريكية والذي يضم شركاء آخرين بينها مبادلة الإماراتية قد فاز في 2005 بعقد لتعزيز إنتاج حقل مخزينة من 10 آلاف برميل يوميا إلى 150 ألف برميل يوميا. عبر استثمار مبلغ قدره ملياري دولار.
يساهم القطاع النفطي بنحو ثلثي دخل الخزانة العامة ما يعني توقع حصول تغيير جوهري في أهمية القطاع النفطي في حال تسجيل تطورات إيجابية أو سلبية بالنسبة لأسعار النفط الخام. لكن لا يمكن إغفال الجانب السلبي المتعلق بهذه الحقيقة أي وقوع الاقتصاد العماني تحت رحمة التطورات في أسواق النفط العالمية والتي بدورها تخضع لأسباب سياسية واقتصادية معقدة.
ويبدو أن مؤسسات الائتمان راضية عن التطورات الاقتصادية بل وحتى السياسية الحاصلة في السلطنة. بالعودة للوراء شهدت عمان وتحديدا منطقة صحار الصناعية موجة احتجاجات في الربع الأول من 2011 للمطالبة بمعالجة بعض الملفات الحيوية منها القصور المالي والإداري في القطاع العام والبطالة في أوساط الشباب.
وشملت خطوات المعالجة التي أقرتها السلطنة تعزيز الشفافية في إدارة شؤون المالية العامة من جهة وضخ أموال ضخمة تقدر بنحو 2.6 مليار دولار في الاقتصاد الوطني من جهة أخرى. وتضمنت الخطوات التفصيلية تخصيص مساعدات مالية شهرية للباحثين عن فرص العمل ورفع المخصصات الشهرية للعاملين والمتقاعدين.
تبلغ نسبة البطالة في أوساط الشباب الباحث عن عمل قرابة 15 في المائة. كما شكلت وتشكل الحقائق الديمغرافية أي تمثيل من تقل أعمارهم عن 15 سنة لقرابة 43 في المائة من السكان ضغطا إضافيا على صناع القرار في السلطنة. وليس مستغربا تقديم السلطات وعود بتوفير عشرات الآلاف من الوظائف في مؤسسات الدولة والتي يرغب العمانيون العمل فيها لأسباب تشمل توقع الضمان الوظيفي.
عودة لموضوع الائتمان فقد قررت مؤسسة (ستندارد آند بورز) في شهر يوليو تغيير النظرة المستقبلية للاقتصاد العماني من سلبي إلى إيجابي للتعبير عن تقديرها للخطوات التي تم اتخاذها منذ أحداث فبراير 2011. بدوها قررت مؤسسة (موديز) التأكيد من جديد للدرجة الائتمانية (أي واحد) للسلطنة فيما يخص مختلف أنواع السندات الحكومية.
وحديثا فقط تم الكشف عن تسجيل نسبة نمو قدرها 19 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في الربع الأول من 2012. وما يبعث على الاطمئنان تسجيل نسبة النمو هذه في ظل عدم وجود ضغوط تضخمية. بلغ متوسط التضخم 3.6 في المائة لا أكثر في 2011 وهي لا تشكل تهديدا لديمومة الحياة الاقتصادية في البلاد.
ختاما تفترض إحدى الجهات التي تراقب أداء اقتصادات دول مجلس التعاون بتحقيق الاقتصاد العماني أفضل نسبة نمو اقتصادية في المنطقة في 2013. وربما يكون التوقع في محله في حال حافظ الاقتصاد العماني على أدائه المتميز في ظل تقدير السلطات للأسباب التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات وهو ما يبدو كذلك.
الكورة في ملعبك
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد
507
| 02 يونيو 2026
عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد
168
| 02 يونيو 2026
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
180
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4791
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2703
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
1794
| 02 يونيو 2026